لماذا احتلت المدرسة

الجزائرية المرتبة المئة عالميا؟

، بقلم عثمان آيت مهدي

ليس أصعب ولا أعضل للمربين ـ أساتذة كانوا أو باحثين ـ من وضع منظومة تربوية متكاملة، منبثقة من روح المجتمع نفسه، مستمدة قوتها من تجارب شعوب الأرض قاطبة، تصديقا لقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : "الحكمة ضالة المؤمن، أينما وجدها فهو أحقّ بها" موجهة إليه وهادفة إلى تحقيق غايات نبيلة له تسمو به إلى العلياء ولا تفتر. وليس أقسى ولا أتعب للسياسي من تطبيق هذه المنظومة والسهر عليها بغية الوصول بها إلى مرفأ الأمان. إذا عمل المربي بإخلاص وتفان على وضع منظومة تربوية مناسبة، واجتهد السياسي على تطبيقها بكلّ جدّ وصرامة، بلغت المدرسة الجزائرية من العلياء كلّ مكان.

إذا لم يكن لنا بدّ من استراد نظام تعليمي من الخارج، فلا بأس من البحث عمّا هو أنسب لمجتمعنا من زوايا عدّة، الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، فالتكامل بين مختلف القطاعات يستدعي تكييف المؤسسة التربوية بمختلف التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية للبلاد. إنّ النظام التعليمي الفرنسي الذي ورثناه منذ الاستقلال أبدى ضعفا ملحوظا على مسايرة التطور الحاصل في الثقافة المحلية والاقتصاد الوطني. فالدراسة بما يزيد عن ست ساعات يوميا يرهق التلميذ وينفره عن الدراسة، على الأقل في الجزائر، لا سيّما عند فقدان وسائل الترفيه والراحة في البيت لاسترجاع ما بذله من طاقة وجهد كبيرين. إضافة إلى اكتظاظ الأقسام، وعدم مسايرة البرامج التعليمية لثقافة التلميذ وعاداته وتقاليده وطموحه في بناء مستقبل يضمن له العيش الرغيد والبيت السعيد. تتوالى الأفواج الدراسية على المدرسة وتتشابه، يتسرب منها الكثير لأسباب أغلبها تربوي واجتماعي، والقلة التي يبتسم لها الحظ للوصول إلى الجامعة يترصدها غول البطالة، لأنّ الجامعة الجزائرية لا تساير التطور البطيء للاقتصاد الوطني، ولا تولي اهتماما لحاجيات الدولة من أيّ تخصص كان. وكأنّ المدرسة أنشئت خصيصا لمحو الأمية وترك الحابل على الغارب، ممّا دفع بكثير من حاملي الشهادات العليا إلى الهروب إلى الضفة الأخرى عبر زوارق الموت، أو عبر مشاركتهم في مسابقات علمية لمن حالفهم الحظ. النظام التعليمي الفرنسي يعتمد على الأطوار التعليمية العادية، ابتدائي، متوسط، ثانوي، ثمّ اجتياز امتحان شهادة البكالوريا للالتحاق بالجامعة، هذا المسار التعليمي يتخلله تسرب مدرسي كبير في الجزائر، من الابتدائي إلى البكالوريا ما يعادل ثلثا التلاميذ، والثلث المتبقي يراوح مكانه لسنوات في الجامعة قبل أن يتحصل على شهادة ليسانس نظام LMD ثمّ ينظمّ إلى طابور الباحثين عن العمل. أمّا ثلثا التلاميذ المتسربين فيتوجهون إلى التكوين المهني بعد فشلهم في الدراسة، ويتلقون تكوينا قاعديا فاشلا ثمّ يلفظون إلى الشارع دون تكوين سليم ولا مستوى دراسي مقبول. والنتيجة صعوبة إيجاد بنّاء ولا تقني في الكهرباء أو في تخصص آخر يتقن عمله ويجيده، لقد فقدنا الأستاذ الكفء، والطالب الجيّد، والمتكوّن البارز. منذ التسعينات والمدرسة الجزائرية تعاني الأمرين: المستوى التعليمي الهابط والتكوين المهني الضعيف.

