الاثنين ١٤ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠١٣
بقلم غزالة الزهراء

انتظار

الشمس تتوسط كبد السماء ، ترشق سهامها المتوهجة في كل مكان ، الشيخ حامد كان يجر قدميه الهزيلتين في تلك الآونة من زقاق لزقاق ، عرق غزير يتفصد من جبهته العريضة ، وينحدر مهملا إلى أن يبلغ تلك اللحية الكثة التي تمازجت ببعض الشعيرات البيضاء ، يرفع يده المعروقة ، يمررها على لحيته لينفض ما علق بها من قطيرات .

جل المحلات التجارية أوصدت أبوابها في هذه الظهيرة ، وشوارع المدينة الملتوية تكاد تكون شبه خاوية .
هناك في الطرف الآخر يربض كلب هرم تحت أيكة ظليلة اتقاء شر اللهب ، يبدو أن شمس جويلية الحارقة أنهكته ، وتغلغلت إلى عظامه حيث صار أسيرا لها ، ولا يقوى أبدا على الاحتمال .
تحدث حامد في سره : ماذا سيحصل لي إن باغتني ذلك الحيوان الضال من الخلف ؟ ألدي مقدرة كاملة في التصدي لبلائه ؟
ثم سخر من نفسه وقال : عجوز مثلي لا يقوى على سحق حشرة ، هذه هي الحقيقة ولا مفر منها .

يضيق حامد ذرعا بهذه الحرارة ، يتابع سيره ببطء كأنه سلحفاة ، تمر سيارة فارهة بجانبه ، تتهادى في سيرها كأنها موكب حلم ، ثم تتوقف على بعد بضع أمتار ، يترجل صاحبها ، وينتظر الشيخ .
نطق الشاب ذو البدلة الأنيقة وهو يقود سيارته : ما الذي دفعك للخروج في يوم قائظ كهذا ؟
ـــ زوجتي .
باندهاش : زوجتك ! ؟
ـــ إنها طريحة الفراش ، خرجت لأجلب لها الدواء ، ولحسن الحظ ألفيت باب الصيدلية مفتوحا .
ـــ أليس لك الولد لينوب عنك فيما أنت بحاجة إليه ؟
ابتلع الشيخ صمته متحسرا وكأن رياحا عاصفة لطمته ، وأخرست لسانه عن الكلام .
أعاد سؤاله من جديد لينتشل الشيخ مما هو غارق فيه .
ـــ أليس لك الولد لينوب عنك فيما أنت بحاجة إليه ؟
زفر بعمق شديد ، ثم نطق كأنه على شفير هاوية : طالت غيبته وهذا ما تسبب في شقائي ، وحزني ، وتعاستي ، والدته لم يبرح معارج خيالها قط ، إنها تهذي باسمه ، وتذرف دموعا حرى جارفة لأجل فراقه المر .
ـــ أنا كنت مغتربا ، وعدت منذ أسبوع فقط .
سأله الشيخ : كم مكثت هناك ؟
ـــ ثلاث سنوات خلتها دهرا برمته .
لقد وصل حامد إلى منزله ، شكر الشاب على صنيعه وفي عينيه الغائرتين يرقد انتظار أبدي .


مشاركة منتدى

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى