تحرر أبيض وأسود على إيقاع «جاز».. توني موريسون

، بقلم ضحى عبد الرؤوف المل

لف العنوان غموض دفعني للبحث عن ماهيتها، ولماذا «توني موريسون» جعلتها عنواناً لروايتها؟ فالأشكال الموسيقية تتنوع تبعاً لكل بيئة اجتماعية نعيش فيها، خصوصاً الشعبية، فالجاز آلة ذات صفات أساسية. تجعل الروح أكثر تحرراً، فالإيقاع الحياتي الصاخب للأميركيين السود ميزة لم تتغير عبر الزمن، لكنها تطورت وأثبتت وجودها ارتجالياً، لنسمع في الرواية موسيقى سردية كئيبة لعاطفة رجل تحمل نفحة روح عميقة " حيث جعله ذلك الغرام الخفي الجفول تعساً تماماً وسعيداً للغاية حتى أنه أطلق النار عليها فحسب ليصون هذا الشعور" 
فالحب في النفس كالحياة الإنسانية! يصاب بكل المراحل من الولادة وحتى الموت، والحفاظ عليه يحتاج للإيمان"، فهل أرادت "توني موريسون" قول... ومن الحب ما قتل؟.
 

أم أن كلمات السيد المسيح التي بدأت بها الرواية " إن من يفهم المعنى العميق لهذه الأقوال لن يذوق الموت" فهل الكلمة العميقة هي في البدء كانت الكلمة أم أن التشابه كقرع الطبول مع آلة الجاز لنتعلم لحن الحياة؟.
لغة شعرية تشبه (فيوليت) التي تعلمت قص الشعر وبحثت عن الحب في تكرار ببغائي لطير لا يمتلك لغة أصيلة ولا عمق مشاعر تترجمها كلمات، ليشفي قلبها السقيم في حركة عنيفة بدأت بها الرواية ومشهد لا يخلو من الغرابة لامرأة تحيا صمت زوجها، ويحيا سكوتها " أخذت الطيور من أقفاصها وأطلقتها عبر النوافذ كي تتجمد أو تطير، كان ضمنها الببغاء الذي يردد" باحبك"
تعاسة وسعادة في معنى واحد هو الحفاظ على ربيع الحب بصرف النظر عن اللغة الحقيقية للتعبير عنه، وكأنه موسيقى الحياة التي تحافظ على البقاء في عوامل اجتماعية ونفسية استطاعت" موريسون" إظهارها في ألسن عديدة،

 فأبطالها يتكلمون بحرية دون قيود كأننا نشاهد لقطات سينمائية ذات فعل حركي قادر على إلقاء الضوء على المرأة الزنجية، لندخل عمق مشاكل عاطفية" سكتاتها عبر الزمن تضايق زوجها، تلغز له، وفي النهاية تكتئبه. لقد تزوج امرأة تتحدث أساساً مع طيورها. فلغة الحوار قد تختفي تدريجياً من الحياة الزوجية ليصبح الأرق صفة مشتركة أظهرتها "موريسون" وترجمها" محمد عيد ابراهيم " في تتابع وترابط بين فقرات الرواية بصيغة بلاغية ذات نقاط نفسية واحدة وسبك احتفظ بكينونة خاصة بعيدة عن التكرار" عندما رمت فيوليت بالطيور بعيداً، جعلها ذلك دون رفقة الكناريات واعتراف الببغاء، بل أعوزها أيضاً روتين تغطية أقفاصها، وكانت هذه العادة قد أصبحت أحد الأشياء الضرورية عند الليل".

أما جو زوجها " فالأمر يختلف.لأن هذه الفتاة كانت حاجته الضرورية لليالي ثلاثة أشهر، فهو يسترجع ذكرياته عنها. بينما يرقد في الفراش جنب فيوليت. هو الطريقة التي يدلف بها للنوم".
 فالعبارات هنا هي انطباعات شخصية قد يشعر القارىء أنه موجود فيها رغم البعد الاجتماعي إلا أنه هناك تشابها نفسيا زمنيا، فاسترجاع الذكريات ترافقه لذة لها طعم الحياة ورونقها الأصيل " يرقد الآن في الفراش مسترجعاً كل تفصيلة من ظهيرة أكتوبر تلك حين قابلها لأول مرة من البدء حتى النهاية، ليس لمجرد طعمها اللذيذ، لأنه يجرب أن يحجرها في باله، يطبعها ضد بليّ قادم" فهي تقدم تشريحا نفسيا لجو العجوز الفاقد لغة الحب منذ زمن لأمرأة أحبها وأعاد وجودها في حب شابة قتلها ليحافظ على شيء خسره هناك في زمن آخر " فالوقت كافٍ، حتى تغطي الشمس، كي يحكي لحبه الجديد أشياء لم يحكها قط لزوجته"
تتشابك الأفعال في مزيج اجتماعي اختلطت فيه المفاهيم لتظهر العنصرية في كلمات اخترقت المعنى، وكأنها جمل دخيلة على الرواية" كيف أتى كل هؤلاء الخلق الملونين ليموتوا حيث فعل البيض هراء كثيراً" فهل نحيا في الحياة مع لونين أسود وأبيض كما نعيش حالة القلق بين العرب والغرب؟..أم أن الالتحام الفكري يلغي كل انفصال اجتماعي لينفض الغبار عن العالم القديم ليظهر الجديد ونحيا حالة نفسية تشبه نغمات الجاز؟.


