المحاكمة «٣»

، بقلم محيي الدين غريب

حقا لقد مر وقت طويل منذ لقائى مع مسيو جاك.

ونحن على مشارف العقد الثامن من العمر يصبح المرض هو العائق الوحيد الذى يحول دون أن نتقابل كلما شئنا كما كنا نفعل من قبل.

مسيو جاك قام مؤخرا بإجراء عملية ضرورية فى الظهر، وأيضا أنا أجريت عملية بسيطة فى القلب، ولكننا كنا على تواصل مستمر من خلال هواتفنا.

بعد أن تعافينا أتفقنا أن نتقابل فى عطلة الأسبوع القادم فى منزلى الصيفى فى الجنوب، وكانت فرصة لكى نصطحب أحفادنا معنا لقضاء بعض الوقت والتمتع بطبيعة هذا المكان الجميل.
وبعد أن طمئن كل منا الآخر على أحواله الاجتماعية والصحية بادرته ما إذا كان يتذكر الموضوع الذى توقفنا عنده فى المقابلة الأخيرة لكى نناقشه فى هذه المقابلة، وما إذا كان يستحسن الاستمرار فيه.؟

قال مسيو جاك: بالطيع أتذكر، أتظن أن عملية بسيطة فى الظهر يمكن أن تؤثر على ذاكرتى، قال ذلك وهو غارق فى الضحك، لقد توقفنا ياعزيزى عما إذا كانت عاطفة الرحمة عند الإنسان ترتبط بالعدالة الإلهية والمساواة وإلى أى مدى؟.

قلت: تماما ولكن أرجو ألا نبتعد كثيرا عن أصل موضوع المناقشة، ألا وهو المحاكمة!

قال: لا أؤكد لك أن المحاكمة لا تزال قائمة. لكنى أتشكك فى مدى أرتباط عاطفة الرحمة عند الإنسان بالعدالة. يقول أبراهام لينكولن: (إن الرحمة تعطي ثماراً أغنى وأفضل بكثير من العدالة الصارمة).

قلت: ألا نتفق على أن الرحمة هي صفة أساسية من صفات الله النابعة من محبته الأبدية للبشرية عبر عنها فى الكتب السماوية.

قال مسيو جاك: لا ليس كذلك على الأطلاق، فوفق منظمومة الأديان وقصصها فإن الإله طرد الإنسان من الجنة بدون رحمة، ثم أنزله إلى الأرض ليقتتل من أجل البقاء وأن يأكل جميع الحيوانات حية كانت أم ميتة، بل أضطر أن يأكل لحم أخيه الإنسان بدزن رحمة وأن يتزوج من الأخوة والأخوات والأبناء. فأين كانت رحمة الإله ولماذا لم تنزل الأديان وترسل الرسل حينذاك.
قلت: كان لابد أن يرى الإنسان كل هذا حتى يعى ويتعلم الخير والشر والخطأ والصواب....
قال: أعذرنى على المقاطعة، من أين وكيف يتعلم، لقد تتفتحت عين الإنسان منذ الخليقة على قسوة وعدم رحمة كل شيء حوله، فالطبيعة بعواصفها وبراكينها وجليدها وفيضاناتها وشمسها الحارقة وبردها القارس والشهب والنيازك، حتى الحيوانات تتصارع على البقاء، تقتل وتتقاتل بقسوة وبدون رحمة وتهدد الإنسان ليلا ونهارا. حتى النباتات تتصارع على البقاء وتتفنن فى القضاء على النباتات الأخرى.

والإنسان بين كل هذا يهلك ويتضور جوعا وعليه أن يقسو ويتصارع من أجل البقاء. فأين الإله الرحيم وأين مظاهر هذه الرحمة حتى يتعلم منها الإنسان.

قلت: ولكن حتى تتوازن الطبيعة لابد من التقلبات المناخية بعواصفها وبراكينها وجليدها وفيضاناتها.

والصراع ضرورى ليصبح البقاء للأصلح.

قال: إن الإله القادر الرحيم لابد أنه قادر على أن تتكييف الطبيعة وتتوازن دون كل هذه التقلبات من أجل مخلوقاته مثل الانسان والحيوان، فلماذا الصراع، ولماذا لايخفف الإله على الإنسان قسوة الحياة هذه وينعم عليه برحمته حتى ينعم بحياته ويتفرغ لمزيد من الإجتهاد من أجل سعادة ومستقبل أفضل له وللإنسانية. اليس هو قادرا على ذلك؟. اليس غاية الخالق هو أسعاد مخلوقاته بمفهومنا نحن؟.

قلت: ولكن الإله أراد ذلك ليخرج منظوبة بيئية متكاملة فى دورة أيكولوجية تحافظ على بقاء الإنسان والحيوان، وربما هى أفضل الوسائل لأستمرار الحياة أن تكون بعض الأحياء سببا لبقاء أحياء أخرى وهكذا.

