عبد الرسول لص القبور

، بقلم محمد زكريا توفيق

في منتصف ليلة صافية، غاب فيها القمر، من ليالي عام 1871م، تسلل ثلاثة من لصوص المقابر، في ضوء النجوم الخافت. واحدا خلف الآخر، لكي يواصلوا الحفر الذي بدأوه، في وادي الملوك، في الضفة الغربية من نهر النيل. بحثا عن كنز، أو أي شئ ثمين، من آثار أجدادنا القدماء.

توقف عبد الرسول، زعيم العصابة، فجأة، عندما اخترقت فأسه، قاع القناة التي يقوم بحفرها منذ عدة شهور. التقط عبد الرسول حصاة صغيرة، وألقاها في الفجوة.

ثم نادى على رفاقه، الذين تجمدت أطرافهم، عندما سمعوا صوت الحصاة الخافت، وهي ترتضم بقاع البئر، بعد فترة زمنية طويلة نسبيا. عندئذ، علم اللصوص، وهذا لا يخفى عليهم، أن هناك مقبرة مدفونة تحت أقدامهم.

نسي اللصوص تعبهم، فأسرعوا في توسيع الفجوة بفؤوسهم. في لحظات، بلغت الفجوة من الاتساع، ما يسمح لعبد الرسول بأن يمد فيها رأسه وكتفيه.

بسرعة وحماس شديدين، ربط زعيم العصابة وسطه في طرف حبل طويل، وقام بفحص عيدان الكبريت وشموع الإضاءة. ثم نزل عبد الرسول برجليه إلى البئر. وطلب من رفيقيه أن يمسكا بالطرف الآخر للحبل، وأن ينزلاه إلى القاع ببطء.

وقف اللص الثاني، أخو عبد الرسول، واللص الثالث أمام الفجوة، ينتظران في قلق بالغ وصمت رهيب. الثواني قد امتدت إلى دقائق، والدقائق امتدت إلى ربع ساعة. الرياح تصفر، والذئاب تعوي، والبوم تحوم في صمت حول الوادي.

القلق والخواطر المرعبة، بدأت تدور في رأس اللصين. تملكهما الخوف من أن يكون حراس القبور أو الثعابين أو التمائم السحرية التي تحمي الأموات، قد استفردت بعبد الرسول وهو وحده في قاع البئر. فماذا حدث لعبد الرسول؟

فجأة، سمع اللصان صرخة مدوية تنبعث من أسفل البئر. وبدأ الحبل المتدلي يتراقص بعنف. نظر اللصان إلى بعضهما البعض في ذهول. ثم أخذا في جذب الحبل إلى أعلى بكل قوتهما. بعد فترة، ظهر شعر عبد الرسول، أولا من الفتحة، ثم عيناه الممتلئتان بالرعم. ثم وجهه الشاحب المتصبب عرقا.

"بسرعة"، صرخ عبد الرسول وهو يخرج من الحفرة. "عفريت، عفريت تحت في البير. شكله يا حفيظ". وعند سماع كلمة عفريت، لاذ اللصان بالفرار بأقصى سرعة، وخلفهما كان عبد الرسول يجري لاهثا.

ظل اللصوص الثلاثة يجرون، لا تكاد تلمس أرجلهم الأرض، إلى أن وصلوا إلى قريتهم. وذهب كل منهم إلى منزله دون أن يتفوه بكلمة واحدة.

في صباح اليوم التالي، ملأت قصة العفريت الساكن في قاع البئر أسماع أهل القرية. بعد أيام قليلة، كان من يجرؤ على الاقتراب من البئر، يشم رائحة كريهة، تنبعث من هناك، دلالة على أن المكان مسكون فعلا بعفريت أو شيطان، كما هو الاعتقاد السائد في ذلك الوقت.

بعد عشرة أعوام من هذا الحادث، بدأ ينم إلى علم مدير متحف الآثار المصري بالقاهرة، أن هناك تحفا ومجوهرات فرعونية، لا تقدر قيمتها بثمن، تتداول في أسواق أوروبا وأمريكا.

حيث أن القانون المصري يحتم مرور مثل هذه التحف على خبراء متحف الآثار لأخذ الموافقة قبل تصديرها أو بيعها في الأسواق المحلية، فهذا يعني شئ واحد: وهو أن لصوص الآثار تعمل بكامل حريتها.

طلب مدير المتحف المصري للآثار التحقيق في الموضوع. وبدأت الأنظار وخيوط التحقيق تتجه إلى مدينة طيبة، الأقصر حاليا. ثم إلى عبد الرسول، الذي تم القبض عليه.

حينئذ، أبحر "إميل بروش"، مساعد مدير المتحف عبر نهر النيل، إلى العاصمة القديمة "طيبة". هناك، طلب زيارة عبد الرسول في السجن، واستمع إلى قصته في ذهول.

