يد الوزير

، بقلم مصطفى لغتيري

تتخذ رواية «يد الوزير» للكاتب المغربي محمد صوف، الصادرة سنة 2006 عن منشورات أمنية، من حدث طريف نقطة ارتكازها، وطاقة مولدة للحكي في متنها، هذا المتن الذي يقع في 87 صفحة من الحجم المتوسط، ويتمثل هذا الحادث في امتداد يد وزير شاذ نحو مؤخرة امرأة أمام أنظار زوجها وملامستها، تقول الزوجة التي تعرضت للحادث «تأهبت للخروج فامتدت يده اليمنى نحو وركي الأيسر وربتت عليه بإمعان» ص 10..

هذا السلوك المشين الصادر عن الوزير صاحب العين الزجاجية، الذي يحيل على شخصية واقعية كان الزمن المغربي الرديء قد ابتلي بها في فترة من فتراته الكالحة، يؤزم نفسية الزوج و أصدقائه، الذين تعاطفوا معه فقرروا الانتقام من الوزير، ثم التحق بهم- بعد ذلك- آخرون كانوا قد صادفوا الوزير في حياتهم ونالوا منه نصيبا من الإهانة.. شعر الوزير بما يحيط به من جو متوتر، يحاول تضييق الخناق عليه شيئا فشيئا، فأصابه القلق، وتداعى في نفسه بداية التفكك الداخلي، فلننصت إليه و هو يقول في الصفحة 13 " هذا الصباح عندما استيقظت أحسست برغبة جارفة للوقوف أمام المرآة.. تأملتني جيدا...عيني اليمنى الزجاجية كانت تعكس صورة امرأة المصعد وظل رجل.. حاولت أن أبتسم فرأيت الفم امتلأ أنيابا"،لكنه - مع ذلك- تمادى في سلوكه المشين الحاط من قدر الآخرين، فيهينهم في أعماق أعماقهم، خاصة من خلال امتداد يديه الآثمتين نحو مؤخرات زوجاتهم..

وبينما يعيش الوزير على وقع ظروفه الجديدة، التي ولدها تخطيط بعض المواطنين للانتقام منه، يلتقي بشابة في مكان عمومي، يسيل جمالها و رقتها لعابه، فيرسل إليها- كعادته - أحد مرافقيه ليستدرجها نحوه، غير أنه يكتشف أن الفتاة مثقفة وواثقة من نفسها، بل هي في الحقيقة بركان مشتعل، يحرق لهيبه كل من اعترض طريقه، وإذا بها ترفع صوتها متحدية صلافته، فترد على مرافق الوزير، بينما هذا الأخير- أي الوزير- يتلقف متحسرا -من مكانه غير البعيد- كلماتها النارية " قل لوزيرك إني لا أخشى سلطته، قل له إنه ضعيف لأنه يعتمد على زبانيته و نفوذه.. قل له إنه لا يفهم قيد أنملة في الحياة.. قل له إنه متسلط.. عبد لنزواته... قل له إن وجود أمثاله يعزى إلى الجهل السائد في هذه البلاد وفساد الجهاز الذي ينتمي إليه..."

هذا الموقف الشجاع من الفتاة يعزز الإحساس بالذنب لدى الوزير ويقوي في داخله الشعور بالإحباط، فيبدأ يختفي تدريجيا من الحياة العامة، خاصة أنه أصبح ضحية لنوبات عصبية مفاجئة أدت إلى فقدانه القدرة على النطق، بعد ذلك يصاب بشلل شبه كلي، مما يجعله يلازم كرسيه المتحرك، خلال هذه الفترة الحرجة من حياة الوزير ستشرف عليه و على كرسيه المتحرك ممرضة مختصة.. والغريب أن الوزير رغم ما أصيب به،فإنه لم يتخل عن عادته القبيحة، إذ تروي الممرضة أنها حينما تتجول به في الشارع ويقع بصره على امرأة، فإنه يتوتر و يشير إليها بأن تتقدم به نحو المرأة، محاولا أن يمد يده نحو مؤخرتها، وهذا ما جعل الممرضة تستقيل من وظيفتها لدى الوزير الشاذ.

"يد الوزير" رواية طريفة تستثمر تعدد المنظورات السردية والرسائل و المذكرات، كما توظف لغة سردية ناضجة وخالية من الحذلقة اللغوية أو المزينات البلاغية..

إنها رواية تستحق القراءة و الاهتمام.