قراءة في ديوان «حكايات لا تعود» للشاعر يوسف نعيم

، بقلم عبد الرحيم حمدان حمدان

الديوان الذي بين أيدينا من القطع الصغير، صدرت طبعته الأولى في هذا العام 2013م عن مكتبة الأندلس للطباعة والنشر بمدينة بيت حانون، وهو باكورة إنتاج الشاعر، ويحوي إلى جانب الإهداء عشرين قصيدة- طويلة نوعًا ما- ، ويحمل غلافاً خارجيا تتمازج في ألوان عدة تعبر عن مضامين الديوان تعبيراً موحياً، وقد جاء في طبعة أنيقة, تخلله كثير من الرسومات والأشكال المعبرة والموحية.

من العنوان وهو عنوان القصيدة السابعة "حكايات لا تعود" يعثر القارئ على الفكرة المركزيّة التي يقوم عليها مجمل الديوان، وما اشتمل عليه الديوان من قصائد، يطوف بالمتلقي في ذكريات الماضي أيام الصبا وزمن الشباب ، فينبش ما استقر منها في الذاكرة، ويجسد ذلك في تجربة شعرية صادقة، استقي مادتها الأصلية من تجربته الذاتية، وارتباطه بالمكان والزمن، حيث نشأته الأولي في بلدته الفلسطينية الريفية "بيت حانون" القرية الحدودية التي تتنسم عبير الأرض المسلوبة، وتكتحل عيونها كل صباح بالمناظر الطبيعية الخلابة لفلسطين المغتصبة.
من بين القصائد ثمّة قصيدة تحمل عنوان المجموعة، وهي هنا (حكايات لا تعود)، ومن خلال قراءتها ربّما نستطيع سبر أعماق هذه المجموعة. يقول في قصيدته تلك:

يا(بيت حانون) هل أخلفت موعدنا؟
وهل طويت مع الأيـــــــام ذكرانا؟
يا توأم الروح ما كان الفـــراق قليً
مني؛ على بعده أو كــــــان هجراناً
قد كان زادي هويً أسكنته جسدي
لو لم أزوّده لقضيــــــــــت ضمآنا
أين الأحبـــــة والخلان قد رحلوا؟
وأين من كانـــوا حلمي الذي كانا؟
كل يبــــــــــــــيت على هم يؤرقه
ويرقب الفجر، علّ الفجر قد حانا

وفي حوارية رائعة يجرى الشاعر حوارا دراميا بينه وبين وادي الدوح / المكان يصطبغ بطابع التوتر والإثارة، يستعيد من خلاله ذكريات الماضي، وما آل إليه حال هذا الوادي من تغير وتبدل، فكأنه بذلك يسقط آثار الزمان وأحداثه على إنسان هذا الودي وما جرى عليه من عوادي الزمن، يقول وهو يستنطق الوادي ويخلع عليه الصفات الإنسانية الحية:

بالله يا وادي الدوح هل ما زلت تذكرنا
وتذكــــــــر الصبح يسري في خطاوانا
أين الحساسيـــــــن يا وادي وقد كانت
تلهو بروضــــــــــك أسرابا وفردانا
....أجابني الدوح يا مَنْ ذا يسائلني
كفى تحــــــرك في الأعماق إشجانـــــا
يا صـــــــــــــاح رفقا بنفسك لا تعذبني
وتبعث الشوق في الأحشاء نيـــــــــرانا
.... فقلت يا دوحُ: قد أحسنت موعظتي
جزاكَ عني عظيم الفيض إحسانـــــــــا
وجادك الغيــــــــــث بعد الغيث منهمرا
بوابل عــــــرم يأتيــــــــــــــــك طوفانا

هذا إلى جانب قصائد أخرى جسد فيها تجربة النفي والغربة القسرية عن الوطن، ويجسم ما كابده الشعب الفلسطيني على مر الزمان من تشرد وضياع ومقاومة ونضال من أجل تحرير وطنه، وما تحمله من معاناة وآلام وما شعر به من إحساس عميق بهموم الوطن والأمة العربية.

وقد يتجاوز الشاعر في بعض قصائده الهم الفلسطيني، ليعالج الهم القومي، فيصور بصدق مأساة الإنسان العربي وعذاباته وضياعه وهوانه على أيدي حكامه الآماجد. ذلك أن الشاعر كغيره من شعراء جيله لا في فلسطين، فحسب وإنما على امتداد الوطن العربي بأسره ، يعيش حالة من القلق النفسي، والغربة والضياع الذي يفجر في دواخله الثورة والتمرد على الوقع المتردي الكسيح، التمرد والثورة على كل شي، لاسيما على الحكام الأكارم، يقول في قصيدة "حكامنا" بأسلوب مغلف بالسخرية المرة والتهكم اللاذع من أولئك الحكام:

تبسموا ... حكامنا الأكارمُ
تبسموا وقهقهوا... ما طبتمو
....لا تجزعوا ... او تذكروا
ما فات من ضياع
أو تشغلوا نفوسكم
بكثرة الجياع
فالذنب ليس ذنبكم
....فالأمة الخرساء لا تتكلم
حتى وان مزقت أشلاء لا تتألم
.... ونحن ما نزال والأوطان
نكابد الضياع والهوان
لكننا نهم أن نفيق
ونشعل الشموع في الطريق
ونسرق الصباح منكموُ
فلتعلموا حكامنا الأكارم.