يعتبر نظام التعليم بفرنسا مرجعا لكثير من أنظمة التعليم في العالم، وهذا راجع بالأساس إلى حجم البحوث التربوية المنشورة، بحيث يطبع كلّ عام أزيد من مائة بحث أو دراسة في المجال التربوي بالإضافة إلى الرسائل الجامعية، والمجلات المتخصصة نحو: المجلة الفرنسية للتربية La Revue française de pédagogie ، كراسات تربوية Les cahiers pédagogiques ، والبحث والتدريب Pratique et recherche، تاريخ التربية Histoire de l’éducation ، التربية والمجتمعات Education et sociétés (في علم الاجتماع التربوي) وغيرها من المجلات المتخصصة في المجال التربوي والتعليمي، فضلا عن المؤسسات العلمية والتربوية مثل: المركز الدولي للدراسات التربوية (CIEP) والمركز الوطني للوثائق التربوية (CNDP) ودائرة البحث والعمل البيداغوجي (CRAP).

ومن الناحية الإدارية تنقسم الخريطة البيداغوجية بفرنسا إلى ثمان وعشرين إدارة يطلق عليها الأكاديمية، كلّ إدارة يرأسها مسؤول حامل لشهادة الدكتوراه، يعيّن من طرف رئيس الجمهورية باقتراح من رئيس الوزراء، ويعتبر رئيس الأكاديمية مسؤولا أمام وزير التربية عن مجمل الخدمات التعليمية والتربوية التي تقع في دائرة اختصاص الوزارة.

مقارنة بسيطة بين موارد التعليم بفرنسا والجزائر، نستشف الهوّة العميقة بين النظامين. في الجزائر خمسون مديرية للتربية، على رأسها مديرين لم يشغل أحد منهم نفسه بكتابة مقال تربوي مفيد، ولم يتحصل أحد منهم على شهادة الدكتوراه، معظمهم ترأس المديرية بطرق غير تربوية، والقليل منهم يملك كفاءة التسيير ولا يملك كفاءة في التربية. كما تنعدم في وزارة التربية بضخامتها وميزانيتها مجلة تربوية متخصصة، ولا يستطيع مسؤولوها عبر مؤسساتها المنتشرة في كلّ الولايات تأليف ولا كتابة ولا ترجمة ولا توجيه ولا إلقاء محاضرة ولا إقامة ندوة، همّهم هو تسيير المديرية بسياسة العصا والتخويف.

تفتخر المدرسة الجزائرية باستيعابها الملايين من المتمدرسين، وتفتخر الجامعة باحتضانها لمليون ونيّف من الطلبة في جميع التخصصات، غير أنّ المدرسة تحتل المرتبة المئة بالنسبة لجودة التعليم ضمن الترتيب العالمي الذي يضم 148 مدرسة عبر العالم، ولا وجود للجامعة الجزائرية ضمن الترتيب العالمي للجامعات التي يفوق عددها ستة ألاف جامعة.

تعتبر ميزانية وزارة التربية والتعليم بالجزائر من أكبر الميزانيات المخصصة للوزارات المختلفة، إلا أنّ مردودها يبقى ضعيفا لا يساير الأموال الطائلة التي تصرفها الدولة على هذا القطاع، وكأنّي به هو الآخر قد نخره الفساد واستولى على مفاصله، وأصبح لا يقوى على العطاء بقدر ما يقوى على الاستهلاك والتبذير. وهذا سبب ثان بعد الاعتماد على النظام الدراسي الفرنسي الذي أظهر محدوديته بالجزائر. الإدارة المركزية المكلفة بتسيير هذه الجمهورية من التلاميذ والأساتذة والموظفين بعضها تخلى عن مسؤوليته وهي كبيرة وعويصة وتفرغ لمهاترات بيروقراطية ومصاريف في مشاريع تافهة واقتناء أدوات بالملايين ثمّ لا يظهر لها أثر. منتديات إلكترونية على مستوى كلّ مديرية، أو مؤسسة تربوية أحيانا، نجهل أصحابها ومشرفيها لاعتمادهم على أسماء مجهولة الهوية ومزوّرة، تتناول مواضيع تافهة ومذكرات الأستاذ مليئة بالأخطاء ومعلومات قديمة منقولة من مواقع مختلفة. مَن المشرف على هذه المواقع والمنتديات؟ لا أحد يستطيع الإجابة إلا الزمرة المندسة في دواليب الإدارة. كتاب مدرسي طباعته رديئة، يحتوي على أخطاء علمية ونحوية وإملائية، يراجع من حين لآخر، ويطبع بملايين النسخ ليعود ثانية إلى نفس الأخطاء ونفس الهفوات. من يشرف على طباعة الكتاب بهذه الأخطاء رغم مرور عشر سنوات عن الإصلاح الأخير المرتكز على المقاربة بالكفاءات؟

