عصر صناعة الكذب

، بقلم عادل عامر

المتأمل في مسيرة الكذب الإعلامي في قصص الأولين يجد ارتباطها الوثيق بتوجه معين يريده الطغاة، حيث يعزز هذا التوجه بكل ما أوتي من قوة للحيلولة دون وجود المنافس الذي قد ينزله عن عرش الهيمنة والقهر، ولا غرو.. فالآلة الإعلامية ليست وليدة العصر الحديث فحسب، بل سبق وأن بسطت رداءها في العصور الأولى ولكن بأشكال تختلف عن وسائل عصرنا الراهن الذي يتمتع بالوسائل الإعلامية الحديثة كالإنترنت والصحافة والإذاعة والتلفزيون كل شيء يسير كما هو مخطط له من عباقرة تخصصوا في تجييش مشاعر البسطاء حتى يتماهوا في شخص زعيمهم، إن الحذر من التلبس بالنفاق الأكبر لا يكفي للسلامة والنجاة ، حتى يكون الحذر قائماً من مظاهر النفاق السلوكية، التي تجتمع على صاحبها فترديه، مما يتخذه الشيطان مطايا وجسوراً للنفاق الأكبر.

إن صورة للزعيم وهو يقبل رأس رجل عجوز أو صبي صغير تحتل الصفحة الأول في الصحف القومية، وفي صدر نشرات الأخبار المتلفزة ليتحول فعل بسيط لانجاز يعادل بناء السد العالي، ويلخص شخص الزعيم من رفقاءه باسم يسهل علي الناس البسطاء قبوله مثل رجل السلام، حامي الوطن، زعيم الأمة، القائد الأب، رب الأسرة المصرية. كذلك الصور التي تنشر في الشوارع والميادين والإعلام يجب أن تكون منتقاة تظهر يقظته وحكمته واتزانه. يقال في علوم الإجرام أن خير وسيلة لتسهيل تنفيذ جريمة ما هي جعل الناس تنظر إلى الناحية الأخرى بعيدًا عن مسرح الجريمة. وينطبق هذا على طريقة تعاطي معظم وسائل الإعلام، العربية والأجنبية، مع ما يحدث في سوريا وما حدث قبل ذلك في ليبيا. وقد قلنا سابقًا أن ما حدث في ليبيا هو أبعد ما يكون عن الثورة، كما نفهمها، بل هو انتكاسة أرجعت الاستعمار الغربي ومصالحه من الشباك بعد أن طرده القذافي من الباب عام 1969. في ليبيا بدأت وسائل الإعلام، المجندة في غالبيتها الساحقة، باتباع أسلوب القصف الإعلامي الكاذب لتوجيه أنظار الناس عن حقيقة ما يحدث في ليبيا من أن القوى الاستعمارية تخطط لمعاودة السيطرة على هذا البلد ونفطه وموقعه الاستراتيجي، وحرفت الاهتمام عن مواجهة هذا المسعى الواضح لكل ذي عين ثاقبة، محاولةً تصوير الأوضاع على أن حلف الناتو والغرب تحولوا بين ليلة وضحاها إلى متعهدين لنشر الديمقراطية وإسقاط الديكتاتوريات ونصرة الشعوب المستضعفة.

فمنذ بداية الأحداث في ليبيا بدأ مسلسل الأخبار الكاذبة والمتقنة التلفيق، من قصف المتظاهرين بالطائرات، إلى استخدام القذافي لمرتزقة أفارقة يفتكون بالشعب، وحتى بعد أن تبيَّنَ أن هذه الادعاءات هي مجرد أكاذيب كان الوقت قد أصبح متأخرًا فقد حدث ما حدث، تمامًا مثل كذبة كولين باول في مجلس الأمن عن امتلاك العراق لأسلحة كيماوية والتي شكَّلت الذريعة المعلنة لغزو العراق عام 2003. وينطبق هذا أيضًا على ما يحدث في سوريا، حيث تصر نفس وسائل الإعلام أن ما يحدث هناك هو جيش مجرم يفتك بمتظاهرين سلميين أبرياء، متجاهلين تقرير المراقبين العرب الذي أقرَّ بوجود مجموعات إرهابية مسلحة تستهدف أفراد الجيش والمواطنين.

