انتظار

، بقلم غزالة الزهراء

الشمس تتوسط كبد السماء ، ترشق سهامها المتوهجة في كل مكان ، الشيخ حامد كان يجر قدميه الهزيلتين في تلك الآونة من زقاق لزقاق ، عرق غزير يتفصد من جبهته العريضة ، وينحدر مهملا إلى أن يبلغ تلك اللحية الكثة التي تمازجت ببعض الشعيرات البيضاء ، يرفع يده المعروقة ، يمررها على لحيته لينفض ما علق بها من قطيرات .

جل المحلات التجارية أوصدت أبوابها في هذه الظهيرة ، وشوارع المدينة الملتوية تكاد تكون شبه خاوية .
هناك في الطرف الآخر يربض كلب هرم تحت أيكة ظليلة اتقاء شر اللهب ، يبدو أن شمس جويلية الحارقة أنهكته ، وتغلغلت إلى عظامه حيث صار أسيرا لها ، ولا يقوى أبدا على الاحتمال .
تحدث حامد في سره : ماذا سيحصل لي إن باغتني ذلك الحيوان الضال من الخلف ؟ ألدي مقدرة كاملة في التصدي لبلائه ؟
ثم سخر من نفسه وقال : عجوز مثلي لا يقوى على سحق حشرة ، هذه هي الحقيقة ولا مفر منها .

يضيق حامد ذرعا بهذه الحرارة ، يتابع سيره ببطء كأنه سلحفاة ، تمر سيارة فارهة بجانبه ، تتهادى في سيرها كأنها موكب حلم ، ثم تتوقف على بعد بضع أمتار ، يترجل صاحبها ، وينتظر الشيخ .
نطق الشاب ذو البدلة الأنيقة وهو يقود سيارته : ما الذي دفعك للخروج في يوم قائظ كهذا ؟
ـــ زوجتي .
باندهاش : زوجتك ! ؟
ـــ إنها طريحة الفراش ، خرجت لأجلب لها الدواء ، ولحسن الحظ ألفيت باب الصيدلية مفتوحا .
ـــ أليس لك الولد لينوب عنك فيما أنت بحاجة إليه ؟
ابتلع الشيخ صمته متحسرا وكأن رياحا عاصفة لطمته ، وأخرست لسانه عن الكلام .
أعاد سؤاله من جديد لينتشل الشيخ مما هو غارق فيه .
ـــ أليس لك الولد لينوب عنك فيما أنت بحاجة إليه ؟
زفر بعمق شديد ، ثم نطق كأنه على شفير هاوية : طالت غيبته وهذا ما تسبب في شقائي ، وحزني ، وتعاستي ، والدته لم يبرح معارج خيالها قط ، إنها تهذي باسمه ، وتذرف دموعا حرى جارفة لأجل فراقه المر .
ـــ أنا كنت مغتربا ، وعدت منذ أسبوع فقط .
سأله الشيخ : كم مكثت هناك ؟
ـــ ثلاث سنوات خلتها دهرا برمته .
لقد وصل حامد إلى منزله ، شكر الشاب على صنيعه وفي عينيه الغائرتين يرقد انتظار أبدي .