لماذا أغلقت مؤسسات تكوين الأساتذة في الابتدائي والمتوسط والثانوي، رغم حاجة المدرسة لهذه المؤسسات؟ من سمح للطالب المتخرج من الجامعة مزاولة التعليم دون تكوين مسبق في الميدان؟ من يدفع بالتعليم إلى التعفن والصراع الذي لا معنى له مع النقابات المعتمدة في الميدان؟ كأن يحاور نقابة مجهرية على حساب نقابة لها امتداد في الوسط المدرسي، أو يرفض مطالب للنقابة تبدو منطقية ومعقولة، أو إطالة عمر الإضراب على حساب الدراسة والبرنامج المقرر.

وإن كانت أسباب تدهور التعليم بالجزائر كثيرة ومتنوعة إلا أنّ مصادر هذه الأسباب لا تخرج عن النظام التعليمي الفرنسي الذي لا يلائم النظام التعليمي الجزائري، وفساد قسم من الإدارة المخول على إشراف وتسيير هذا القطاع الحساس.

لنجرب نظام التعليم الألماني الذي يرتكز على مبدأ الفصل بين التلاميذ والفرز المبكر لهم، بحيث يوجه غالبية التلاميذ بعد نهاية التعليم الابتدائي حسب نتائجهم الدراسية إلى مسارات وتخصصات تعليمية موازية كالتكوين المهني.

ما يميز نظام التعليم بألمانيا عن بقية أنظمة التعليم بأوروبا هي الساعات المخصصة للتعلم بحيث يتابع أغلبية التلاميذ نشاطهم الدراسي والتربوي في رياض الأطفال أو بالمدرسة في الفترة الصباحية.

لا يعتبر التعليم في مرحلة ما قبل التمدرس إلزاميا ولا جزءا من نظام التعليم العام، لذا يعتمد نظام التمدرس الإلزامي الألماني على الفئات العمرية التي تتراوح بين ست سنوات وخمس عشرة سنة. بعد الانتهاء من هذه المرحلة ينتقل التلميذ إلى التعليم العالي (الثانوي) العام أو يتوجه إلى التكوين المهني أو يمدد مساره الدراسي في مدارس خاصة تشتغل لبعض الوقت وتخصّ التلاميذ من 15 ـ 18 سنة.

تمتد مرحلة التعليم الابتدائي ( Grundschule ) أربع سنوات تمكّن التلميذ بعد مرحلة التوجيه التي تمتد سنتين من متابعة دراسته في الطور الأول للتعليم الثانوي في مسارات تعليمية مختلفة، هي:

مدرسة التعليم الإلزامي " Hauptschule " مدرسة تسعى إلى تقديم تعليم أساسي عام خلال خمس أو ست سنوات، تسمح نتائج امتحان نهاية هذه المرحلة بانتقال التلميذ إلى التكوين في إطار التعليم الثنائي.

مدرسة التعليم الثانوي العام " Realschule " تمنح للتلميذ تعليما عاما موسّعا يستمر ست سنوات، تكلّله شهادة نهاية الدراسة التي تسمح للتلميذ بمتابعة تكوين للحصول على شهادة الكفاءة المهنية أو الانتقال إلى مستوى عال ( مدارس مهنية، ثانويات تقنية).

الثانوية " Gymnasium " وتقدم للتلميذ تعليما عاما معمّقا يسمح له بالانتقال إلى الطور الثاني للتعليم الثانوي الذي يمتد من سنتين إلى ثلاث سنوات.
المدرسة الشاملة " Gesamtschule " وهي مؤسسة تعليمية تشمل كلّ أنواع مسارات التعليم المذكورة من الناحية التنظيمية والبيداغوجية.

يأتي الطور الثاني من التعليم الثانوي بعد الطور الأول، وينتهي بحصول الطالب على شهادة Abitur التي تعادل البكالوريا وتؤهله للانتقال إلى الجامعة لمواصلة تعليمه العالي، أو الالتحاق بإحدى المدارس المهنية المتخصصة.

