الشاعر نزيه حسّون

مشتعل في لحظة عشق

، بقلم جميل السلحوت

نزيه حسّون شاعرر فلسطيني من مدينة شفاعمرو في الجليل، صدرت له حتى الآن تسعة دواوين شعرية هي:

- ميلاد في رحم المأساة ...عام 1983.

- أبحث عن جسد يلد النصر....عام 1985.

- سمفونية الحزن المسافر....عام 2005.

- مزامير من سورة العشق...عام 2006.

- تأخذ القصيدة ملامحك...عام 2007.

- أبحث عن وطني في وطني...عام 2008.

- عشق على سفر.....2009.

- ما تيسّر من عشق ووطن...عام 2011.

- لحظة عشق تشعلني....عام 2013.

والديوان الأخير"لحظة عشق تشعلني" هو الذي يشعلنا هذه الأيام في ندوة اليوم السابع المقدسية، حيث ستناقشه الندوة بحضور شاعرنا الجميل مبدع هذا الديوان، وقد سبق وأن ناقشنا ديوانه السابق" ما تيسّر من عشق ووطن".

والمتابع لقصائد شاعرنا نزيه حسّون لن يحتاج الى كثير من الذكاء ليرى مدى التزام الشاعر بقضايا وطنه وشعبه وأمّته العربية. بل إنّه ملتحم بهذه القضايا، وكأنّي به شاعر القبيلة في عصور جاهلية ما قبل الاسلام، لكن قبيلة شاعرنا المعاصر هي الشعب والأمّة، ووطنه يكبر من فلسطين ليمتدّ الى الوطن العربي الكبير من المحيط الذي كان هادرا، الى الخليج الذي ما عاد ثائرا. فهو ابن فلسطين الذبيحة يعيش معاناتها ومعاناة شعبها الذي هو شعبه، وهو ابن الوطن العربي الكبير أيضا، ويعيش معاناة هذا الوطن الذي أصبح نهبا للطامعين، ومعاناة أمّته التي مزقتها النزاعات الداخلية والاقليمية.

ولعلّ في هذه التوطئة إجابة على عنوان ديوانه الجديد" لحظة عشق تشعلني" فأيّ عشق يشعل الشاعر؟ والقارئ للديوان سيجد أن الشاعر مشتعل بعشقة لوطنه فلسطين، ولشعبه الفلسطينيّ، ولوطنه العربي الكبير ولأمّته العربية، وهو يعشق المرأة أيضا، وكأنّي به يقول من لا يعشق المرأة لا يعشق الوطن. لذا فهو يقول:

لحظة عشق في شرعي
أثمن من كلّ الأزمان
وامرأة تدخل محراب الرّوح وتُشعلني
أجعلها أجمل أنثى في الدّنيا"ص21
وهو انسان حزين لما يجري في العالم من قتل ودمار فيقول:
"لكنّ الحزن يدغدغني
يا ربّ كيف تحوّل هذا الكون الباهي
من كونٍ من صنع الله الى كونٍ
يحكمه البهتان؟"ص21

والشاعر حزين وقلق جرّاء الحرب القذرة الدائرة في سوريا منذ أكثر من عامين ونصف، وقد عبّر عن ذلك في قصيدته"قلبي على الشّام" ص63. وفيها يعبر عن حبّه اللامتناهي للشّام وأهلها فيقول:

"يبرعم قلبي لوزة عشق
لا تزهر إلّا في الشّام" ص36.
ويقول أيضا:"من لا يحبّ الشّام ما عرف الهوى
فالشّام وشّحها الله بسحره
فغدت تميس بحسنها
كصبيّة في عامها السادس عشر"ص69

وهو لا يرى في الدنيا جميعها مدينة أجمل من الشّام مع أنّه لم يطأ أرضها بقدميه، لكنه يعرف تاريخها وحضارتها ومكانتها فرآها بروحه فيقول:

"روحي طافت مدن الدّنيا
لم تفتن إلّا بالشّام وعينيها
فافترشت خُضر حدائقها وجدا وعناقا وهيام"ص64.

لذا فهو يتساءل مستنكرا عمّا يجري في الشّام من مذابح ودمار فيقول:
"فلماذا ينتحر النرجس يا بردى
ولماذا توأد في قمّة نشوتها خضر الأحلام"ص65.