رد مسيو جاك: لا أرى ذلك، الدورة الأيكولوجية قضت على الكثير من الحيوانات والنباتات فى العصور الأولى، ولولا تدخل الإنسان فى هذه الدورة فى العصور الحديثة لهلكت وانقرضت الكثير من الحيوانات والنباتات.

واستطرد قائلا: إن الإله القادر الرحيم لابد أنه قادر على خلق دورة أيكولوجية مختلفة لايضطر فيها استعراض القوة بهذه القسوة عندما يقسم الحياة إلى مفترس وفرائس، عندما يأكل ويسطو الأقوى على الأضعف. فإما أن الإله غير قادر أو أنه غير رحيم.

لقد أضطر الإنسان أن يمر بكل هذه المعاناة من أجل البقاء وهو الذى علم نفسه الرحمة والعدل وهو الذى وضع القوانين الإنسانية للرفق بالحيوانات وأنقاذها من الهلاك لتبقى على مر العصور لتستفيد منها البشرية. أنظر إلى كم الفيروسات التى بالطبع خلقها الإله الرحيم وكيف هى فى محاولات دائمة للقضاء على الإنسان والحيوان والنبات.

لقد أكتشفوا مؤخرا واحدة من الحشرات تضع بيضها داخل حشرة أخرى وتعيش يرقاتها ببطئ على أحشاء الحشرة المستضيفة لتلتهمها فى النهاية وهي حية، نموذج بين العديد من النماذج لأستعراض منتهى القسوة، فلماذا، وما الذى يمكن أن يتعلمه الإنسان إلا الوحشية والقسوة.

لماذا الإله القادر خلق الجينات العدائية والقسوة والشرور فى الإنسان والحيوان، هل يصدق أن فقط واحدة من الف بيضة لنوع من السحلفاء تنجو من الأفتراس من الحيونات الأخرى مما يسبب الأنقراض لهذا النوع، هل يصدق أن أحد الطيور فى المكسيك مغطى ريشه بمادة سامة كافية لقتل مائة من الفئران، فهو فى دفاعه عن نفسه يقتل آخرين.

قلت: أنت تعلم أن حيوان مثل الفيل يساعد فى دورة بيئية خارقة، حيث يخرج للطبيعة بعد هضمة لما يأكله من فاكهة ونباتات بذورا تنبت فى الأرض من جديد.

قال: هذا صحيح ولكنه بجانب ذلك فهو يدمر الكثير من الغابات ويأكل معظم الفاكهة حتى قبل أن تنضج فيحرم منها الآخرين.

قلت متسائلا: لابد أن رحمة وعدل الإله موجودتان و لكن ليس بفكر إنساني، وقد يكونا مختلفين جذرياً عن المفهوم الإنساني للرحمة وللعدالة. ولابد أن الإله أراد لحكمة ما أن يفعم الحياة ببعض القسوة والظلم حتى لا يظفر منها الإنسان بأى خير إلا بالسعى الحقيقى والجهد كنبراس للعيش فى هذه الحياة.

قال: ولماذا يريد الخالق القادر القوى للإنسان كل هذه المصاعب والتعاسة، إن الإله القادر على كل شيئ لابد أن يكون معقولا بعقولنا التى هى من صنعه وبمفهومنا الكونى، فنحن لا نستطيع أن نفهم أي شيء عنه إلا من خلال كون جودنا. وكان يمكن أن يعطينا الأمثلة لنتعلم منها بدلا من هذه المعاناة والأرتباك لندخر التفكير لما هو أفيد للبشرية وللأرض.

وهنا يمكن أن اتفق معك أن رحمة وعدل الإله موجودتان ولكن ليس بفكر انساني، لأننا نرتبك ولانستطيع فهم أن يبتلى الله الأرض بعصر جليدى أو بطوفان يقضى على معظم الحياة. وكأن الإله يتعمد أن يبتلى الإنسان حتى يجئ إليه مرغما طالبا رحمته..!!

قلت: ولذلك جاءت الأديان والأنبياء رحمة وشفاعة وخلاصا وعفوا للجنس البشرى ولتوضيح كل هذه الغموض.

قال: فى رأيى إن الاديان جاءت لتحرج الإله الرحيم، فالإله الرحيم القادر على كل شيئ إذا كان له أن يرتضى كل هذه الشرور والعذاب، فإما أنه محدود القدرة والإرادة أو أنه منصرف العناية إلى أمور أخرى غير الإنسان. فهو لايحرك ساكنآ أبدا وذو سلبية مطلقة، وهو لايبالي بأي شئ تجاه خلقه، ومع ذلك يلتمس له من يؤمن به أعذارا كثيرة لاتنتهي غير مقنعة وغيرمقبولة على الرغم من الشواهد الكثيرة على تخليه عن خلقه وهم في أشد حاجة إليه حتى يقضوا حتفهم ولم يمد لهم أي عون على الاطلاق. ومع ذلك يبرر الإنسان بأن لابد أن الإله له حكمة فى ذلك.

