نقوش على ترنيمة الأقصى

، بقلم فاروق مواسي

نشهد هذه الأيام كثرة التحرشات اليومية بالأقصى والمصلين فيه.

وفي مثل هذه الأيام قبل ثلاث عشرة سنة- (28/9/2000) انتهجت إسرائيل عدوانًا آخر أكبر على الفلسطينيين، فقد اقتحم رئيس الليكود شارون المسجد الأقصى هو وعدد من أعضاء الكنيست من اليمين، فدخلوا ساحة الحرم، بدعوى أن هذا الحرم لليهود- مما أدى إلى انتفاضة الأقصى (الانتفاضة الثانية)، وفي أعقابها كان ضحيتها الآلاف.

في أول تشرين الأول 2000 امتدت المظاهرات إلى الوسط العربي الذي احتج دفاعًا عن دينه، وعن وطنه، فما كان من الشرطة إلا أن أطلقت النار، فجندلت ثلاثة عشر شهيدًا، الأمر الذي عكر صفو العلاقات اليومية الاقتصادية بين المواطنين العرب واليهود في إسرائيل، خاصة وأنه لم تجر أية محاكمة لتدين أحدًا من القتلة.

* * * * *

الاقتحامات تتكرر بلا هوادة، وقد بدأ بها غلاة المتزمتين بدءًا من احتلال القدس سنة 1967، وأذكر أنني كتبت يومها قصيدة لم تنشر، مطلعها:

جرحت اليوم يا قدسُ فمن يأسو، ومن يأسو؟!

ثم كانت مجزرة الأقصى سنة 1990، حيث حاول متطرفون يهود (أمناء جبل الهيكل) بوضع حجر الأساس لـ «الهيكل الثالث» في ساحة المسجد الأقصى، فقام أهل القدس على عادتهم لمنع المتطرفين اليهود من ذلك، فوقع اشتباك بين المصلين وعددهم قرابة أربعة آلاف مصل وبين المتطرفين اليهود الذين يقودهم غرشون سلمون، فتدخل على الفور جنود الاحتلال الإسرائيلي المتربصون في ساحات المسجد، وأمطروا المصلين بزخات من الرصاص دون تمييز، مما أدى إلى استشهاد واحد وعشرين شهيدًا، وإصابة مائة وخمسين بجروح مختلفة، بل تمت إعاقة حركة سيارات الإسعاف، وأصيب بعض الأطباء والممرضين أثناء تأدية واجبهم، ولم يتم إخلاء القتلى والجرحى إلا بعد ست ساعات من بداية المذبحة.

كتبت على إثرها قصيدتي التي عبّرت فيها عن ألمنا وأملنا- « نقوش على ترنيمة الأقصى»:

إذا طالعتَ سيرَتَنا وسورَتَنا
تُطلُّ عليكَ صرخاتُ المآسي غادِيَهْ
 
وإن ساءلتَ أيامًا
تجدْ عَزْمًا
تجدْ آياتِ مأثرةٍ تُساجِلُها
تعانِقُها مآثِرُ فادِيَهْ
 
ومسجدُها يظلُّ الذِّكرَ والذكرى
 
وبين العَزْمِ والمأساةِ ترتيلٌ
وقارئُهُ يردّدُهُ
ويُشجيهِ
وسرُّ القدسِ يُشرقُ في سرائرِنا
فنقطِفُ مِن جنائِنِ وردِه وردا
يُوَزِّعُ بهجةً عِطرا
ويُبْهجُ عِطْرُها شُهْدا
 
قِبابٌ كُلُّها وَجْدٌ تحِنُّ إلى
صَدى وجدٍ تناديهِ
عليها بقعَةٌ حمراءُ
إذ تَنْداحُ تُصْبَغُ في مرائِرِنا
 
