نحو إعلام علمي عربي

، بقلم صالح الشاعر

الإعلام عمل معلوماتي بالدرجة الأولى، والمعلومات مصطلح ذو مفهوم عام، يشمل الأخبار والمقالات وسواها من صنوف الكتابة، وإذا كان ميثاق الشرف الإعلامي يهدف إلى ضمان الصدق والموضوعية والشفافية والدقة، فالكتابة عن العلوم من أكثر أنواع الكتابات لصوقا بهذه المفاهيم، بل إن الموضوعية والدقة هي أساس البحث العلمي وما يتصل به من كتابات.

وفي حين يزداد التوجه العالمي نحو الإعلام العلمي، تشغلنا على مدار العام أخبار منتخب رياضي فاشل وبطولات مفقودة وزائفة، ومن المضحك المبكي أن نعلم بوجود عشرات المجلات والصحف الرياضية في مصر وحدها(1)، وإصدار الجديد منها كل حين، إضافة إلى الأبواب والصفحات الرياضية المتخصصة في كل الصحف بلا استثناء، وعشرات القنوات الفضائية والمواقع الإلكترونية، والعشرات من صحف الفن ومجلاته وأبوابه وصفحاته وقنواته ومواقعه، ثم نسمع عن إغلاق القسم العلمي في صحيفة كبرى، وهذا تعريف جديد للنكسة، ينبغي أن يضاف إلى باب (ن ك س) في المعاجم العربية!

يزداد يقيني يوما بعد يوم أننا نسير باتجاه الهاوية لو استمر هذا الإهمال على ما هو عليه، فعوامل التجريف والتشويه في اللغة والتاريخ والدين يدعمها إهمال متعمد في البحث العلمي وما يتصل به من الثقافة العلمية والإعلام العلمي، وبذلك نفقد التراث التليد ولا نتلقى الحديث الجديد، فأي اتجاه حضاري نسير إليه؟ وكم حجم خسائرنا في هذا المضمار؟

ولعل مما يعوض بعض تلك الخسائر، ذلك العدد الكبير من المواقع الإلكترونية والصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، التي تقوم على مجهودات فردية من قِبل هواة ومتخصصين، أساتذة وطلاب، فتقدم الجديد في عالم العلوم، وتترجم وتحلل وتختصر وتبسط كثيرا من الموضوعات العلمية المهمة، ومن تلك الصفحات صفحة (مقهى العلوم)، التي يديرها د. طارق قابيل، مع صفحة أخرى باسمه، تحدث يوميا، وتقدم أحدث الأخبار والتحليلات العلمية، وإذا كان هذا مجهود فرد، فليس عجيبا أن تكون صفحة (ناسا بالعربي) قائمة على مجهود ثلاثة، اثنان منهم طلاب في كلية الهندسة!

وعلى مدار خمسة الأعوام الماضية برزت بعض الدوريات العلمية العالمية باللغة العربية، وأسهمت في زيادة المحتوى العربي على الإنترنت وإثرائه كمًّا ونوعًا، وذلك شيء يدعو للتفاؤل، ورغم ذلك تبقى هذه الدوريات –معظم الأحيان- صدى للدوريات الأصلية، تظهر موضوعاتها باللغة العربية بعد صدورها باللغة الإنجليزية بمدة تطول أو تقصر حسب حجم المؤسسة المصدرة وقدراتها، وهذه خطوة لا يوقف عندها، بل ينبغي أن تكون بداية للخطوة التي تليها.

وما أعنيه هنا هو الاتجاه إلى توسعة قاعدة الصحافة العلمية، ومد جسور التواصل بين الصحفيين والعلماء، وأن تعتاد أرجلهم ارتياد المراكز البحثية والمعامل والجامعات، كما اعتادت ارتياد المسارح والملاعب والاستديوهات!

"إن التجارب الطيبة بين الصحفيين والعلماء تعتمد على علاقات جيدة، مع فهم واضح للأدوار... فالصحفيون يرغبون في أداء عملهم على الوجه الأكمل، ولا يمكنهم القيام بذلك دون عون العلماء؛ أهل الخبرة والمعرفة"(2).