ومرة أخرى يتوسط الأنبياء لحسابهم الخاص عندما يزعموا أن الرحمة والعدالة مصدرها الإله وأنهم جاءوا خلاصا للبشر، ما الذى فعله الإنسان من شرور فى هذه الحياة وهو مسيرا حتى فى خياره، فهو لم يسأل أن يأتى إلى هذه الحياة، وكما يقول الفيلسوف الدانماركي سورن كيركاجورد: " من أنا وكيف جئت هنا؟ وما هذا الشئ الذى يسمونه الكون؟ وكيف وجدت فيه؟ لماذا لم أسأل ولماذا لم أؤهل لأفهم طبائعه واتطبع بها؟ لقد قذفت فى جوف الوجود وكأنما اشتريت من محتال ملعون !!"

فإذا كان لهم أى الأنبياء - لأنهم وسطاء للإله وأنبياء له - أن يفهموا حكمته ومقاصده، فلماذا لم يفهموا الإنسان هذه الحكمة وتلك المقاصد. كل ما أستطاعوه هو إبلاغ الإنسان أن يؤمن بالغيب وأن الإله لايقبل أى نقد لنقائص الحياة، ولايقبل الشك، وأن هناك أمورا لا يعلمها إلا الإله ولا يجب التفكير فيها.

قلت: ومع ذلك فالرحمة صفة أساسية من صفات الإله، فمثلا فى بعض الاديان فإن الرحـمة الإلهية هـى قلب الكتاب الـمقدس وأن الله أظهـر عِظمة مـحبـتـه ورحـمته فـى تجسده وموتـه على الصليب وقيامتـه ليعـطى الحيـاة الأبديـة، وفى أديان أخرى فإن الرحمة الإلهية تعطي المغفرة للإنسان الخاطئ وترحمه من عذاب الآخرة.

قال: كل هذه الصفات ليست لها نصيب من المنطق والصحة، فرضت على الإنسان وهو يرددها دون تفكير خوفا من غضب الإله. فالتوراة والزبور والإنجيل والقرآن وسائر الكتب الإلهية كلها جاءت بطريقة أو أخرى لتخلص البشر من معصية آدم التى كتب له أن يرتكبها ولاذنب له فيها (بافتراض صحة هذه القصص والحواديت)، وجاءت بهذا الكم المتناقض من الموعظة والمغفرة والرحمة والشفقة والوعيد والتخويف والتهديد والترهيب، وتوالى توسط الأنبياء وسيطرتهم على البشر بطرق مختلفة، بدءا من تفاصيل حياتهم اليومية وحتى قرار موتهم بوعود الجنة فداءا للإله.

الله الخالق، الذي يقول للشيء كن فيكون، يصور نفسه فاقدا قدرته ومغلولة يده، وعاجز على الدفاع عن نفسه، لذا يدعو الناس للقتال وحتى الموت في سبيله كي يمنحهم حبه.

أن معظم الحروب فى العصور القديمة والوسطى كانت حروب دينية طاحنة فى سبيل الآلهه يتجلى فيها تفوق آلهة بعض الشعوب على آلهة البعض الاخر، وكأنها حروب خاصة بالآلهة نفسها لبيان تفوقها.

أما إذا كان هناك إله واحد فتصبح المسألة أكثر غموضا.

ولا يزال ونحن فى القرن 21 والعالم مهددا بحروب دينية وطائفية قد تودى بالبشرية جميعها فى سبيل الإله.

أين رحمة القادر الرحيم عندما يعاقب الإنسان فى شيخوخته بالمرض والعجز وفقدان الحواس، بدلا من أن يكافئه بشيخوخه مريحة جزاءا لأنه كافح وعمل وشقى من أجل بقائه وبقاء أسرته.
قلت: ولكن حكمة الإله أن يساعد الإنسان على قبول الموت تدريجيا من أجل مكان للأجيال القادم.

قال: لا ليس بهذه القسوة، ولو كانت الرحمة الإلهية رحيمة بمفهوم الإنسان لكانت سببا جيدا ووجيها ومقنعا للإيمان. ولكن للأسف لم تظهر حتى الآن أيّة إشارة أو علامة على وجود إله رحيم وعادل يعتني بهذا العالم ويضمن العدل فيه.

أنظر كيف أن الطبيعة التى يتحكم بها الإله لم تعدل بين البشر، فليس هناك تكافؤ طبيعى بينهم فى القوة أو فى الغنى أو فى الذكاء، ومع ذلك فإن الأديان تدعو إلى قبول كل ماهو كائن على علاته، لولا أن جاءت القوانين المدنية الرحيمة التى صنعها الانسان لتعوض هذا الأختلال فى التوازن ولتساعد الضعيف والفقير والاقل ذكاء وهكذا.

وأخذ مسيو جاك يتمتم، لالا أنا لا أفهم، وأسترخى فى كرسيه وكان يبدو عليه وأيضا أنا التعب والنعاس بعد يوم طويل تمتعنا فيه بالتنزه وباللعب مع الأحفاد والنقاش. وأتفقنا أن نكرر هذه الرحلة فى القريب العاجل، وأن تكون المناقشة القادمة حول عنصرية الآلهة.