الحلم والخيبة

، بقلم فيصل سليم التلاوي

في حي جبل الحسين بمدينة عمان، وحيث أسكن، وفي محيط لا يتجاوز مئات الأمتار، أمر أثناء غدوي ورواحي بعدة شقق ومنازل ترتفع فوقها أعلام وطنية، وتعلق على واجهاتها لوافت تحمل أسماء جذابة لمن يتمعن فيها، ويكلف نفسه عناء قراءتها، وإن كنت أجزم واثقا، أنني ما لمحت في يوم من الأيام شخصا يقف بباب واحدة منها، ولا ضبطت مرة كائنا يدخل أو يخرج من إحداها، أو يرمق واحدة منها بنظرة، ولو من باب الفضول أو حب الاستطلاع، رغم أنني أسكن في هذا الحي منذ سنوات عديدة.

هذه اللوافت ومثيلاتها تحمل أسماء كبيرة محفورة في ذاكرتي وذاكرة أبناء جيلي، إلا أنها لا تعني شيئا لأبناء الجيل الحاضر. من عناوين هذه اللافتات (حزب الشعب الديمقراطي - حشد-)(حزب الوحدة الشعبية)(الحركة القومية العربية)

(الحركة القومية الشعبية الديمقراطية - البديل-).

ذات يوم فاجأني ابني، الطالب الجامعي الذي أوشك على التخرج بسؤال عن هذه البيوت:
- ما حكاية هذه الشقق التي تحمل هذه العناوين، بينما لا نرى أحدا يسكنها أو يدخلها إلا نادرا؟
- حسنا أن قلت نادرا، وهذا يعني أنك قد ضبطت أحدا يدخلها.
- مرة أو مرتين في السنة، صدف أن شاهدت في فناء إحداها مجموعة من الرجال، الذين توحي هيئاتهم بأنهم ليسوا من هذا الزمان، بل ربما نسوا هناك منذ زمن بعيد، يثرثرون بكلام غير مفهوم، وبصوت عال يلفت انتباه الجيران والمارة. حقا، ماذا يفعل هؤلاء في هذه الشقق الخالية والخاوية طيلة العام؟ واستطرد قائلا:
- لماذا لا يؤجرونها مفروشة ؟ فهي مناسبة وفي حي راق، وستلاقي رواجا كبيرا وسعرا مناسبا لو فعلوا.
- هذا فقط ما تفكر فيه فقط، فكيف بك لو كنت تسكن في جبل (اللويبدة)؟ إذن لوجدت نصف شققه ومنازله على هذه الهيئة.
- وما الهدف منها فعلا؟ وماذا تقدم للمجتمع؟
- يا ولدي تلك حكاية مؤلمة يطول شرحها لك، وأنت الطالب الموشك على التخرج في الجامعة، فلكل زمان دولة ورجال، فأنا وأبناء جيلي، يوم كنا أصغر منك سنا، و طلابا في المرحلة الإعدادية، وفي سن تتراوح بين الثانية عشرة والخامسة عشرة، في منتصف الخمسينات من القرن الماضي، وفي قرى نائية لا ماء فيها ولا كهرباء، ولا تربطها بالمدن ولا بالعالم طرق معبدة، ولا وسائل اتصالات مما تعهدون هذه الأيام، كنا في معظمنا أعضاء مناصرين لمثل هذه الأحزاب، وكان مدرسونا القرويون حملة شهادة المترك وما دونها، ينتمون لهذه الأحزاب، وكنا نعرف كل واحد منهم بانتمائه الحزبي : الشيوعي والبعثي والتحريري والإخواني، وكنا نتحزب لهم ونسير على نهجهم .

لقد كانت أمهاتنا وأخواتنا الفلاحات الأميات، يرددن في أغاني الأفراح والأعراس في قرى سلفيت وديراستيا وارتاح وغيرها:

عاش الحزب الشيوعي يا يُمّا عاش على راسه المناضل خالد بكداش

كنا نعتقد يومها أننا سنغير الدنيا، ونحن نخطو خطواتنا الأولى على طريق الاستقلال، الذي نالته معظم دولنا العربية بعد الحرب العالمية الثانية، وقليل منها قبل ذلك.

