صفحات سوداء من حاضرنا

الحرية المدنّسة «الصفحة الثالثة»

، بقلم عثمان آيت مهدي

مخطئ من ظنّ يوما أنّ الحرية التي تغنى بها الشعراء والأبطال هي مفقودة بأراضينا، إنّنا نستنشقها كالهواء الذي تحمله الزوابع والرياح، ونحياها كما نحيا أيامنا المملة الفاقدة لروح الحياة، لك أن تكفر جهرا، ولك تسبّ خالقك، أن تبسق وأن تبول في الشوارع، وأن تلقي بالقمامة من طابقك العاشر، أن تحوّل بيتك إلى ملهى أو مرقص، لك من الحرية ما لا يملكه الوثني واليهودي والمسيحي.

قد تتساءل أخي الكريم لماذا هذه الحرية الملطخة بالدنس والعار، أقول لك لأنك مسلم تحمل رسالة النقاء والصفاء والإخاء إلى العالم أجمع.

النظافة من الإيمان

يسكن في حيّ فقير، بيوته من صفيح، تنعدم فيها قنوات صرف المياه، تنتشر الزبالة في كلّ زاوية، تعوّد هذا المنظر ولا يسبب له حرجا في رمي فضلاته أمام البيوت.

سمع يوما من أستاذه للغة العربية مستشهدا بحديث شريف: "نَظِّفوا أفنيتكم ولا تَشَبَّهُوا باليهودِ" ردّ بسرعة وتلقائية: والله لسنا يهودا، يا أستاذ، بل نحن مسلمون.

اللهمّ إنّي صائم

نظر إليه نظرة استفزاز واحتقار، رغم ذلك تمكن من كتمان غيظه وقال: اللهم إني صائم. بعدها شتمه وأسمعه كلاما قبيحا. بصبر وثبات تحكم في حنقه وغضبه وقال ثانية: اللهم إني صائم. لكمه بلكمة كادت أن ترديه أرضا، لم يتحكم في نفسه وهجم عليه كالوحش المفترس، وقال: هنا يتوقف صيامي أيها الأبله، أيها السفيه، سألقنك درسا لن تنساه في حياتك. يستيقظ من نومه، يسأل أمّه عن الساعة، تردّ عليه: العاشرة صباحا يا عزيزي، واصل نومك فأذان المغرب مازال بعيدا.

استقبال شهر الرحمة والغفران

قبل أن تجتمع لجنة الأهلة في جلسة تلفزيونية تذكر بخصال الشهر الفضيل وما يتنزل على الخلق من خير وعفو لمن صامه بصبر وخشوع، تبدأ الصحافة في نقل تضارب اللجان العلمية والفلكية في تحديد غرّة الشهر، وارتفاع الأسعار بل واشتعالها قبل الأوان، اكتظاظ الطرقات بالسيارات المتجهة ذهابا وإيابا نحو الأسواق والمحلات الكبرى، ترك العمال أماكن عملهم والتحاقهم بالجموع الغفيرة المستقبلة للشهر الكريم. يبدأ الهرج والمرج، السبّ والشتم، الازدحام وتبادل اللكمات أمام بائعي اللحوم والخضراوات والحلويات. إنّهم يقولون غدا هو أوّل شهر الرحمة والغفران، وعلى أكثر تقدير سيكون بعد غدٍ. يجب استقباله قبل حلوله.