ماذا بعد زمن الرداءة وزمن الانحطاط؟

، بقلم عثمان آيت مهدي

كنت في السبعينات من القرن الماضي شابا يافعا متطلعا إلى المعالي، مشرئبا إلى عصر نعيشه ـ نحن الشباب ـ في أحلامنا ونسعى جاهدين إلى تجسيده في الواقع. كنت منخرطا في الحزب الواحد الأحد للوطن، مناضلا في الاتحاد الوطني للشبيبة الجزائرية، أستجيب للمسيرات الشعبية التي تنادي بدحر الامبريالية والصهيونية والاستعمار. نقيم التجمعات في القاعات الكبيرة والملاعب، أصفق وأصرخ وأنادي بأعلى صوتي يحيا الرئيس، يحيا الرئيس. كنت أعتقد نفسي شي غيفرا، أو نيلسون مانديلا، أو باتريس لومومبا. كانت هذه الفترة ريعان الاشتراكية والزعامات الكارزماتية، نرى في الرئيس هواري بومدين وجمال عبد الناصر وجوزاف بروستيتو قامات عظيمة بعثها الله لتخليص العالم من الرأسمالية المتوحشة والشيوعية الجاحدة للأديان.

لم يكن في هذه الفترة معارض، ولا قناة غير القناة الرسمية ولا جريدة غير جريدة الشعب باللغة العربية والمجاهد باللغة الفرنسية، الكلّ يرى ويبصر بأعين السلطة الحاكمة، الكلّ يحلم بأحلام الرئيس الحاكم، والكلّ يردد يحيا الحاكم، يحيا الحاكم.

أتذكر أنّني استقبلت، وأنا مع الآلاف من الجزائريين واقفين لساعات مرور موكب الرئيس بومدين مع فيدال كاسترو، أو جمال عبد الناصر، أو هوشي منه، أو بروستيتو، معمر القدافي، حافظ الأسد... أتذكر أنني قد صفقت لهم جميعا، وناديت بدوام عروشهم.

كم كنت أكره أمريكا، وفرنسا وإنكلترا والغرب الاستعماري جميعا؟ كم كنت أكره إسرائيل والصهيونية والماسونية والإمبريالية؟ كنت مؤمنا بنضالنا في جبهة الصمود والتصدي، واثقا بإرادة دول عدم الانحياز في قلب الموازين على المعسكرين الأمريكي والسوفياتي. كنت أتابع بشغف كبير أعمال دول الجامعة العربية، وأرى زعماءها أعمدة صلبة يبنى عليها صرح العالم العربي. وباختصار، وأنا على سذاجتي وجهلي، كنت أرى الرداءة نبراسا نستضيء بها في الليلة الظلماء حين يفتقد البدر.

كنت أعيش الرداءة وأنا في كامل اعتزازي وفخري بهذا الوطن الذي كان يبني صروحه بالرمال، وحين هبت ريح ضعيفة انهار كلّ ما بناه هؤلاء الزعماء، ولم يبق من ذاك الحلم سوى أطياف تنتابني أحيانا حين يشدني الحنين إلى زمن الرداءة هروبا من زمن الانحطاط.

انتهى زمن الرداءة وجاء زمن الانحطاط. ولا أدري كيف تمّ الانتقال بنا من زمن إلى آخر. عشرات الأحزاب السياسية مخترقة تردد سنفونية واحدة ارتضاها النظام، معارضة في الشكل وانبطاح للحاكم الواحد الأوحد. قنوات تلفزيونية بالمئات، ويصعب على المشاهد رؤية حصة تحترم مستواه الثقافي والعلمي وأفكاره في الانفتاح والتحرر. جرائد تملأ الأكشاك وأرصفة الشوارع، لا تجد فيها مقالا يعبر عن واقعك المزري أو عن أحلامك في مسايرة العصر. جامعات ومدارس عليا في كل ولاية، يتخرج منها الآلاف بل مئات الآلاف، دون مستوى علمي ولا وعي سياسي إلا من رحم ربي وشذّ عن القاعدة وأصبح منبوذا مطرودا تائها في مجتمع تآمر مع النظام من أجل نشر الجهل والأمية.

إنّه عصر الانحطاط، عصر ارتفع فيها سهم الجاهل الجريء وانخفض سهم العالم المتواضع. عصر لم يسلم فيها قطاع واحد من كلّ القطاعات التابعة للدولة أو الخواص من المحسوبية والجهوية، واعتلاء أشباه العلماء والمتخصصين المناصب القيادية تاركين وراءهم العلماء وأصحاب الكفاءات في المناصب الدونية، ممّا دفعهم إلى الهجرة إلى بلاد العم السام، حيث الاعتراف والتقدير ولكرامة.

وماذا بعد عصر الانحطاط، بعد أن أصبح الشباب يحلم بواسطة الحشيش والعقاقير المهلوسة؟ ماذا بعد عصر الانحطاط بعدما أصبحت قوارب الموت يقتنيها الشباب بأموالهم الخاصة رغبة في الانتقال إلى العالم الآخر؟ لقد انتقل النظام الرديء من زمن إلى نظام آخر منحط، ومازال يعيش على أمل الانتقال بنا إلى زمن الجحيم حيث الحياة لا تعطى إلا برخصة من الحاكم الواحد القهار.