فإذا كانت الأحزاب الوطنية قد قادت النضال الوطني ضد الاستعمار، من قلب الوطن العربي في مصر بزعامة سعد زغلول باشا، امتدادا إلى جناحي الوطن : غربه و شرقه ، من حزب الاستقلال في المغرب بزعامة علال الفاسي، إلى الحزب الحر الدستوري في تونس بزعامة الحبيب بو رقيبة، إلى حزب الشعب في سوريا بزعامة الدكتور عبد الرحمن الشهبندر، إلى الحزب الوطني الديمقراطي في العراق بزعامة كامل الجادرجي، إلى غير ذلك من الأحزاب والحركات الوطنية.

إذا كان أؤلئك قد جابهوا المستعمر و صنعوا الاستقلال، فهل نقبل نحن بأقل من صنع الوحدة العربية وتحرير فلسطين؟

تلك هي الآمال العِراض التي حملتنا إليها أحزاب ذلك الزمان على أجنحتها الزاهية، فانتمينا لها وناضلنا طويلا في صفوفها، وآل مآلنا إلى شهيد وشريد ومعتقل، يمضي نصف عمره في المعتقلات الصحراوية ولا يقول كلمة:
- (أعلن براءتي، أو أستنكر)
- وماذا حدث بعد ذلك؟
- عندما أنظر اليوم عن بعد إلى تلك النضالات، وإلى ما آلت إليه أحوال رفاق الأمس ، أجدها وقد تمثلت في حالات أربع:

أما أولاها فأحزاب زعمت أنها ناضلت عندما ركبت موجة العسكر، وسطت على السلطة في انقلابات عسكرية دموية، في ليلة ليس فيها ضوء قمر، ولم تترو حتى تتجذر شعبيتها، فتصل إلى السلطة في انتخابات ديمقراطية تنافسية، بل تعجلت القطاف، فإذا هي قد قبضت على زمام الأمور، وما هي إلا حفنة من العسكريين، يشجعهم و يصفق لهم نخبة من الثوريين الوطنيين الذين لاجذور لهم، ولا امتدادات شعبية من منظمات المجتمع المدني تسندهم وتشد أزرهم.

وحتى يتهربوا من هذا الوضع، الذي يحرجهم أمام تنظيمات أكثر منهم عراقة وامتدادا في أوساط المجتمع، لجؤوا إلى الإجراءات التعسفية بإلغاء كل من سواهم، وابتدعوا مقولة الحزب القائد الذي لا شرعية لحـزب سواه، وساوموا الناس بين الحرمان من لقمة عيشهم، أو الانخراط في صفوف الحزب القائد، حتى غدا عدد المنتسبين لهذه الأحزاب أحيانا يفوق في إحصائياتهم عدد سكان البلاد .

ولأنهم في معظمهم كانوا من أبناء الريف، فقد استقدموا معهم أبناء جلدتهم من الفلاحين، وسهلوا لهم سبل الهجرة من الريف إلى المدينة، بما توفره الوظائف العسكرية والأمنية والمخابراتية للجيوش الجرارة التي ابتدعـوها، ليمسكوا بخناق البلاد والعباد، فإذا عواصمنا تتحول إلى قرى كبيرة بفعل الزحف الريفي،عندما
جاء العسكر بأهليهم وأقاربهم ليؤمنوا حماية لهم، لأنهم موثوقون لديهم أكثر من أبناء المدن، فاندثرت بذلك الطبقة الوسطى من المجتمع، التي كانت حاضنة المثقفين والمناضلين والنقابيين والحزبيين، وانقسم المجتمع إلى طبقتين اثنتين:

نخبة ثرية تلتف حول الضباط الحاكمين تحتمي بهم، وتحافظ على مصالحها ومصالحهم، وأغلبية مسحوقة بائسة لا تجد ملاذا سوى مؤسسات الجيش ووزارة الداخلية وأجهزة المخابرات، التي يراقب أحدها الآخر، إلى جانب جيوش غيرهم ممن هجروا قراهم، وغصت بهم العواصم الحديثة، فالتفوا حولها في مدن الصفيح
والأحياء العشوائية، يمتهنون المهن الهامشية، فضاقت القاهرة بالملايين من أبناء الريف والصعيد، وازدحمت دمشق بالزاحفين من حوران والجزيرة وجبال العلويين ،وامتلأت بغداد بالقادمين من أرياف الجنوب والشمال الذين تحلقوا حولها منتشرين في أحياء بائسة.

