إني لا أريكم إلا ما أرى

، بقلم عثمان آيت مهدي

في عصر، يولد الطفل وحوله أروع وأصعب الألعاب اليدوية والتكنولوجية، ويكبر قليلا فيصبح عالما بالحساب واللغة، ولا يتخطى مرحلة التعليم المتوسط حتى يتقدّ ذكاء وفطنة، فتعجز أرقى النظريات التربوية توجيهه إذا كان رافضا للفكرة محتقرا سلوكا يوجهه، لأنه يعيش عصرا ـ دون مبالغة ـ لا مكان فيه لمعلم ضعيف ولا لمسئول بليد ولا لمفكر لا يرى أبعد من أنفه.

ثمّ يصبح هذا الطفل رجلا فاهما الأوضاع السياسية وخلفياتها، متعلما من دروس الحياة والمجتمع، وقد يكون متخرجا من جامعة أو مدرسة عليا، متمرسا، فطنا، مبصرا هدفه، مدركا موضع الرجل قبل الخطو.. ثمّ يجد على رأس دولته فخامة أو جلالة، أو عظيما، أو أميرا للمؤمنين، أو حكيما لا يريه إلا ما يراه حاكمنا المبجل صاحب الفخامة والجلالة والعظمة. إنّ هذا المواطن في حاجة إلى رئيس عظيم، ووزير كبير، وفيلسوف متبحر.

عندما يعلم العام والخاص، القاصي والداني أنّ رئيسنا مريض، يحتاج إلى نقاهة طويلة المدى، أو إلى تفرغ تام للعلاج. منذ أشهر لم نشاهده واقفا، ولم نسمعه متكلما، ولم نقرأ عنه في جريدة من جرائده الكثيرة مقالا أو فقرة تطمئننا عن صحته وأحواله. في هذا المشهد القاتم، الحزين، المضطرب، يدعو الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني إلى عهدة رابعة للرئيس المريض، معللا أسباب ذلك بالوضع الخطير للجزائر وبسلامة الرئيس الذي اجتمع بوزرائه، وأنّ هذا الرئيس قد عيّن وعزل وأحدث زلزالا بالجيش والحكومة، ألا يكفي كلّ هذا لأن نرشحه لعهدة رابعة؟
عندما يتسرب خبر اختلاس الملايير من طرف وزير الطاقة السابق، ويضيف الخبر بأنّ المختلس دخل إلى الجزائر وباع أملاكه وحزم أمتعته وخرج من المطار معززا، مكرما، ولا أحد سأله عن المبلغ المختلس ولا كيف ولا متى تمّ اختلاسه، بعدها تضيف الصحافة أنّ الوزير ستلاحقه الشرطة الدولية مع زوجته وأحد رفقائه، بعدما وصل إلى أمريكا واحتمى بها، يرسل الوزير رسالة عبر الصحافة أنّه مستعد للمحاسبة، ولا يخشى أحدا، يطوى الملف ويلقى به في سلة المهملات.

عندما يحرر وزير التجارة تعليمة تلزم جميع تجار التجزئة بفتح محلاتهم يوم العيد، وقد تعودوا على الغلق لسنوات معرضين عن جميع التعليمات والقرارات، ولا يجد المواطن المسكين دكانا أو مخبزة أو محلا للخضار يقتني منه بعض حاجاته، وكأن العاصمة خالية على عروشها، مقفرة، لا ماء فيها ولا شجر.. تصل التعليمة إلى جميع التجار وكذلك الصحافة التي تناولت الموضوع بإسهاب وتناولها التلفزيون بالصورة والصوت، ثمّ يقرر أرباب التجارة الغلق أيام العيد وأيام نهاية الأسبوع ضاربين تعليمة الوزير عرض الحائط.

عندما يفصل نقابي، عضو بالمجلس الوطني، من منصبه كأستاذ للتعليم الثانوي لأسباب تراها النقابة مجحفة وظالمة، ثمّ تقرر إضرابا وطنيا مفتوحا، ولا يتحرك وزير التربية لإخماد هذا الحريق ببيته، متعال، لامبال، بإضراب تجاوزت نسبته الثمانين بالمئة، تشعر وكأنّ التعليم بالجزائر ليس واجبا ولا ضروريا..

عندما أشاهد جرأة المثليين وهم يدافعون عن سلوكهم الشاذ، وأشاهد الغانيات وهن يدافعن عن تجارة الجسد، وأشاهد حكامنا ومسؤولينا وهم يدافعون عن ظلمهم ونهبهم خيرات البلاد، وتقليب الأبصار، والحط من الشرفاء وإعلاء الأنذال واللقطاء، أتذكر قول أحمد شوقي:

وما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا

في ظل هذه المعادلة الصعبة، بين الوعي السياسي للشعوب والقهر السياسي للأنظمة الفاسدة تبقى الجزائر أشبه بالجثة المرمية على جانب الطريق وقد التف حولها الذباب والحشرات التي تقوم بتنقية وتنظيف المكان من الأوبئة، وتلك من سنن الحياة التي ارتضاها الله لنا.

لقد أصبحت الفضائح سلوكا عاديا، وأصبح المريض صحيحا معافى، والسارق جريئا ومتحديا، والوزير إمّا لا طاعة له، أو مستهترا غير مبال. أما المواطنون الشرفاء الذين يرفضون الوضع المزري للبلاد فهم أشبه بالهائمين، التائهين في صحراء قاحلة يبحثون عن واحة يقيمون فيها خيمتهم.