وتهدف هذه التغطية الموجَّهة إلى لفت الأنظار عن حقيقة وجود مخططات استعمارية لضرب سوريا ومواقفها القومية والوطنية وتحالفاتها مستغلين مطالب الشعب المحقة كذريعة ومطية. ولا نقول ذلك دفاعًا عن النظام السوري، كنظام يضبط العلاقة بين المواطن والسلطة، بل قلنا أن هذا النظام بحاجة إلى تطوير لمواكبة متطلبات العصر. إلا أنه يجب أن لا تغيب عن أذهاننا أن القوى الكبرى ووسائل إعلامها فائقة التأثير تستهدف هذا النظام لحسناته، التي يجب المحافظة عليها، وليس لسيئاته التي يجب أن يتجاوزها السوريون جميعًا عبر حوار سلمي هادئ، للوصول إلى نظام ديمقراطي حقيقي على مقاس السوريين وليس على مقاس الأجنبي المتربِّص الطامع.

شريكتان في في صناعة الكذب والدجل الإعلامي، وقامت بعرض نفس المقطع تحت عنوان: (تمثيليات مقاطع تجار الدم الخاص.. باستديوهات قنوات التضليل.. تصور.. تنتج.. وتفبرك...!؟؟؟ وحقوق النشر محفوظة لمحطات ما يسمى بتنسيقيات الثورة...!؟) وطبعاً دائماً تلصق التهمة بمحطات التضليل التي لا يتسنى لها دائماً أن تتحقق منها... لقد أجادت أمة العرب أكثر من غيرها من الأمم في العصر الحديث فن صناعة الطغاة، وتكاد تكون (صناعة الطغاة) المهنة الوحيدة ذات الجودة العالمية التي تجيدها أمتنا، وشاركت الأمة بمجموعها في هذه الصناعة، فالشعوب تصفق، وتهتف.. والإعلام يقدس ويمجد ويكذب وينافق، والصحف تدبج المقالات والتهاني وتكيل الألقاب.. ثم إذا ما انتهت مدة صلاحية الطاغية وانتهى أجله وظن أنه لن يموت..

خرجت الآلاف المؤلفة راهبة وراغبة متألمة ومتوجعة لتوديع الجثمان الطاهر إلى مثواه الأخير، وسط نحيب وبكاء وعويل، حيث يسجى في ضريح بني خصيصاً له، يتحول في قابل الأيام إلى مزار تحج إليه الوفود. إن المكذب بالنفاق، أو المهوِّن من شأنه، أو المهادن لأهله، فهو إن لم يكن في ذاته منافقاً خالصاً، يدفع التهمة عن نفسه ، ويبرئ ساحة حزبه ؛ فإنه في قدْر النفاق يُطبخ، وفي محضنه ينضج ، وعلى مائدته سوف يُقدَّم؛ إذ إن الحذر من النفاق، والبراءة من أهله: نهج المؤمنين، وسبيل المخلصين، والتردد والاختلاف في شأنهم مستنكرٌ: (فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ...). أليست أمتي هي من ضحك من جهلها الأمم؟!

وأنا دائماً أقول: لعنة الله على الكاذبين وكل من يمتهن الكذب حتى لو كانوا أهلي وذوي قرابتي... وحتى لو كنت أنا من يتعمد الكذب ويمارسه... قال تعالى: إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر،). [أخرجه الشيخان] وفي روية لمسلم: (وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم).

- وفي حديث آخر للشيخي: (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا أؤتمن خان, وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر) باءت محاولات إقصاء الإسلام عن الواقع بالفشل، رغم جهود مراكز الأبحاث والدراسات المضنية، وجيوش المستشرقين والمنصّرين، وما أنتجوه من أحزاب وهيئات، وتبدّدت الملايين التي أنفقت لوأد صحوة المارد الإسلامي، وقمع الشعوب العربيّة وإطفاء جذوة نضالها. تزييف الحقائق أسهل الطرق لهدم المجتمعات وتضليل الرأي العام إعلاميون:

القارئ والمشاهد يستطيعان اختيار الوسائل الإعلامية البعيدة عن تغييب الواقع وطمس الحقيقة خبير إعلامي:

لابد أن يشارك المجتمع بدور رقابي وتشريعي حتى تختفي ظاهرة الفساد الإعلامي ومحو أي وسيلة تسعى لتغيب الحقيقة الإعلام جزء من حياة الناس ولا يمكن للناس أن يعيشوا بدونه؛ فهو يلعب دورًا كبيرًا وخطيرًا في معرفة الحقائق وتوظيفها ويلعب نفس الدور في تزييف الحقائق أيضًا فيما يطلق عليه البعض بالفساد الإعلامي، ويكون ذلك عندما تنعدم الضوابط والأخلاقيات ولا يكون هناك ميثاق شرف إعلامي، فتتوه الحقيقة وسط إعلام جذاب ينقل الزيف للناس على أنه حقيقة.


عادل عامر

دكتور في الحقوق وخبيرفي القانون العام

من نفس المؤلف