ومسجدُها يظلُّ الذكرَ والذِّكرى
 
ومُرْتعشًا بقافيةٍ تُناغيهِ
هنا مِحْرابُهُ يَهْمي
يُحاورُ رَبَّهُ خطٌّ فيُنْجيهِ
يصولُ بقُرْبِهِ عِلْجٌ ويبدو من
(فلاشاهم)
وآخرُ مِن
دناياهُمْ
ومَوْتٌ مِن
رزاياهمْ
فيُطلِقُ نارَهُ الوَغْدُ
على حُبِّ فَيُرديهِ
وما رَفَّت له الأجفانُ
من عِبْراتِ ماضيهِ
 
ـ ألا ما أشرسَ العدوانَ
حينَ يقتِّلُ الإنسانَ
يَقْلَعُ شامخَ الأشجارِ
يهدمُ بيت إنسانٍ
(ويزعُمُ أنّه الإنسانْ)
ويَحْمي نَفْسَهُ بالنارِ
بالطاغوتِ
بالطّغْيانْ
(ويزعمُ أنّه الإنسانْ)
 
ويصرَعُ طِفْلَةً تركَتْ بقُرْب الدّمِّ
مُشْطًا ظلَّ يذكُرُ خُصْلةً عَذْبَهْ
- وحاورتِ الطيورَ وطائراتِ الخوفِ والرّهْبَهْ-
 
وطِفْلا
ضَرّجوه دَما
فَغَرّقَ شَنْطةً حمراءَ
صارَ الأفق محمرًّا
 
ويُطلِقُ نارَهُ مَوْتًا
فصارَ الغيمُ محمرّا

فيا أمّي ويا أمَّهْ !
حبيبُك سارحٌ في دَرْبِ ذاكَ الحقلِ
خطَّ خُطاهُ في خُضْرَهْ
وهذا الْمَوْجُ أيْقَظَهُ على شوقٍ
على أشذاءِ أحلامِهْ
وسَجَّلَ في دفاتِرِهِ عبيرًا
خطَّهُ القَلَمُ الحزينُ كَحُزْنِ فادِيهِ
 
وشيخٌ
داخَ مِنْ جَوْرِ الزّمانِ
فأطلقوا غازًا يُسَيِّلُ دَمْعَه النّاري
فسالَ الدمعُ ثانيةً
وثالثةً
على زَمَنٍ رديءٍ وَحْشُهُ ضارِي
 
هو الباغي
هو الباغي وندركُها نهايَتَهُ
لأنَّ الصَّبْرَ والزيتونَ قالا:
"إنَّنا جَذْرٌ"
ويَصْعُبُ قَلْعُ هذا الجذرِ
- تَعْدوهُ أعاديهِ-
 
فيا لصًّا تَلَصَّصَ فوقَ واديهِ:
كَأنَّ الباطِلَ الأفّاكَ يُصْبحُ بَعْدَ
رَوعِ النارِ حَقّا؟!
كأنَّ الشَّرَ أبْقى؟!
كشيطانٍ تُداجينا،
فَتُزْجي حُبَّنا القدسيَّ
(نحو الأرضِ هُوَّتُكا!)
كبُهتانٍ، وتُبْهَتُ مِن حقيقَتِنا
 
ومسجدُها يظلُّ الذِّكْرَ والذكْرى
 
فهلْ يَمَّمْتَ شَطْرَ العَقْلِ
ترقُصُ هذهِ المَرَّهْ
على نَغمٍ من الرشدِ
لننسجَ شَرْقَنا الموجوعَ بالفَرْحَهْ
وتأتلِقَ الليالي بَعْثَ أقمارٍ
وأجراسٍ ستقرعُ في كنائِسِنا
ورِزْقًا كُلَّما دخلوا على مِحرابِ إحرامِهْ
كرامَتُهُ تُطلُّ هُدى
ونبراسًا
وتكريمًا لأيّامِهْ

ملاحظة

*نشرت في مجموعتي: "ما قبل البعد". باقة الغربية: مطبعة الهدى- 2003، ص 8-17.