بألمانيا أشكال كثيرة من المدارس المهنية، لكلّ منها مهمة محدّدة. بعد الانتهاء من مرحلة التمدرس الإلزامية، ثلثا التلاميذ يتابعون تكوينا مهنيا بالتناوب أو ما يسمى بالتعليم الثنائي لمدة تتراوح بين سنتين إلى ثلاث سنوات ونصف. يتلقى التلميذ وفق هذا النظام مواد التخصص النظري في المدارس المهنية والتدريب العملي أو التطبيقي في مكان العمل أو الورشات المخصّصة للتدريب. يسعى هذا النّظام الذي تمتزج فيه النظرية بالتطبيق تأهيل التلاميذ على مستوى عال. تتحدد مهن ومواد التكوين في النظام الثنائي وفق حاجيات سوق العمل، أمّا تمويله فيتمّ من قبل المؤسسات الاقتصادية التي تقوم بتدريب التلاميذ ودفع أجورهم، ومن قبل الدولة بالإنفاق على المدارس المهنية.

لا يزال نظام التعليم بألمانيا من أفضل الأنظمة في العالم، وليس غريبا أن تتضح معالمه وتجنى ثماره في كلّ المجالات العلمية منها والاقتصادية وغيرهما. ولا تزال المعاهد العليا الألمانية من أفضل المعاهد في العالم في المجال العلمي، وقد وصل عدد الحاصلين على جوائز نوبل من الألمان ما ينفّ عن السبعين عالما في العلوم الطبيعية والطب... هذا النظام المتميز قاد ألمانيا إلى تبوّأ الصدارة في المجال الاقتصادي وتبوّأ المرتبة الثالثة اقتصاديا في العالم بعد أمريكا واليابان.

فوائد النظام التعليمي الألماني على التلميذ الجزائري:

تكون الدراسة في المراحل الدنيا نصف اليوم، ويخصص النصف الثاني للمراجعة والترفيه والنشاطات الرياضية والفكرية وغيرها.

التخفيف من عبء الجامعات، فالجزائر ليست في حاجة إلى الملايين من المهندسين والأطباء والحقوقيين.. أكثر من اللزوم، ما يسبب فائضا يضاف إلى البطالة، بل يحتاج البلد إلى زبدة من الطلبة الذين يتخصصون في مواد، نحن في حاجة ماسة إليها.

التكوين الجيد لليد العاملة التي تحتاج منها الجزائر الملايين لسد حاجياتها في الورشات المفتوحة في كل مكان من التراب الوطني.

يبقى العائق الوحيد المتمثل في الإدارة، فيمكن إسناد وزارة التعليم لرجل يملك مشروعا وتصورا للمدرسة التي يريد الوصول إليها بعد سنوات، ولا تسند لإداري لا يفقه من التعليم سوى التعامل بكثرة الأوراق والوثائق ثمّ يحوّل وزارته بعد ذلك إلى مؤسسة بيروقراطية تعشعش فيها أصناف من الإداريين الفاشلين.

ألا يكفي من إنتاج مئات الآلاف من حاملي شهادات الليسانس في الحقوق وعلم الاجتماع وعلم النفس والآداب وغيرها من التخصصات؟ ألا يكفي من إنتاج مئات الآلاف من حاملي شهادة الليسانس، ولم يقرأ حامل الشهادة كتابا، ولم يكتب فقرة، ولا يجرأ على مناقشة فكرة؟ ألا يكفي من إنتاج الملايين من التلاميذ الذين رسبوا في البكالوريا، لم ينالوا تكوينا مهنيا جيّدا ففقدوا الدراسة وفقدوا مهنتهم وأصبحوا يتسكعون في الطرقات، يتناولون المهلوسات ويحلمون بمغادرة البلاد؟

فتح الباب واسعا للباحثين في ميدان التربية والتعليم، تشجيعهم على العمل والتأليف، أولوية التربوي على الإداري الذي من المفترض أن يكون في خدمة المربي والتلميذ لا العكس. تحتاج وزارتنا التربوية إلى رجل يحدث زلزالا من تسع درجات يهدم فيها كلّ الرداءة التي تراكمت منذ الاستقلال إلى يومنا هذا، ثمّ يعيد بناءها وفق أسس وقواعد متينة تبشر بمدرسة جزائرية تقف شامخة أمام المدارس الكبيرة في العالم.

نريد مدرسة تمنح تكوينا جيّدا، وتعطي تعليما صحيحا، وتنتج جيلا متسلحا بالأخلاق العالية وروح المواطنة وحب العلم والعلماء، نريد مدرسة لا تتذيل المراتب الأخيرة بل تتبوأ المراتب الأولى، مدرسة تشرّف الأستاذ الجزائري والتلميذ الجزائري والمدرسة الجزائرية.