ميكروفونات... وناس تبحث عن الراحة

، بقلم فاروق مواسي

ثمة ظاهرة في كثير من بلداتنا نشهدها ونسمعها ولا نجرؤ أن ننقدها– تلك ظاهرة الميكروفونات الصارخة في الأعراس والحفلات من جهة، وفي الأذان من جهة أخرى.

وسأبدأ بالثانية لحساسية الموضوع، وحتى لا أتَهم بالمروق والخروج عن آداب الدين.

فما وجه الحكمة في استعمال الميكروفونات العديدة في القرية الواحدة ولكل مسجد مسماعه الخاص به؟

ألا يكفي أذان واحد ومن مسجد واحد كما هو متبع في قلقيلية وغزة وأم الفحم وحتى في مكة المكرمة وغيرها؟

وهنا لا بد من ذكر ضرورة إطلاق الصوت الحسن (أندى صوتًا)، فما أجمل الأذان عندما ينطلق من حنجرة ذات صوت مأنوس يهدهد عذبًا، لا معذّبًا، ولا شك أن مثل هذا الصوت (الحنون) يشجع ويحفز للصلاة، لأن الصوت الجميل المناسب مع الندى وتواشيح الصباح يلج إلى القلب.

تصوروا – أيها المنكرون عليَ كلامي! –أن يقرأ كل مسماع من سورة معينة قبيل الأذان – مع أن هذا ليس من مستلزمات الأذان الواجبة – فتختلط القراءات ولا يعدو الأمر عن الضجيج والإزعاج.

قال تعالى: (وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون)- الأعراف 204.

فمن ينصت؟ ولأي قارىء نستمع؟ وهل يُرحم أحد؟

والأدهى أن بعض الأجهزة أو بعض الكاسيتات تكون مشوشة، وعندها عليك أيها المريض! أيها الطفل! أيها العامل الذي ينام مرهقاً! أيها الأرِق بسبب همومك! عليكم جميعاً أن تسمعوا لكل منهم معًا وتنصتوا، وعندها لن تفهموا ذِكرًا فما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه.

ما أحرانا بالرفق كله كما أوصانا رسولنا الكريم، وسأسوق سلوكاً للرسول رواه البخاري ومسلم، وهو أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يسمع بكاء الصبي وهو يصلي فيخفف الصلاة. وعلى ضوء هذا السلوك نستذكر قوله تعالى:

(لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة)- الأحزاب 33.

ملاحظة في هذا الباب: ساقني القدر للصلاة في مسجد في النقب، وقد أذن المؤذن بدون ميكرفون، ويا الله ما أشجى وأندى صوته، وما أجمل الأذان بدون ميكرفون!!! فجربوا يا من تقيمون الصلاة كيف يتصادى الصوت في المسجد ويكون كما كان في عز الإسلام؟
ثم، فإن الناس اليوم كلهم لديهم خلويات، وفيها ساعات، وفيها تطبيق الأذان، فلا تخشوا عليهم ألآ يعرفوا وألا يسمعوا!

وإذا كنا ننكر إزعاج بعض الأصوات وهو في مجال مقدس، فكم بالحري أن نرفض الذين يقدمون لنا أصوات عبد الحليم حافظ وهيفاء وهبه وووو وجبات غير شهية ونحن مقبلون على النوم.
فمن قال أنه يجب أن نسهر مع أصحاب العرس حتى ختام السهرة وحتى (عريس الزين يتهنَا)؟!

ومن قال إن هذا الذي يبغي شراء الألومونيوم والخردة يجب أن يقلق راحتنا وقت القيلولة؟

ومن قال إن هذي المدرسة أو تلك يجب أن يشاركهم كل أبناء الحي في سماع التمرين الأول والتمرين الثاني في تمارين الصباح وحتى النهاية، وأن يسمعوا التعليمات الصادرة من المدير المحترم؟

أما إطلاق النار، أو الألعاب النارية فحدث عنه ولا حرج، فبالإضافة إلى الأخطار المحدقة بنا جميعاً والتي لا تزال آثارها الإجرامية بادية، فإن لعلعة الرصاص أو الألعاب وزغاريدها الجهنمية يقض المضاجع، يجفل الصغار، ويستبد الألم بالمرضى، ولا يقدر الطالب على استيعاب المواد، ويؤذي الشيخ، وكل ذلك لا يهم الجلود التمساحية لأنهم يقيمون الدنيا ويقعدونها، ففلان بن فلان يتزوج، فميدي أيتها الأرض وارقصي أيتها السماء، وتحملوا أيها العباد!

هدئوا الميكروفونات – أيها السادة – وثقوا أن هناك من هم في حاجة قصوى للراحة، وارحموا من في الأرض، يرحمكم من في السماء.