هـذه العواصم التي تريّفت، لم تعد مراكز إشعاع ثقافي أو حضاري أو سياسي أونضالي، مثلما كانت في عهد الاستعمار وأوائل عهد الاستقلال، ولم تعد أزياء الرجال والنساء التي تطالعك في شوارع العواصم هي الأزياء المدنية الحضرية ،التي ألفتها واعتادت عليها العين، بل غدت أزياء النساء الريفيات والبدويات وعباءاتهن، هـي التي تملأ الشوارع والطرقات، وصارت الدشاديش والعباءات والكوفيات الريفية والبدوية هي سمة شوارع عواصمنا، واختفت البدلات الأنيقة
وربطات العنق والطرابيش الحمراء، لأبناء الطبقة الوسطى والبرجوازية الصغيرة من أبناء المدن.

واختزل الوطن كله في حزب واحد، وكممت أفواه من سواه، بل تم إخماد كل صوت آخر كان بالأمس شريكا وطنيا، ورفيقا على درب النضال بأبشع أشكال القمع والتنكيل.

وضاقت الدائرة أكثر، فالتهم الحزب القائد بنيه، وصفى الضباط بعضهم بعضا، فإذا الرفاق القدامى وتاريخهم النضالي يمرّغ في الوحل، ويتعرضون للاغتيالات والتصفيات على أيدي رفاقهم، لتستأثر عصبة من العسكريين بالكعكة كلها.

وتستحكم الحلقة أكثر فأكثر، لتضيق فتصبح بحجم شخص واحد،هوالقائد الملهم والضرورة التاريخية، وحوله جوقة من المطبلين والمنشدين، يصيرونه إلها معبودا، ومعه تظهر نظرية التسعات الخمس في كل انتخابات رآسية، ولأجل عينيه تغير الدساتير في كل حين، لتشرع جواز الترشح للرآسة مرة ثالثة ورابعة وأبدية.

لكن أحدا لا يسأل أين تختفي كل هذه الجموع والحشود المُصوتة، والمعدلة للدساتير والهاتفة بملء حناجرها، عندما ينهارهذا النظام أحيانا، لدى أول رصاصة رحمة تطلقها يد أجنبية أو داخلية، ولماذا لا تهب للدفاع عن قائدها الملهم وضرورتها التاريخية، وكيف تتخلى عنه بهذه السرعة ؟ بل كيف تمسحه من ذاكرتها على الفـور ، مهيئة نفسها لاحتضان القادم الجديد ؟

أما الفئة الثانية فقد ناضلت حتى تعبت، في بلاد لم تساعدها فيها الظروف على الظفر بالسلطة، بل استمرت معارضة، والعجيب أنك تجدها وقد أدركت نصيبها من السلطة أيضا، فتجد معظم من يتبؤون المناصب الوزارية، والمراكز العليا في زماننا ، هم لمن يعرفهم ومن جايلهم من أبناء تلك الحقبة، من الوجوه التي كانت سباقة ومجليّة في صفوف النضال الحزبي في سـنوات الخمسينات، وهي الآن في مراكزها الجديدة، لا لأن شعاراتها القديمة قد انتصرت، ولا لأنها وصلت إلى مراكزها الجديدة بفضل نضالها الحزبي، فقد مضى ذلك الزمان وعفت على شعاراته الأيام، لكنها في مكانها بفضل مبادرتها السريعة لتغيير البندقية من كتف إلى كتف، وبراعتها في التقاط الطعم الذي أرسلته إليها الأنظمة الحاكمة لتنضم إلى صفوفها، وتلقي وراء ظهرها بكل شعاراتها السابقة، وتقفز من مركبها الغارق، إلى المركب العائم حيث مركز السلطة والجاه.