عندما نزل لص القبور عبد الرسول، بمساعدة رفيقيه إلى قاع البئر، وجد نفسه وسط صالة صغيرة، تراكمت فيها مجموعة كبيرة من التوابيت الخشبية. كان عليه أن يزحف على بطنه، فوق هذه التوابيت لكي يصل إلى غرفة الدفن السفلية.

هناك، وجد توابيت أخرى لم يستطع تذكر عددها. لأن عيناه كانتا مركزتان على ما في أرض الغرفة من التماثيل الذهبية والفضية، وأواني الرخام الخاصة بالمدافن.

علم عبد الرسول، حينذاك، أنه يضع قدميه فوق الثراء المتوقع. وجال بخاطره أول الأمر أن يسرع ويخبر رفيقيه عند فوهة المقبرة، لكنه تردد.

اللص الذي ينتظره عند الفوهة مع أخيه، هو حقا صديق وفي ورفيق مخلص، لكنه لا يمت لعبد الرسول بصلة الرحم. لذلك، قرر عبد الرسول بسرعة، أن المستفيد من هذا الكنز، يجب أن تكون أسرة عبد الرسول فقط. لكن كيف؟ وكان الحل العبقري، العفريت.

في وقت متأخر من تلك الليلة، بعد أن عاد جميع اللصوص إلى القرية، أطلع عبد الرسول أخيه على السر. وعندما تأكدا أن اللص الثالث يغط في سبات عميق، تسلل عبد الرسول وأخوه من منزلهما، وقاما بذبح حمارا كان يملكه عبد الرسول عند فوهة المدفن. ثم قاما بإلقائه قطعة قطعة داخل المقبرة.

خلال أيام، انبعثت الرائحة الكريهة من المكان. بذلك لم يجرؤ أحد على الاقتراب من مكان الكنز. في السنوات العشر التي أعقبت هذا الحادث، ظل عبد الرسول وأخوه، يذهبان ليلا إلى المقبرة. لإخراج ما يستطيعان حمله من القطع الأثرية، التي لا تقدر قيمتها بثمن، وبيعها إلى السياح وتجار الآثار في السوق السوداء.

استمع إميل بروش بمزيج من الاستغراب والذهول إلى عبد الرسول، وهو يحكي حكايته. وبالرغم من أن الوقت كان صيفا، ودرجة الحرارة بلغت 76 درجة مئوية في الظل، إلا أنه ذهب فورا إلى المكان الذي وصفه عبد الرسول.

ربط إميل بروش نفسه في حبل، وطلب من مساعده أن ينزله إلى قاع المقبرة، تماما كما فعل عبد الرسول أول مرة منذ عشر سنوات.

بهت إميل بروش بما رأى في المقبرة. زحف عبر الصالة إلى غرفة الدفن المليئة بالتوابيت والتحف من كل نوع. بلغت دهشته الحد الذي لم يكن يدري فيه هل هو نائم يحلم أم يقظ. لقد كان أكثر شئ أثار اهتمامه، هو عدد وطريقة وضع التوابيت داخل المقبرة.

كان علماء الآثار يقومون باكتشاف مقبرة بعد أخرى في وادي الملوك، لكي يجدوا أن كلا منها خاوية. سبقهم اللصوص إليها منذ زمن بعيد. لكن هنا، وأمام عيني "إميل بروش"، 36 مومياء لأشهر ملوك وملكات مصر القديمة.

من بينهم، رمسيس الثاني، أحمس محرر مصر من الهكسوس، الملكة أحميس أم حتشبسوت، تحتمس الأول، تحتمس الثاني، تحتمس الثالث.

نقل كهنة مصر القديمة، رفات هؤلاء الملوك والملكات العظام في عجالة، من مدافنهم الأصلية في وادي الملوك، أثناء فترة من فترات الاضطرابات والقلاقل التي كانت تمر بها مصر من حين لآخر، لهذه المقبرة الجماعية، التي تشبه مدافن الصدقة.

ففي فترات القلاقل، أو حينما يتأخر فيضان النيل، تنتشر المجاعة في مصر، وينتشر لصوص المقابر بالمئات، ينهبون مدافن الملوك، بما فيها من تحف وكنوز.

لذا، أعاد الكهنة دفن هؤلاء الملوك العظام في توابيت خشبية، في هذا المكان السري. وبقدر ما استطاعوا أن يحملوا، نقلوا معهم تحفهم وتماثيلهم وأوانيهم الجنائزية.

ظلت هذه التوابيت الملكية، في هذا المكان قرابة ثلاثة آلاف عام بدون ازعاج، إلى أن اكتشفها عبد الرسول. ومن هنا، أمر "إميل بروش"، بنقل كل محتويات المقبرة الملكية الجماعية، إلى المتحف المصري.

هناك، رأى العالم لأول مرة، جسمان أعظم قائد عسكري عرفه التاريخ في العالم القديم، جسام تحتمس الثالث، وجسمان رمسيس الثاني، صاحب معبد أبوسمبل وأشهر ملوك مصر قاطبة.