تفاحة حمراء وعلبة شوكولا

، بقلم ليلى براح

جلباب فضفاض ومنديل أسود يخفي الشلال الكستنائي المتدفق في نعومة على كتفيها، لم تكن المرآة تعكس لها ما يثير، امرأة ناضجة، متناسقة الملامح، لكنها عادية جداً ولا يمكنها أن تلفت الانتباه، أحست بالرضا عندما وصلت إلى هذا الاستنتاج، انصرفت عن مرآتها وحملت محفظة النقود الصغيرة، أفرغتها على الطاولة، تساقطت منها بضع قطع نقدية بائسة، حملتها بين أصابعها واستغرقت في التفكير، أيقظها صوت طفلها الذي لم يتجاوز السادسة «ماما أريد تفاحة حمراء كبيرة» حاولت الابتسام وربتت على شعر طفلها الناعم و نظرت إلى ابنتها "وأنت حبيبتي ماذا تريدين؟" أجابتها ابنتها التي تكبر أخاها بسنتين «أنا أريد علبة شوكولا بالبندق»

ابتسمت بيأس وهي تتأمل طفليها، لقد أنفقت كل مدخراتها بعد أن طردت من عملها، الكل يخاف من أرملة جميلة، ربات البيوت يعانين غيرة مزمنة من الخادمات ولهن كل الحق في ذلك، فإن هي سلمت من التعنت المرضي للزوجات الغيورات فلن تسلم من تحرشات الأزواج العابثين، عامين مرا على وفاة حبيبها وسندها، تخلى عنها الأقارب ووجدت نفسها وحيدة وطفليها، تصارع أمواج الحياة العاتية، لا علم ولا صنعة ولا مال، أثقلت كاهلها الديون وقسم ظهرها الزمن، عامين مرا عليها كدهرين، هم وسهر ومسؤولية.

شدت القطع النقدية الباردة في قبضتها و قبلت طفليها و خرجت.

وقفت أمام محل الفواكه، الكل هنا يعرفها، داعب الأمل روحها، فربما تنال عطف أحدهم، تأملت الفواكه اللامعة المتراصة، كان التفاح باهظ الثمن، و ما تملكه من قطع نقدية لا يكفي، وضعت يدها على تفاحة حمراء كبيرة و قالت "بكم هذه التفاحة؟"

أحست بيد البائع تلمس يدها فسحبت يدها بسرعة و رفعت بصرها إليه، أرعبتها نظرته الجائعة التي تفترس تفاصيل جسدها من تحت الجلباب، و اخترقت عبارته اللزجة مسامعها "يرخص لك التفاح يا تفاحة"

حدجته بنظرة نارية و انصرفت عنه، وقفت عند الفاكهاني الثاني الذي كان أجرأ و كلامه تعف نفسها عن ذكره أو تذكره، لم تتحمل نظرته و كلماته، همت بالدفاع عن عفتها لكنه افتعل فضيحة و ألتم الناس حولها يرجمونها بنظرات أقسى من الحجارة، انهالوا عليها سبابا، و ظهر من العدم ألف رجل يتقدمهم الفاكهاني الأول، شهد كل واحد منهم أنها عرضت عليه نفسها و أنها كانت تحب اقتناء ما تريد دون دفع الثمن، ألصقوا بها جهرا ما كانت ترفض ممارسته سرا، رأت كرامتها و كرامة أطفالها تتقلب في الوحل، انسحبت من بين الجمع الغفير الذي أكل من كرامتها حتى شبع، و في غمرة الارتباك أضاعت قروشها اليتيمة، مشت و الدمع الغزير يغرق وجهها، حز في نفسها أن تعود إلى أطفالها خاوية الوفاض، العجز و قلة الحيلة تكاثفا ليجعلاها تتجرع من كأس الهم حتى الثمالة، شل تفكيرها، لا حل البتة، ماذا ستفعل اليوم؟ و ماذا ستفعل غداً؟ و ماذا ستفعل بعد غد؟

أرتج عليها و أحاطها السواد، سواد الليل و سواد القلوب، اخترق عقلها صوت زمارة، التفتت، رجل أصلع في منتصف الخمسينات، يداعب شاربه الغليظ و ينظر إليها نظرة همجية بعثرتها و جعلت الدم يتدفق حارا إلى وجنتيها، همت بإفراغ غضبها المكبوت في وجهه، لكنها ابتلعت لسانها عندما تراءت لها صورة طفليها و هما يتقلبان على سرير الحرمان، تباطأت في سيرها، و السيارة مازالت تسير بمحاذاتها، أتقف؟ أصابها الغثيان و كادت تفرغ معدتها و هي تتخيل جسدها الطاهر و هذا الرجل ينتهكه مقابل بضع قروش، نفضت الفكرة عن رأسها، التفتت له مجددا، نظرته تجردها مما ترتدي، هل هذا مصيرها؟ أليس هناك خيار آخر؟ تنهدت، وقفت تنظر إليه، أخرست صوت ضميرها و صوت عفتها و صوت إيمانها و صعدت سيارته، يداها مرتعشتان في حضنها، عيناها مثبتتان على أصابعها المرتبكة، ابتسامة لزجة اعتلت ملامحه الفظة، لم ينطق بكلمة واحدة، ساق سيارته بصمت ثم توقف في مكان مظلم، بدأت قدمها تتحرك بسرعة في حركة عصبية، ضاق صدرها، هذه آخر دقيقة عفة تعيشها، آخر لحظة احترام للنفس قد تنعم بها، استدار إليها و دون كلمة واحدة غاصت أصابعه السمينة في عفتها تمزقها.

نزلت من سيارته و هي تضم قبضتها على ثلاث ورقات مالية هي ثمن عامين من العفة و الكرامة و الإيمان، ابتسامة مريرة أخذت مكانها في ملامحها و هي تدعو الله عز و جل أن يتغمد برحمته الأرملة الصابرة التي ماتت للتو.

دخلت بيتها و هي تحمل أكياسا تضم بين طياتها أمنيات أطفالها المتواضعة، سمعت صوت ضحكاتهما ترن في البيت، كانا يجلسان مع عمتهما التي لم تزرها يوما، الطفل يحتضن تفاحة حمراء ضخمة و الطفلة تضم علبة شوكولا فاخرة، جن جنونها وقعت أكياسها البائسة أرضا، دوار هاجم وعيها فاتكأت على الجدار و جرى إليها طفلاها في رعب، و دون وعي منهما داسا بأقدامهما الصغيرة الأكياس التي تحتوي عفتها.