الدولة المدنية الوطنية بديل عن الدولتي:

الثيوقراطية والإثنية
 بقلم: رشيد عوبدة

تحركت قريحة مجموعة من الفاعلين الأمازيغيين المغاربة مؤخرا بسرعة مضاعفة لانتقاد الدولة في مماطلتها في دسترة اللغة الأمازيغية وعدم استصدارها لقوانين تنظيمية لذلك، وتجندوا أيضا لطرح اشكالية الأسماء الأمازيغية وضرورة العمل على إنهاء «محنة» هذه الأسماء، كما انزوى البعض مبرئا الحركة الأمازيغية مما نسب اليها من إقامة ل«محاكم شعبية» بالحرم الجامعي بمراكش،وقد كان خبر بثر بعضٍ من أعضاء الطلبة وأيديهم وأرجلهم غير مستساغ بالنسبة للحركة الأمازيغية وخصوصا في هذه الظرفية بالذات .

من جهة أخرى، ولكثرة الكتابات المنشورة أضحينا نرى أن هناك صراعا خفيا ما بين«مثقفين حداثيين» لكنهم عرقيين بامتياز ، و«مثقفين أصوليين» يروجون ل«يوتوبياتهم» بطريقة دعوية، لكن الخلاف الظاهر أن كلا المثقفين نراه يتناسى قيم العقلانية ويلعب على وثر العواطف مدغدغاً لمشاعرٍ أكثر منه مُسْتَفِزّ اً لفكرنا النقدي.

إن تأمل الصراع الخفي هذا جعلنا نُكَوِّنُ فكرة أوليّة مفادها أن هناك تناقض ما بين المشروع الديني / الثيوقراطي، الذي تسعى إليه مجموعة "فلول الوهابية" المشرقية بالمغرب مُمَثَّلَةً في "الحركة الوهابية" التي ترفع شعار "الإسلام هوالحلُّ"، مثلما تَمْتَحُ نكهته "الحكومة الإسلامية" الحالية التي تقود تجربة "التَّنَاوُب" الثانية بالمغرب...، والمشروع الاثني /العرقي الذي يَعْتَبِر أن اختفاء "الفلكلور" الشعبي الأمازيغي من القنوات المغربية وتعويضه ببرامج الذكر وترتيل القرآن وترديد الأمداح النبوية عملا يستهدف "القضية الأمازيغية" في مقتل.

إن جدلية التعارض هذه، تترك الإنطباع بأن المغاربة أصبحوا اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما:إما ان يختاروا "مشروع الدولة الدينية الثيوقراطية"، أوأن ينجذبوا جميعهم ل"مشروع الدولة الإثنية العرقية"، وكأن ذهنية النخب المغربية أصابها الصَّدَأ إن لم نقل العُقْم فلم تعد قادر ة على إنتاج خيار ثالث يستوعب الوطن بدون مزايدات.
إن السؤال الذي يلزمنا طرحه في ظل هذا الصراع المحموم الآن هو:هل بالفعل نحن ماضون - كما يدعي البعض- نحوتحقيق "الدولة المدنية" القائمة على أساس المواطنة من دون تمييز ديني أوعرقي، مُسْتَوْعِبين لجميع الأديان والأعراق أم أننا ساعون، بطرق ملتوية فيها الكثير من التحايل، لتَأْسيسِ دَوْلَةٍ الدِّينُ سَوْطُها أوالعِرْقُ وَسيلَتُها؟
لابد من استحضار معطى أساسي بالنسبة للتجربة المغربية والذي ساهم في "سلاسة الربيع المغربي" الذي وُصِف بأنه كان استثنائيا بالمقارنة مع ربيع بعض الأقطار العربية، وهوأن المغرب لم ينخرط كلية في مشروع "القومية العربية" الذي تحمست له مجموعة من البلدان (مصر، سوريا...)المؤمنة بأن دولة عربية واحدة ستقوم لتجمع العرب ضمن حدودها من المحيط إلى الخليج والتي جسدت هذه الفكرة بأيديولوجيات مثل الحركة الناصرية والتيار البعثي اللذين كانا الأكثر شيوعاً في الوطن العربي خصوصا في فترة أواسط القرن العشرين حتى نهاية السبعينات، إلا أن هذه البلدان عايشت حراكا اجتماعيا مصيريا أدى الى تغيير أنظمة سياسية وأخرى أعلنت إفلاسها فانتهجت سياسة الأرض المحروقة عملا بمقولة "أنا أولا أحد" و"انا ومن بعدي الطوفان" ،ولعل انفتاح المغرب على الإتحاد الأوربي وعلى الغرب عموما جعله في مأمن من مثل الأحداث التي تقع في مجموعة من البلدان العربية نظرا لأن العلاقة مع الغرب دفعت المغرب إلى القيام بإصلاحات ،حتى ولوكانت شكلية فهي موجودة ،طبعا ليس بالشكل الذي يطمح إليه كل متشبع بثقافة الإصلاح، لكن رغم ذلك يعتبر من الجحود نفي قيام إصلاحات ابتدأت أوراشها مع "العهد الجديد".وإذا كان تحوط المغرب من حماسة الإنخراط في مشروع "القومية العربية " قد شكل له مأمنا من أي تحوير لرؤيته السياسية، فهذا لا يعني أن منحى التاريخ المؤسس على حتمية: "استحالة السباحة في النهر مرتين ما دامت مياهه تتجدد باستمرار " فكذلك هوالتاريخ السياسي للدول لا يمكنه أن يدوم على حال، فهل يمكن القول أن المغرب سيضمن لنفسه الإستقرار السياسي إذا ما احتمى بالدولة الثيوقراطية/الدينية أوبالدولة الإثنية/العرقية ...أكيد أن نَزَعات كهذه لن تزيد الوضع إلا تَأَزُّمًا لذا فمن المفيد التفكير في خيار ثالث غير الخيارين السالفي الذكر.

