فيلم النسيان (اوبليفيون-٢٠١٣) لغز فضائي يفك رموزه بالتدريج!

، بقلم مهند النابلسي

هليوكوبترات (مروحيات) قديمة مستحدثة، أنماط مشابهة لطائرات الدرون، «مركبة فقاعات» مستأجرة من وكالة الناسا، مشاهد ساحرة مصورة في أيسلندا حيث ضؤ النهار يستغرق وقتا طويلا، منا ظر خلابة لبراكين خامدة، وحدة قاتلة "سيريالية" لرائدي فضاء ينجزان مهمة أخيرة حاسمة فوق «منزل» فضائي معلق خرافي التصميم، تداعيات ذكريات قديمة ...بقايا دمار عالمي كبير، مسوخ ونابشي قبور مرعبين ...هذه هي مكونات الفيلم الجديد للمخرج الشاب جوزيف كوسينسكي الذي يقدم هنا ملحمة فضائية تجمع بين الشاعرية والخيال العلمي ومصير كارثي متوقع لعالمنا الأرضي، ولكنه بالرغم من تأثره الواضح باوديسا الفضاء لكوبريك ومحاولة استحداث مشاهد مماثلة واكثر ابتكارا الا انه لا يرقى لرؤية كوبريك بتحفته السينمائية الخالدة ...

يلمع الممثل توم كروس بفيلم النسيان، ويبدو كاكاوبوي "متوحد" مستقبلي خيالي يمتطي طائرات الدرون المستحدثة بدلا من الخيل في سهول وهضاب الويسترن، حيث يستبدله هنا ببقايا عالم مدمر ومقفر وسيريالي عجيب، وتتحدث القصة عن مستقبل افتراضي كارثي لكوكب الأرض الذي دمر بطريقة مرعبة ، وحيث يسعى ميكانيكي فضاء شجاع ليقوم باصلاح طائرات الدرون المعطوبة واستخلاص بقايا بعض الموارد الأرضية الهامة ومواجهة مسوخ فضائية عدائية من التعرض للمحطات الأرضية المتبقية .

في العام 2077 يقوم جاك هاربر (كروز) الذي يعمل كمصلح أمني للمركبات والطائرات باجواء كوكب الأرض المهجور ، ويستخلص مكونات حيوية بعد عصور من الحرب الماحقة مع كائنات فضائية متوحشة تقتات على المخلفات ، ويسعى ورفيقته الوحيدة لانهاء مهمة اخيرة حاسمة على متن مستعمرة وحيدة تشرف فضائيا على كوكب الأرض المنكوب ، والذي دمر بفعل الحروب والاشعاعات النووية القاتلة ، وحيث يتلقيان أوامر من مركز قيادة مسيطر ليطمئن على انجازهما الكامل للمهمات ، وتنهي المتحدثة (رئيستهما سالي التي تراقبهما من مركبة فضائية دوراة ) دوما كلامها بالتأكيد الممل على أهمية مواءمة عمل الفريق ، ربما بغرض انجاح مهمتهما المشتركة حيث تم تعطيل ذاكرتهما بقصد ! الفيلم يتحدث عن مهاجمة الفضائيين العدوانيين لكوكب الأرض وتدميره نوويا ، مما اضطر باقي السكان للرحيل لكوكب جديد (اسمه تيتان) ، مع انتشار الفساد والفوضى وقيام نابشي قبور فضائيين بالعبث والتخريب ، ولكن ذلك لم يمنع بعض المتمردين الشجعان (بقيادة مورغان فريمان الذي قدم دورا لافتا) من الحلم باستعادة كوكب الأرض ثانية وتجاوز المخاطر البيولوجية والمعيشية وخوض حروب طاحنة ميئوس منها بين عدة فرقاء ...

ويبقى جاك هاربر في هذا الأثناء يتجول في الأنحاء من ارتفاعات شاهقة مراقبا الأرض والأجهزة المتبقية ، كما يقوم بدوريات حسب تعليمات رفيقته بمركز التحكم لاصلاح الطائرات ذاتية الحركة ، ونتوقف عند مشهد مفصلي عندما يشاهد طائرة محطمة وبداخلها نعش جميلة غريبة (رائدة فضاء روسية) ، حيث يسعى لانقاذها بالرغم من المخاطر المحدقة ، ويحضرها لمقر اقامته لتقيم مع رفيقته وحبيبته الوحيدة (فيكا) مما يطلق غيرتها واستهجانها ، كما يثير تساؤلات وجودية اساسية ، حيث يكتشف حقائق صادمة مروعة تربطه بماضيه على كوكب الأرض قبل ستين عاما ، ويتبين أن تلك الجميلة ربما قد تكون هي نفسها زوجته التي فقدها والتي تغزو اخلامه بانتظام منذ عقود ، حيث نلاحظ بلقطات استعادة مكررة مقابلته لها قبل الغزو في مقهى غامض بنيويورك ( تصور هذه المشاهد باللون الرمادي بقصد ) ! ...تتصاعد الأحداث دافعة جاك لبطولة لم يكن يسعى لها حيث مصير الانسانية المتبقي يعتمد على جراته ومبادرته وشجاعته ، بعد ان كان يعتقد ان عالمه المعهود قد فقد للأبد .

يقوم توم كروس هنا بواحد من أفضل أعماله السينمائية مستغلا امكانات الاخراج الباذخة والتصوير البصري المذهل ، ويبدو لي أن المخرج قد نجح بفك بعض الألغاز ولكنه تورط بسيناريو بالغ التعقيد ودخل بمتاهات جديدة لم يستطع الخروج منها ربما لتسرعه وعدم نضوج الموضوع ولافتقاده للرؤيا الضرورية لاقتحام مثل هذه القصص الطموحة والتي تتحدث عن مستقبل البشرية ضمن هذا القرن وفي العقود القادمة ، ولكنه نجح بالحق باظهار العناد البشري والرغبة بالبقاء والانجاز في أجواء بيئة تكنولوجية متقدمة وبمواجهة تحديات مصيرية كاسحة ، كما انه لم ينسى التركيز على عناصر فريدة من "الرومانسية الشاعرية" ضمن المكونات التقنية للخيال العلمي !