وإذا خرج الإعلام العلمي العربي من مرحلة الترجمة الحالية بمآزقها ومزلاتها؛ "التي يواجهها الصحفيون العلميون في ترجمة الأخبار العلمية من اللغة الإنجليزية الى العربية؛ إذ ليس لديهم خلفية علمية تجعلهم يختارون المرادفات الصحيحة للكلمات العلمية"(3)، فهم في مواجهة مشكلة أخرى، تتمثل في احتياج الصحافة العلمية إلى نمط خاص من اللغة، ففي حين تحتمل بعض أنواع الكتابة الصحفية استعمال المجاز والمحسنات، نجد الصحافة العلمية أحوج إلى لغة علمية، واضحة منطقية، مغايرة للغة الأدب والفن، لا تلقي بالا لما تعكسه الكلمات من ظلال، بل تبوح بمكنونها ظاهرا من الوهلة الأولى.

وفي سياق لغة الإعلام العلمي لا مجال للآراء والانطباعات والتجارب الذاتية التي تنوء بها الكتابة الأدبية، بل سرد الحقائق بوضوح هو المنهج السليم، وصوغ المفاهيم العلمية بلغة دقيقة وبسيطة في آن، بعيدا عن الغموض الذي يحجب الفائدة، والتبسيط الذي ينحرف بالمعلومة عن سياقها، وهذا شيء يجب أن يتنبه إليه مَن أراد من الصحفيين خوض غمار الكتابة في الموضوعات العلمية، فهو حينها يتحول إلى وسيط بين العلماء والجمهور، وتلك مهمة ليست سهلة، ومسؤولية غاية في الأهمية.

وربما يفيد أن نلفت الانتباه إلى أنه من الصعب أن نضع طريقا للإعلام العلمي في غياب دور كليات الإعلام؛ التي ليس فيها تخصص للإعلام العلمي، ولا مدخل إليه، وهو قصور منهجي واضح يجب تلافيه، بافتتاح قسم للإعلام العلمي، أو تضمين الخطط الدراسية مقررا لأصول الصحافة العلمية، أو –على أضعف الإيمان- تنظيم دورات لطلاب الإعلام في هذا المجال، فلن نصل إلى شيء إذا كان طالب الإعلام يدرس "تاريخ الطباعة" باعتباره ضرورة لفهم العمل الصحفي!

ولعلي تحدثت كثيرا عن الصحافة، ولست بمعزل عن دور الفضائيات والمواقع الإلكترونية، ولكن لأن الإعلام يبدأ بالصحافة وينتهي بها، وهي "أم الإعلام وأساس الخبر"، وفي البدء بها توفير لكثير مما تبني عليه -فيما بعد- الفضائيات والمواقع.

وعلينا أن نتذكر أن تطوير إعلام علمي عربي، يحقق "نشر المعرفة، والتأثير في الاتجاهات والسلوك"(4)، هو خطوة تالية لإصلاح البيئات البحثية العربية، وأن "السياسات الداعمة للعلوم والتكنولوجيا هي الخطوة الأكثر أهمية التي يمكن للدول العربية اتخاذها لدعم بيئاتها البحثية"(5)، ومن قبل ذلك وبعده، إصلاح التعليم؛ لبناء إنسان عربي جديد، يمضي إلى المستقبل متسلحا بالعلم والمعرفة.

***
الهوامش:

(1) ويكيبيديا، قائمة صحف ومجلات مصر.
(2) ماذا يريد الصحفيون من العلماء؟ ولماذا؟ بقلم إستير ناكازي، SciDev.Net
(3) المؤتمر الدولي للإعلاميين العلميين.. خطوة للأمام، بقلم هبة غنيم، OnIslam.Net
(4) الإعلام العلمي...حضور عالمي وغياب عربي، بقلم د.عبدالله بدران، مجلة الكويت، العدد359، 30 سبتمبر 2013.
(5) تبشير للعلم بمستقبل أفضل بعد الربيع العربي، بقلم بثينة أسامة، SciDev.Net
***