كنا قد طرحنا في مقال سابق عنوناه ب:"سؤال الهوية : بين دور العائق ومسوغ الإقلاع" مسألة أساسية وهي أنه لا ينبغي اختزال الهوية في المكون اللغوي وإلا لكان تعلم لغات أجنبية تهديد لهذه الهوية، كما أن الإنشغال بدسترة اللغة الأمازيغية يشكل أكبر دليل على أنه تم احتواء سؤال الهوية في المكون اللغوي،كما أشرنا في نفس المقال إلى إشكالية "الصفاء العرقي" بالمغرب وصعوبة الحسم في هذا الأمر ف"العِرْقُ" ،كمصطلح بيولوجي يشير إلى الاختلافات الفيزيقية التي يرى أعضاء مجتمع ما أن لها أهمية اجتماعية، يستخدم في النقاش العمومي لوصف جماعة بشرية لكن ينبغي الإنتباه إلى أن عملية الإختلاط البيولوجي تمت ولا أحد بإمكانه نكرانها إما بفعل الهجرة أوبفعل تلاقح الأعراق أوبفعل تأثيرات العوامل المناخية والتغذية والأمراض...والأمر واضح فالأنثروبولوجيين قلما تبنوا فرضية "الصفاء العرقي" بل إنهم ينبذون هذه الفرضية.

واذا كان "الصفاء العرقي البيولوجي" محسوما في غيابه فالأمر كذلك بالنسبة "للصفاء العرقي الثقافي" والذي غالبا ما يوصف ب"الإثنية" التي تعبر عن الهوية والمظاهر والممارسات الثقافية لمجتمع معين والتي نشأت تاريخيا ،كما أنها تنزع نحوفصل الناس عن بعضهم البعض. وهذا "الصفاء الإثني" هوأيضا لا داعي للبرهنة عليه فهوقد تعرض لعملية اختلاط شبيهة إلى حد ما بالإختلاط العرقي البيولوجي.

إن الدولة المغربية الحديثة مازالت في طور النشوء والتَّكَوُّنِ كمثيلاتها من الدول النامية سياسيا (العربية على وجه الخصوص)، وبالتالي فهي لم تَجْتَزْ مرحلتها الجَنينيَّة للمرور إلى الدولة الحديثة،فإذا كانت بعض الدول الشبيهة تجربتها بتجربة الدولة المغربية لازالت تتسم بطابع عشائري وقبلي بل هناك بلدان لازال الفقيه يؤدي دور "رجل الدين" المتحكم برقاب المواطنين فيصدر الفتاوى كما يَحْلُولَهُ وَ لِسُلْطانِه...كما أن شيخ القبيلة أوالعشيرة لازال نجمه ساطعا في بعض الدول ،أما بالنسبة للمغرب (وبعض جيرانه بشمال إفريقيا ) فلنا مزيج عرقي أمازيغي ،عربي ،اندلسي ،زرهوني ،صحراوي...ومزيج ديني:إسلامي، مسيحي، يهودي...ولئن كانت التشكيلة الدينية محسوم أغلبيتها للمسلمين فانه من الصعب حسم الأغلبية العرقية ،لهذا غالبا ما تسعى الجماعات الإثنية إلى إظهار سموعرق وتميزه عن غيره من الأعراق إنما تحيل فقط إلى مفهوم "التعصب العنصري" فما وجه الفرق بينه وبين "التطرف الديني"؟

