ما هو نصيبنا بعد تقسيم الأرض

والعلوم والأخلاق بين الأمم؟

، بقلم عثمان آيت مهدي

ما أجمل قول حافظ إبراهيم، وهو يوزع قسمة الحظوظ بين الناس، ثمّ يضعها في الميزان مختبرا الكفة المائلة:

فَإِذا رُزِقتَ خَليقَةً مَحمودَةً فَقَدِ اِصطَفاكَ مُقَسِّمُ الأَرزاقِ
فَالناسُ هَذا حَظُّهُ مالٌ وَذا عِلمٌ وَذاكَ مَكارِمُ الأَخــــلاقِ
وَالمالُ إِن لَم تَدَّخِرهُ مُحَصَّناً بِالعِلمِ كانَ نِهايَةَ الإِمــــــلاقِ
وَالعِلمُ إِن لَم تَكتَنِفهُ شَمائِلٌ تُعليهِ كانَ مَطِيَّــــةَ الإِخفــــاقِ
لا تَحسَبَنَّ العِلمَ يَنفَعُ وَحدَهُ ما لَم يُتَـــوَّج رَبُّهُ بِخَــــــلاقِ

كذلك هو نصيب الناس بعد معانقة الحظ لهم، أغدق على البعض أخلاقا لا تقاوم، وأعطى المال للبعض الأخر دون حساب، ووهب العلم للآخرين غزيرا غزارة مياه النهر الكبير. لم يتوقف حافظ إبراهيم عند هذا التوزيع العادل، وإنما راح يقلب بين الحظوظ باحثا عن محاسنها وعيوبها، وتوصل في الأخير أنّ الأخلاق عماد كلّ شيء، ومن رزق خليقة محمودة فقد اصطفاه الله مقسم الأرزاق.

لنرى ما هو حظ الأمم من الأخلاق، والعلم، والمال؟ وما هو حظنا نحن العرب والمسلمين من هذه القسمة العادلة من لدن ربّ البشر والأكوان.

لو سئلت عن اليد القوية الباطشة فوق هذه الأرض لقلت دون منازع هي الولايات المتحدة الأمريكية، والدولة المطمئنة الهادئة أهلها لقلت دون تفكير هي سويسرا، وعن الدولة ذات الذوق الرفيع والفن الجميل لقلت هي فرنسا، والدولة التي لا تعرف الكذب والنفاق لقلت هي الدول الاسكندنافية، وعن الدولة الجادة والصارمة لقلت هي ألمانيا، والدولة المحبة للعمل، المكدّة لقلت اليابان والصين، والدولة التي ملأت خزائن الأرض مالا وذهبا لقلت إسرائيل، والدولة التي يتعايش في ظلها كثير من الأديان والمذاهب، وكثير من اللغات واللهجات وتحيا سالمة مطمئنة لقلت هي الهند..
ثمّ ماذا لو سئلت عن بلد العلم والمعرفة، سأقول أنّ العلوم موزعة حسب التخصص والرغبة، فكان نصيب أمريكا الإعلام الآلي وغزو الفضاء، ولفرنسا الطب والآداب والفنون، ولليابان الإلكترونيات، وللهند البرمجيات، وللصين الأسعار المنخفضة، لألمانيا الفلسفة وجودة الصناعة..

أمّا عن الخريطة الجغرافية، فكان نصيب أمريكا دول الخليج والشرق الأوسط، ولفرنسا الدول المغاربية ومالي والنيجر.. ولإنكلترا نيجيريا وإفريقيا الجنوبية وأستراليا.. ولإيطاليا ليبيا، وللبرتغال وإسبانيا جزءا من أمريكا الجنوبية وقسما من إفريقيا. إنها قسمة الأقوياء، ليس للضعفاء فيها رأي ولا مشورة.

أين نحن، العرب والمسلمين، من هذه القسمة؟

لقد اختارنا الله وحملنا توصيل رسالته للعالمين، رسالة تحث على القوة الإيمانية والعلمية والأخلاقية والتجارية والاقتصادية.. إلا أنّ نصيبنا من كلّ هذا الضعف الإيماني والرداءة العلمية والانحطاط الأخلاقي وهشاشة التجارة والاقتصاد..

إنّنا نملك دينا من أرقى الأديان، ونحن نعيش أدنى دركات الفقر والجهل والأمية. وهم يملكون أدنى دركات الأديان ويتزعمون الحضارة العالمية فكرا وأدبا وتكنولوجيا؟ إنها معادلة تحتاج إلى دراسة مستفيضة تجيب عن سبب هذا الإخفاق في كل المجالات. هل كان بسببنا نحن الشعوب العربية والإسلامية؟ أم هي بسبب حكامنا المستبدين الذين زرعوا في مزارعنا الجهل والحماقة وسوء الخلق؟ أم السبب هو العالم من حولنا الذي فرض علينا حصارا استعماريا لقرون ثمّ أتبعه بوسائله الإعلامية تشويها وتغميطا لدورنا في بناء الحضارة الإنسانية.

إنها لا تزر وازة وزر أخرى، ولا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، إننا مسؤولون جميعا أمام الله عن هذا الوضع الكارثي الذي تحياه شعوب الإسلام، وعن هذا الحظ الذي هو نصيبنا القتل، ثمّ القتل، ثمّ القتل؟
عثمان أيت مهدي