وهو لا يستوعب بل لا يريد أن تُدمّر سوريا وأن يُقتل شعبها، فيتساءل مستنكرا مرّة أخرى وهو يرى نفسه جزءا من الشّام وأهلها:

"هل عبث سرياليّ بات يُفتّتنا أم حُلْمٌ يسري
والنّاس نيام"ص65
وشاعرنا عاجز عن استيعاب ما يجري في سوريا لأنه لا يريده فيقول:
"كلّ الكلمات
لا تسعفني
فالدّم القاني يخرسني"ص66.

وشاعرنا خائف أنّ الدّم المراق في سوريا، والدّمار اللاحق بها يوميّا قد يؤدي الى تقسيمها، وهو مستعد أن يحمي وحدة سوريا بدمه فيقول:

يا أهل الشّام هذا جسدي
فليتمزّق إربا إربا
هذا رأسي فليقطع رأسي
لكن إيّاكم أن يقطع رأس الشام."ص66.

ونزيه حسّون الشّاعر يرى الشّام أكبر من الشعر ومن الشعراء فيقول ساخطا:

"يا ناس أغيثوني
كيف يعيش الشّاعر
في زمن تموت فيه الشّام؟"ص67

وهو يرى الشام عذراء حسناء تستباح من القتلة فيصيح متسائلا:

"كيف يعانقها شوقا
والشّام تباح ظفائرها
تتساقط فيها القتلى تباعا
تابوت يتبع تابوتا"ص68.

وهو يتمنى على المتحاربين في سوريا - خصوصا أولئك الذين ضلّوا طريق الجهاد فأشعلوها حربا ضروسا في سوريا- وقف هذه الحرب الدموية فيقول:

"أقسم بالله ثلاثا
ما يحدث في الشام حرام"ص67.

ويعرّج شاعرنا من دمشق"الشّام"الى حلب الشهباء، ويستذكر حروب سيف الدولة الحمداني الذي اتخذ حلب عاصمة له ضدّ الرّوم، ويستذكر مدائح المتنبي له، ويصعب عليه أن يرى حلب مدمرة وأهلها يقتلون فيصيح من قحف الرأس:

"قلبي على شام العرب
قلبي عليك يا حلب
من بعد هذا الخَطْب
ما تجدي الخُطب"ص73.

والشاعر يبكي حزينا أشقاءنا السوريين الذين يموتون في هذه الحرب التي لا ناقة لهم فيها ولا جمل فيخاطب حلب:

"زين الشباب
يموت يا شهباء جهرا
دون جرم أو سبب"ص73.

وشاعرنا غاضب على الدول العربية التي بدلا من ايقاف هذه الحرب، يقوم بعضها بتغذيتها، فيخاطب سيف الدولة الحمداني قائلا:

"يا سيف دولتنا
وأمّتنا...تمزقنا..تشتتنا...وتحرقنا
كأكوام الحطب"ص73.

وشاعرنا غاضب أيضا على القتلة من كلّ اطراف الصراع، ويراهم كفرة ظالمين فيخاطب حلب قائلا:

"هل عاد يحكم في ثراك أبو لهب
أم يا ترى عاد التّتار
ليحرقوا أرض العرب"ص74.

وهذا ردّ على من يستقوون بالعجم لتدمير سوريا وقتل شعبها.
وشاعرنا نزيه حسّون مسكون بوطنه فلسطين، ولا مكان يستهويه أكثرمن هذا الوطن الذي يراه جنّة السماوات والأرض فيقول مخاطبا فلسطين:

"يا جنّة الأرض يا فردوس كوكبنا
ما عاد غيرك في الأكوان يسبيني
ويقول:"من ليس يعشق في فلسطين تربتها
ما أدرك العشق مذ بدء التكاوين"ص10.

وهو يتغنى بقدسية فلسطين فهي مهد الاسلام والمسيحيّة فيقول:

"أرض القداسة والتاريخ شاهدنا
أنتِ المنارة للدنيا وللدين
صِغتِ الملاحم راياتٍ مشرّعةً
منذ المسيح الى أيّام حطين"ص10.
ويقول:"أين النّبيّ الى مسره يحملني
أين المسيح غداة الموت يحييني"ص14.
وهو يخص الجليل بنجواه فيقول:
"أرض الجليل الى عينيك يحملني
عشق يكاد بنار الشوق يصليني"ص11.

يبقى أن قصائد الديوان تعج بعشق الوطن والانسان، وقراءة سريعة لا تغني مطلقا عن قراءة كلّ قصيدة قراءة متمعنة وفاحصة لما تحمله من لوحات جمالية.


جميل السلحوت

كاتب فلسطيني

من نفس المؤلف