يعاب على الحركات الدينية الأصولية أنها حركات "جمودية" تقف في وجه التطور وتتشبث بالتقاليد وترفض التجديد والتقدم والإصلاح في السياسة والمجتمع ،بل إنها تحجر على مسالك الحداثة ،وهي تحيل على تجربة شبيهة مرت منها أوربا والتي عُرِفَتْ بعصور الظلام التي سيطرت على أوروبا والتي أفرزت "حركة التنوير" كحركة مضادة قامت بالدفاع عن العقلانية ومبادئها كوسائل لتأسيس النظام الشرعي للأخلاق والمعرفة...كما قادت معركة استغرقت أربعة قرون متتالية: من "مارتن لوتر" و"ايراسم" الى "هيجل" و"نيتشه" مرورا ب"اسبينوزا" و"جون لوك" و"فولتير" و"ديدرو" و"روسو" و"كانط" وغيرهم... علما أننا لا نختزل الأصولية الدينية في "الأصولية الإسلامية" فقط بل نقصد ايضا "الاصولية اليهودية" و"الأصوليةالمسيحية"... وهي أصوليات اتخذت من الشعار الديني مبررا لممارساتها السياسية.

إن انتقاد "الدولة الدينية" القائمة على نظام حكم يستمد مشروعيته وسلطانه مباشرة من الإله أوالكتاب الديني ويسعى إلى السيطرة بفكر (كهنوتي)ديني، هومدخل أيضا الى انتقاد "الدولة الإثنية" التي تسعى إلى بناء سلطتها على المشروعية العرقية، مع التحريض على "التعصب العرقي" الشبيه الى حد ما ب"التطرف الديني". فما الفرق بين من يطالب بالحكم والسلطة منطلقا من أن الله هوالسلطة السياسية العليا وأن القوانين الإلهية هي قوانين المدنية الواجبة التطبيق،وبين من يطالب بهما منطلقا من أن عرقه هوالأحق بممارسة السلطة وأن بقية الأعراق هي دونه قيمة؟ أليس في الأمر تناقض مع الديمقراطية والدولة المدنية؟ اليس ادّعاء السلوك الديمقراطي في مثل هذه الحالات هو"تَقِيَّةٌ" لضرب الديمقراطية في الصميم؛ فالديمقراطية تؤمن بالإنسان من دون أن تموقعه لا عرقيا ولا دينيا... ومن هنا فمن يسعى إلى تأسيس دولة مدنية على مرجعية دينية اواثنية إنما يمارس التشويه في أسخف حُلَّةٍ ،ويُرَوِّجُ الوَهْمَ كي يَلُوكَهُ "الرِّعاع" وهوفي قرارة نفسه مؤمن بصعوبة الأمر.
إن المغرب كدولة غير مكتملة النمولازال لحد الآن لم يحقق حلم "الدولة المواطنة" التي يزول فيها التمييز الديني والإثني/العرقي...ولا نرى أن تحقيق هذه الدولة رهين بركوب التطرف الديني أوالتعصب العرقي والإثني. إن الطريق إلى هذه الدولة هوطريق تطوير وسائل الإنتاج وإعادة إنتاج الإنسان المتعلم المنفتح والقابل للتطور لا المنغلق على ذاته. وهذا الأمر يتطلب التفكير في بناء الدولة الحديثة التي تبتغي التخلص من التمييز بكافة أشكاله فالطوائف الدينية والإثنيات العرقية والقوميات ليست هي البديل بل إنها مشروع "اللادولة" أو"دولة القبيلة" وطبعا هي بعيدة كل البعد عن دولة المؤسسات .

لقد آن الآوان أن نستفيد من تجارب دول متقدمة ، ولم لا العمل على نقل بعض من تجاربها مستعينين بها طامحين من خلال ذلك الى تطوير إمكانات البلد اقتصاديا وتحديث الأجهزة الرقابية للدولة من أجل محاربة الفساد ومن تم المرور الى مرحلة تطوير العملية السياسية الديمقراطية لا التفرغ لتحريك النعرات الدينية والإثنية.