الصحراء الغربية أو العداوة الأبدية

، بقلم عثمان آيت مهدي

ليس هناك شعبان، في اعتقادي، أكثر انجذابا لبعضهما البعض، وأقوى تلاحما في الفترات الصعبة، وأشدّ انصهارا عبر حقبات تاريخية مختلفة من الشعبين الجزائري والمغربي. إنّهما شعب واحد فرّقه المستعمر الفرنسي في الماضي وأعادت السياسة المريضة للنظامين المغربي والجزائري تفرقته ببناء جدار برلين بين الشعبين الشقيقين، والسبب قضية يفقه خلفياتها وأهدافها النظامان الفاشلان ويجهل تفاصيلها الشعبان.

ينحدر الشعبان من أصول أمازيغية، اعتنقا الإسلام عن اقتناع وطواعية، فكانا خير الفاتحين للأندلس، تعرّب قسم كبير منهما بتلقائية وتزاوج بين العرب الحاملين للإسلام والأمازيغ، وبقي قسم كبير محتفظا بلغته. وتعايش الشعبان الشقيقان في ظل الدول المتعاقبة على المنطقة، لا سيما في فترات دولة المرابطين وبعدها دولة الموحدين، وأكثر من كلّ هذا تسمية الشعبين بالمغرب العربي أو الإسلامي إلى جانب تونس وموريتانيا. وأركز على الجزائر والمغرب للقضية التي فرقتهما منذ سنة 1975 إلى يومنا هذا، وما زالت هذه القضية تسمم العلاقات الثنائية بين البلدين، غير أنّ الوعي السياسي بالتاريخ المشترك والدين الواحد يعزز التلاحم بين الشعبين الشقيقين.

لا أدخل في تفاصيل القضية، لأنني لا أتحكم في خيوطها المتشعبة، ولا أتقن لغة الساسة الغامضة، كلّ ما أعرفه أنّ الشعب الصحراوي هو الآخر ينحدر من أصول أمازيغية، اعتنق الإسلام، تعرب قسم منه واحتفظ القسم الآخر بهويته، وبالتالي، هو جزء من هذا الشعب المغاربي. لكن لماذا يتحول الشعب الصحراوي سببا في التفرقة بين الشعبين الجزائري والمغربي، وهو بريء مما تقترفه السياسة من وراء الستار؟

هل تبقى القضية الصحراوية مسممة للعلاقات الجزائرية والمغربية لسنوات أخرى؟ هل ننتظر ركوعا لأحد النظامين الفاشلين؟ وهل حقّا هناك منتصر ومنهزم؟ وكلاهما يستند إلى سياسة العصا والاستبداد في تسيير شؤون رعيته، وكلاهما ما زال يتخبط في التخلف والتبعية بعد أكثر من خمسين سنة من جلوسهما على رقاب الشعبين.

لماذا لا نولي للعلاقات بين الشعبين أهميتها أولا، من كلّ النواحي الاقتصادية والثقافية والاجتماعية، ثمّ البحث عن مخرج مناسب لكلّ طرف؟ ولماذا لا نعزل الشعوب عن القضية وترك القضية بين السياسيين؟ ما ذنب هذا الصحراوي، أو ذاك المغربي، أو ذلك الجزائري من التجول والانتقال بحرية مطلقة بين هذه الدول، للتجارة أو السياحة أو لأسباب خاصة؟ لماذا يتحول الشعبان إلى رهينة السياسة العرجاء بين البلدين، وأنا على يقين، لو أعطيت الفرصة للشعبين لاختيار من يرأسهما لما اختارا هذين النظامين اللذين استهلكا كلّ مصداقيتهما وفقد الشعبان ثقتهما فيهما.

أكثر من ثلاثين سنة من عمر القضية، ولا شيء يلوح في الأفق. حدود مغلقة، تبادل للشتم عبر الصحف المأجورة، تشتد القضية أحيانا إلى استدعاء السفير، وتلين أحيانا أخرى. يضطر ساكن الحدود المغربية أو الجزائرية إلى الانتقال إلى عاصمة بلده ليسافر عبر الطائرة إلى بلد يجاوره، ثمّ ينتقل من عاصمة الدولة الجار إلى الحدود، ويفترض أنّ المسافة الواجب قطعها لا تتجاوز الكيلومترات القليلة، لكن السياسة العرجاء فرضت عليه قطعها على آلاف الكيلومترات؟ أهكذا نبني الدولة المغاربية في القرن الواحد والعشرين؟ عصر الأنترنات والسكايب والفيبر والجيل الثالث وبعده الرابع، عصر التكنولوجيا التي تقربنا أكثر فأكثر؟ لماذا هذه السياسة الحمقاء، البلهاء، الصمّاء، العمياء دائما بالمرصاد تريد إبعادنا عن بعضنا البعض. أيّها الساسة المغاربة، أتريدون أن نقيمها دولة مغاربية افتراضية، رغم أنوفكم، عبر الشبكة العنكبوتية؟ ثمّ نحيا دونكم في عالمنا الجميل حتى يعطي الله أسبابا لمخرج مناسب لهذه القضية؟ أمّا أنتم سيتذكركم التاريخ أنكم سعيتم من أجل التفرقة بين الشعبين كما فعل المستعمر الفرنسي قبلكم.