حس جمالي أرادت اظهاره في اللون الأسود لخاصية تحقق وجودها كأميركية سوداء رغم أن العمل الفني هو عمل عام لا تخصيص فيه، فالأدب له شموليته وعالميته التي تخرجه من الخاص إلى العام لتجعله في كون لا حدود له، لكنها أرادت التحرر من عبودية اللون وقيود الرغبة النفسية عن طريق الفتاة السوداء التي تعيد تاريخ حياة رجل فقد لغة التواصل مع زوجته التي أحبها في زمن مضى، لتثير قضايا اجتماعية ووطنية في تعبير عبقري يحقق أهدافه الروائية بمهارة لتضع الحقيقة الذاتية والموضوعيه أمامنا لمجتمع نسوي لم يتحرر من الانتماء الطبقي لتجعل مفهوم الحب هو الركيزة الأساسية المتنازع عليها " كانت تحبه النساء لأنه يشعرهن بأنهن بنات وتحبه البنات لأنه يشعرهن بأنهن نساء، فهل تجعل هنا من المرأة هدفاً لذاتها أم تجعلها هدفاً للرجل القادر على فهم كينونتها؟..
إن للمرأة الزنجية وجوداً مميزاً، وكأن عالم الزنجيات هو مكان في العالم لم نعرفه بعد، فهي تعطي له ميزة خاصة" هزت امرأة زنجية رأسها إليه..بل امرأة أيضاً سوداء وحشية كالسخام ...تجعلهم يرنمون بغنوة زنجية..إن عمليات قتل الشرطة للزنوج تتم يومياً..

هذه الميزة وضعتها في قالبها الروائي لتحرك الأحداث وتطورها وفقا لفيوليت في خطوط متوازنة مع جو والآخرين، لندرك معاناتها وهي تبحث عن صفات غريمتها وهي تسعى لحل أزمة زوجها الحزين وفق منطق جعلنا نتعاطف مع الزوج والزوجة والعشيقة، وتحارب وهي في الخمسين للحفاظ عليه خوفاً من الوحدة والكآبة" ألم تفعليها؟ ألم تحاربي من أجل رجلك؟" لتسترجع ذكريات خوفها المختزنة في ذهنها وتوظفها بشكل نفسي سليم رغم الوقائع المختلفة في المكان" كان الخوف مبذوراً في طفولتها، مروياً كل يوم من حينها، خوف تبرعم من خلال أوردتها طول عمرها. فكرت أفكار حرب كانت مجمعة لديها...
ألوان متعددة استعملتها في مواضع وصفية تصور فيها انطباعاتها عن المكان الاجتماعي المتغلغل في نفوس شخصيات الرواية هذا التوزان الوصفي في السرد جعلنا نحلق بحرية مع حواسها وألوانها الخارجية التي تنعكس على دواخلنا وعمق عاطفة فيوليت " والجدات كانسات السلالم" وعيون اليهود السود، تطفح بالشفقة..

فبإمكانها أن تروح في الأرجوان وتظل بقلبها البرتقالي الذي يلمع أثواب الناس في الشوارع، وكأنها صالة رقص كل هذا ضمن أسلوب تعبيري واقعي لا يخلو من أجواء رومانسية تتوافق مع الطبيعة التي رسمتها في تناقض يشبه تناقض المجتمع للزنوج، وكأن أشخاصها يملأون مشاعرنا فرحاً رغم الحزن المسيطر على جو" كان اليتيم، ومنذ البداية، يبدو كالقنديل في ذلك المنزل الهادىء الظليل.وكانتا تبدآن يومهما بالنظر إليه، ببساطة وتتنافسان مع بعضهما البعض لأجل الضياء الذي كان يسبغه عليهما." فهي ربطت بين العديد من المعاني ربطاً رمزياً، فمن خلال الضحك تنسيه نشفان طعم الكعكة ومن ثم" تقرأ له قصصا شائقة كأنه أمير ويلز" لتقدم سلوكيات اجتماعية محببة لكل فرد في الحياة الضيقة والفقيرة.