الأدب والتكوين الذاتي للمتعلم

، بقلم مصطفى لغتيري

لعل أقصى ما تسعى التربية الحديثة إلى تحقيقه، رغم صعوبة السعي والهدف، هو أن يتحقق لدى التلميذ فضيلة التكوين الذاتي، وذلك بأن يصبح المتعلم قادرا على بناء ذاته بذاته، بعيدا عن وصاية المدرس أو الكتاب المدرسي أو غيرهما من المتدخلين في العملية التعليمية التعلمية، ويمكن تعريف التكوين الذاتي ب" مجهود فردي دائم، يعتمد على القدرات الذهنية للفرد ﻤﻥ من أجل تحديث معلوماته بالاتكال على نفسه ومحاربة
الروتين الذي يتخبط ﻓﻴﻪ من أجل تجديد معلوماته، وتحسين مستواه باستمار"1

ولا تخفي المدارس التربوية الحديثة هذه الغاية، بل تعلنها كهدف أسمى، إن تحقق تكون التربية قد نجحت فعلا في مهمتها، ومن أجل البلوغ إلى هذه الغاية وضعت التربية مناهج وبيداغوجيات متعددة تختلف في الوسائل والآليات، غير أنها تتفق حول الهدف أو الغاية، وتبذل في سبيل تحقيق ما تتغياه مجهودات محمودة.

وإن كانت هذه المجهودات المبذولة لا تخلو من فائدة، حتى وإن لم تستطع تحقيق أهدافها كاملة، فلا أحد ينكرأنها حققت وتحقق جزءا من تلك الأهداف، وبالخصوص لدى فئة معينة من التلاميذ، تتميز بالكثير من الاستقلالية والطموح والثقة بالنفس والفضول نحو المعرفة.

وأظن أن القلة القليلة جدا من المتدخلين في الفعل التربوي تفطن إلى أهمية الأدب في تحقيق هذا الهدف السامي على أكثر من صعيد وبأكثر من وسيلة، وفي رأيي المتواضع أن اكتساب عادة القراءة والشغف بها كفيل بأن يمرن المتعلم على اكتساب المعرفة بمفرده، فأن يقتني التلميذ كتابا قصة كان أو رواية أو ديوانا وينعزل بعيدا عن الضجيج أو كل ما يشثت الانتباه من أجل قراءة ما بين يديه كفيل بتمتيع التلميذ تدريجيا بشخصية ناضجة، تبني ذاتا واثقة من نفسها، تتلقى ينابيع المعرفة بشكل تدريجي ووثيق. ولا يخفى أن المتعة التي توفرها النصوص الأدبية عامل محفز على ذلك، إذا ما وجد المتعلم في بداية شغفه بالقراءة الشخص الموجه الكفيل بمساعدته على اختيار النصوص، التي تستجيب لعمره و لذوقه ولمستوى إدراكه، أما إذا تحدثنا عن المضامين فسنعرف إلى أي حد يساهم الأدب في هذا التكوين الذاتي المرتجى، فالروايات و القصص والأشعار ليست ممتعة فحسب، بل هي ناقلة للمعرفة وغاصة بالمعلومات والأفكار المتنوعة والمفيدة، فإن المطلع مثلا على روايات جرجي زيدان التاريخية لن يراوده الشك أبدا في أن الأدب يمرر المعلومة التاريخية بيسر وسلاسة، فلقد صاغ الكاتب التاريخ الإسلامي في قصص وروايات رومانسية جميلة تشد النفس وترسخ المعلومة التاريخية في ذهن المتعلم بدون جهد يذكر، وقد استفاد الكاتب في ذلك بعلم أو بدونه من الدراسات العلمية حول الذاكرة التي تؤكد أن ربط المعلومة بحدث أو شخص معين يكون أقوى في ترسيخها في الذهن، مما يسهل معه تذكرها ببساطة،وقد قال روجي الآن المهتم القدير بالأدب العربي عن هذا المجهود الإبداعي:"كلما ركزت في بحوثاتي على الأحداث التاريخية في روايات زيدان، أجد أن كل تفاصيلها صحيحة وأنها وقعت فعلا. حتى قصة الحب".

كما أن قصص الخيال العلمي وخاصة منها المترجة، لأن رصيدنا المغربي منها ضعيف للأسف، اللهم إذا استثنينا بعض روايات عبد السلام البقالي، فإن هذا النوع من القصص يقدم المعلومة العلمية ويربطها بأحداث معين تجتهد مخيلة الكاتب في صوغها، فتترسخ في ذهن المتعلم، خاصة إذا ارتبطت بقصة عاطفية خيالية، يتحرك لها وجدان المتعلم وتستجيب لميول غريزي أو مكتسب لديه يتميز بالتعاطف مع البطل أو كرهه، وتقول الدكتورة سعاد العبد في مجلة ينابيع في مقال لها يحمل عنوان قصص الخيال العلمي كمدخل للتدريس العدد الرابع الصفحة 45-46: " وتعد قصص الخيال العلمي من الطرائق المناسبة في تنمية الخيال العلمي" و تتابع في الصفحة الموالية" 2ويرتبط الخيال ارتباطا وثيقا بالتفكير، ولأن الخيال أحد الأنشطة العقلية التي يمارسها الفرد لبناء صورة جديدة،فإنه يعد أحد أنشطة التفكير العلمي".

ويمكن الاسترسال في هذا الأمر وذكر نماذج أخرى من المعارف، التي يمررها الأدب في نصوصه النثرية والشعرية، وربما يكفينا في مجال الشعر أن نتحدث عن الشعر الجاهلي، الذي يقدم صورة واضحة عن البيئة والإنسان العربيين قبل الإسلام،حتى عده النقاد "ديوان العرب" وهذا ما يؤكده محمد رجب النجار حين يقول"

إن الشعر الجاهلي ـ على الرغم من كونه شعراً شفاهياً ـ كان هو المصدر المعرفي الوحيد لأخبار العرب, وتاريخهم, وعاداتهم وتقاليدهم, وعلومهم ومعارفهم, وحروبهم وأيامهم, ومآثرهم ومفاخرهم, وقيمهم ومثلهم العليا.."3

وقد جاء هذا الشعر مصورا لإنسان شبه الجزيرة العربية في حله وترحاله لا يستثني راحلته وأطلاله وحروبه والمفازات التي يقطعها من أجل قضاء أغراض شتى، فلولا هذا الشعر لما كانت لنا صورة شبه واضحة عن تلك الفترة الضاربة في العمق التاريخي، وقد اعتمد المؤرخون على الشعر أساسا ليؤرخوا لتلك الفترة.

وخلاصة القول إن تحفيز المتعلمين على قراءة النصوص الأدبية، ابتداء من المرحلة الابتدائية مرورا بالمرحلة الإعدادية والثانوية وانتهاء بالمرحلة الجامعية، كفيل بإكساب التلميذ فضيلة التكوين الذاتي، الذي يعد أهم غاية تسعى إليها التربية باختلاف مدارسها مناهجها وبيداغوجياتها.

1— أورلسان ﺭﺸﻴﺩ ( 2000 ) التسيير البيداغوجي ﻓﻲ ﻤﺅﺴﺴﺎﺕ التعليم، ﻗﺼﺭ الكتاب، البليدة الجزائر الصفحة 283.

2-الدكتورة سعاد العبد -مجلة ينابيع -قصص الخيال العلمي كمدخل للتدريس العدد الرابع الصفحة 45-46

3- محمد رجب النجار – الشعر.. هل هو حقا ديوان العرب ؟-مجلة العربي العدد 523 - 2002/6 - فكر