لقد أحسن الشاعر صنعاً حين عني بتأريخ كثير من قصائد الديوان، فأومأ في كثير منها إلى المناسبة التي دفعته إلى إبداعها؛ لكونها بمثابة إضاءة للمعنى وللتجربة التي تعبر عنها، فقد أشار في نهاية القصيدة إلى أنها كتبت في سنة 2005 م، لما لهذا التأريخ من وظيفة إبلاغية توصيلية، ومن هنا يستشف المتلقى أن الشاعر يستشرف المستقبل، فهو من خلال هذه القصيدة يستحق أن يطلق عليه وعلى أمثاله من الشعراء؛ أنهم عيون الأمة الساهرة، وقلبها النابض الذي يتحسس آلامها، ويتنبأ بمستقبلها.

ويلمس المتلقي البعد الإنساني جلياً في الديوان، فهو يجسد مأساة الإنسان في هذا الزمان الذي طحنته الحروب البشعة، وحرمته السعادة والأمان، وتركته محطم الآمال مهشم الأحلام، فهو يرسم في صور شعرية موحية الحرب الضارية المفتوحة التي يشنّها الصهاينة على الإنسان الفلسطيني ، ويجسم تلك المصائب التي حلت بإنسان هذا العالم البائس موظفا الرموز الجزئية المشحونة بدلالات ثرة:

أراكِ يا أميرة التتر..!
على ركام الموت ..تخلدين
تضاجعين حمأة القدر،
مرفوعة الساقين للرياح..،
تستقبلين جهرة!! أجنة السفاح،
وتنشرين حولنا الذئاب، والغيلان..
كأنهم بشر!!
وثغركٍ (الجحيمُ) ينفث الدخان،
فتملا المكان، والزمان
روائح الشواء.. والجماجم
وكثر الرماد.. في بابل وعاد .

جمعت قصائد الديوان في معمارها الفني بين الشكل التقليدي الموروث وشعر التفعيلة الشعر الحر؛ الأمر الذي أضفي عليها لوناً من التنويع، وأسبغ عليها سمة الأصالة والتجديد.

وتجدر الإشارة ههنا إلى الشاعر توسل الشاعر في التعبير عن تجاربه الشعرية عددا من وسائل التعبير الفني من: لغة موحية، وصور فنية شكلت في كثير منها لوحات تصورية متكاملة، ووظف إلى جانب ذلك جملة من تقنيات التعبير الحديثة من: تناص ورمز وسرد شعري وقيم نغمية ثرة .

لقد أعلن الشاعر يوسف نعيم عن موهبته المتميزة في مجموعته الشعرية "حكايات لا تعود"، فهو لا يكتفي بتأكيد شاعريته الأصيلة، بل يفتح عالما شعريا يضج بالحركة والحيوية والحياة، إن عالم الشاعر في هذا الديوان يصنع الألفة والحب والثورة والغضب والأمل الذي يتجسّد في تلقائية التعبير، إنه يتعامل ببساطة مدهشة مع النغم والموسيقى والموقف والتجربة، فيحس المتلقي أنه إزاء شاعر لا يعنى بهذه الجماليات الفنية التي أتعب الشعراء قرّاءهم كي يتقنوها، وإنه يجسد في شعره البساطة المشرقة التي تكشف عن رؤية إنسانية تحتوي على حسّ أصيل بالرؤية العميقة والجوهرية في هذا العالم، وهو يمتلك الحس الإنساني المرهف الذي يرتكز على رؤية إنسانية شاملة، ولكنه أيضا يتمرد على الواقع المعيش حوله، ويحاول إصلاحه، ويرسم خطوط المستقبل الواعد المفعم بالأمل وانتصار الحرية، إنه يجسّد رسالته الشعرية في أمنيات سامية، إنه يسعى إلى تحقيق عالم مسكون بالإنسانية المرهفة والحب العميق للإنسان.

على الرغم من تعدد حكايات الديوان وتنوعها في بعدي الزمان والمكان، فإنها تبدو لمن يمعن النظر حكاية واحدة، إذ ترابطت أطرافها، وتضام بعضها إلى بعضها الأخر في وشاح شفيف من الأفكار والمشاعر؛ لتحكي في مجموعها حكاية إنسانية واحدة متكاملة.

وجاء الإهداء في بداية الديوان جزءاً لا ينفصم عن المضامين الفكرية والمشاعر الإنسانية للديوان، فقد أهداه إلي والده وأهل المروءة وأرواح الشهداء فلسطين والأسري البواسل وأهداه إلي روح وادي الدوح الذي يعبق بحكايات المكان والزمان التي ضاعت ولم تعد، ويأمل الشاعر أن تعود مرة أخري.

يعد هذا الديوان الجديد ليوسف نعيم إضافةً نوعيّة ليس إلى الكتابة الشعرية الفلسطينية فحسب، وإنما إلى الكتابة الشعرية العربية أيضاً، وذلك لما فيه من تصوير شعري ولوحات فنية رائعة أفاد في رسمها من التقنيات التعبيرية التي استمدها من جماليات الفنون الأخرى، والذي تمكّن نعيم فيها من بعث تلك المشاهد الحية للمكان الفلسطيني، في بعده الريفي، بعدما مرّت عليها يد المحتلّ، وعاثت بها تخريباً.

وأخيراً، فإن ديوان يوسف نعيم يشيع في نفوسنا الاطمئنان إلى أن شاعرية جديدة وفريدة تؤصل نهجها الشعري، وتعدنا بكنوز جديدة، وأفراح شعرية جديدة، إنه في هذا الديوان يبشر بميلاد شاعر واعد، ويشي بولادة تجارب شعرية ذات أبعاد إنسانية عميقة.

• الشاعر يوسف أحمد نعيم من مواليد مدينة بيت حانون 1948 م، صدر له سنة 2007 م رواية بعنوان: "الطريق إلى المجهول". وله مساهمات أدبية وثقافية نشرت في الصحف العربية والمحلية.


عبد الرحيم حمدان حمدان

الدكتور عبد الرحيم: ناقد أدبي، وأكاديمي فلسطيني

من نفس المؤلف