وليس أولئك بالنزر اليسير، إنهم الغالبية من أبناء الطبقة الحاكمة، قد غادروا مواقعهم القديمة، وقفزوا إلى المواقع الجديدة، متنكرين لكل الماضي القديم، ولكل الشعارات التي بُحت حناجرهم وهم يهتفون بها ذات يوم .
وما ذلك علينا بغريب ولا جديد، فإن من يقلب صفحات تاريخنا القديم يجد فيها عجبا من مثل هذه المواقف. ففي أخبار سقوط الأندلس وغرناطة خاصة، ما يضع العقل في الكف من مثل هذه المواقف، التي يغير فيها أحدهم موقفه عندما تميل الكفة لصالح أعدائه، وهم من غير جنسه أو دينه، فمن يتأمل آخر أيام (الزغل) - عم أبي عبد الله الصغير - الذي كان واليا على مالقة، والذي يعني لقبه حجر المعصرة، كما كان يلقبه أنصاره العرب وخصومه الإسبان، لشدة بأسه وفتكه بالإسبان، والذي كان

اسمه يثير الرعب والفزع في صفوفهم، وكيف انقلب ذليلا تابعا لفرديناند وإزابيلا، عندما رأى مركبه يغرق، قبل أن يلقيا به وراء البحر ليمضي سنواته الأخيرة مهانا في مدينة فاس، يتجول في الأزقة والأطفال يسخرون منه، ويعلقون على ظهره
ورقة كتب عليها (ملك الأندلس). وكيف تحول سيدي يحيى النيّار، ذلك الفارس الذي كان مضرب المثل في منازلة الإسبان، وإلحاق الهزائم بهم، وكيف تعمّد وتحول إلى النصرانية وتسمى باسم نصراني، وما حكاية اقتحامه لحصن روما الذي كان يمثل الخط الأمامي للدفاع عن غرناطة في خديعة لحاميتها، عندما برز مع فرسانه من العرب المرتدين المتنصرين، متنكرين فــي زي جهادي إسلامي، يسوقون أمامهم
الغنائم والأسرى من الإسبان، حتى فتح الحصن لهم أبوابه، فكشفوا عن أنفسهم وفتكوا بحاميته، واستولوا عليه لصالح النصارى، كأنه بذلك يكفر عن سيئاته السابقة ، التي قاتل بها أسياده الجدد في زمن مضى .

عندما تتذكر ذلك تدرك أن بذرة الشوك القديمة لا تزال منغرسة في أعماقنا، وأن التعلق بالمشيخة القبلية والزعامة الشخصية غاية تهون أمامها كل غاية، ولوكانت على حساب التنكر للمباديء القديمة، التي ناضل صاحبها من أجل بلوغها طويلا.

فيبرر التعامل والتطبيع مع العدو التاريخي، ويسترضيه ويتودد إليه ويعتذر منه عن مواقف لفظية سابقة .
كل ذلك من أجل غاية يراها صاحبها تستحق كل هذا الانقلاب، والنكـوص عن تاريخه ومبادئه، وما هي في حقيقتها سوى لحظة من المجد الوهمي، الذي لا يستند إلى واقع حقيقي ، وسرعان ما يطاح به ليؤتى ببديل غيره .
أما الفئة الثالثة من مناضلي أيام زمان ، فهم هؤلاء الذين شاهدت بعضا منهم في أيام معدودات من السنة، و وصفتهم في جلستهم وهم يتغنون بماضيهم العريق، هؤلاء لم يغنموا سلطة مطلقة مثل رفاقهم من الفئة الأولى، ولا جاها مستعارا كالفئة الثانية، فما وجدوا إلا تاريخا نضاليا يقلبون صفحاته، ويستذكرون أياما كانوا فيها
مسؤولين حزبيين، ومناضلي نقابات ونزلاء سجون، ولايزالون(على حطة يدك أو يدهم ) في المكان الذي تركوا فيه، وتقطعت بهم فيه الأسباب منذ نصف قرن ونيف، يعيدون نفس الشعارات ويجترون نفس الكلمات التي عفا عليها الزمن، ليس هنا فقط بل في كل بلد عربي أنت واجد أمثالهم، حالهم كحال التاجر إذا أفلس، لا يجد إلا دفاتره القديمة يقلب صفحاتها .

يخوض حزبهم الانتخابات بعد نصف قرن من النضال، فلا يفوز واحد منهم في المجلس النيابي، أو تحدث معجزة فيفوز واحد منهم مصادفة بين مئة وخمسين نائبا، بفعل دعم عشائرى أو مناطقي ، فينبري أمينهم العام الذي التصق بمقعده منذ نصف قرن لا يبرحه في اليوم التالي للانتخابات، مطالبا بحكومة وحدة وطنية، وبتشكيل جبهة وطنية عريضة وقيادة موحدة، مثلما كان يطالب بذلك قبل خمسين سنة، كأنه لم يدرك بعد أن الزمن قد تغير، وأن الدنيا قد نسيته ونسيت حزبه وشعاراته، وأن قـوى جديدة وتيارات عريضة، استنبتتها السـلطة القائمة، أو نبتت من تلقاء ذاتها بفعل الظروف والمتغيرات الجديدة، قد اكتسحت الانتخابات وفازت بالأغلبية، وبدل أن يصارح جماهيره بأنه بعد خمسين عاما من النضال، لم يجد حوله من يـوصل له نائبا واحدا للمجلس النيابي، فلم يجد بدا من إعلان حل حزبه، والاعتراف بتغير الولاءات والانتماءات والمفاهيم، تجدهم يصرون على البقاء على الهيئة التي رأيتهم عليها، وكأنهم خارج الزمان والمكان .

وفئة رابعة إما قضت نحبها في أقبية المخابرات أو السجون الصحراوية، أو لعقت جراحها وصمتت، وأطبقت أفواهها عن كل كلام مباح، قبل أن يدركها الصباح الذي كان يدرك شهرزاد، ولعل والدك يا بني واحد من هؤلاء .
ولذلك أنت واجد الناس في هذه الأيام لا يعيرون هذه الأحزاب و مكاتبها أدنى انتباه، ولو سقتهم نحوها بالعصا، فبعد أن كانت وشاية التعاطف مع حزب وليس الانتساب له، أو الاجتماع السري مع شخص يتهم بلون فكري معين، تودي بصاحبها إلى غياهب المعتقلات، تحول الحال إلى أحزاب مشرعة الأبواب ليل نهار، رافعة لوافت وأعلاما على قارعة الطريق، تدعو الناس للوقوف ببابها، فلا تجد ملتفتا لندائها .

بل إن الحكومة تتولى أمر رعايتها ودعمها بمبالغ مالية، وربما أنشأت وزارة خاصة للإشراف عليها، وحث الناس على الانتساب إليها، وتنشيط الحياة الحزبية في البلاد فلا تجد آذانا صاغية، وترى الناس ينفرون منها ويتجنبون الوقوف ببابها، والالتفات ناحيتها، بسبب الميراث الأليم الذي أورثتهم إياه أحزابهم القديمة .

فبدل أن توجههم إلى تنافس سياسي شريف، وتبادل سلمي للسلطة يرونه ماثلا أمامهم، تمـارسه أمم شرقية مثلنا، إذا لم نشأ أن نقارن أنفسنا مع الأمم الغربية .

يجدونه في الهند وبنغلاديش وتركـيا وأندونيسيا، بل وفي جنوبي إفريقيا و نيجيريا والسنغال وغيرها من أمم الأرض، التي تقبل التبادل السلمي للسلطة، ولا تلغي غيرها بمجرد السطو على السلطة أو الحلول فيها، بينما أحالتهم أحزابهم القائدة إلى قطعان يسوقها القائد الملهم، ليسـبحوا بحمده وليعبدوا شخصه، فعلمتهم التوبة عن الانتساب للأحزاب . فهم كما تراهم لا يقتربون من أبوابها، ولو جررتهم إليها بالسلاسل، بعد أن أفاقوا من الحلم على الخيبة وليس على اليقظة .