عُملاق الفنِّ والطرب في رثاء مطرب المطربين العملاق وديع الصافي

، بقلم حاتم جوعية

أنتَ الوَديعُ سَحَرتَ الشَّرقَ والعَرَبَا
في كلِّ أرض ٍ نشرتَ الفنَّ والطرَبَا
 
الأرزُ يبكي، سمَا لبنان ملتهبٌ
لبنانُ أضحَى بثوبِ الحزن ِ مُنتحبا
 
الحُزنُ خيَّمَ والأجواءُ ناحِبة ٌ
من بعدِ فقدِكَ أضحَى الكلُّ مُكتئِبَا
 
لبنانُ هُزَّ وقد قامَت قيامتهُ
كأنَّ يومَ التنادي هولهُ اقترَبا
 
يومُ الرَّحيل ِ كيوم ِ النشر ِ موقعهُ
كأنَّ جُرمًا هوَى للأرض ِ مُلتهبَا
 
الكلُّ يبكي أبا فادَي ويندبُهُ
القلبُ ينزفُ ودمعُ العين كم سُكِبَا
 
الكلُّ يبكي أبا فادي ويندبُهُ
فدولة ُ الفنِّ دالتْ فيضُها نضبَا
 
الكلُّ يبكي نجيعًا فاضَ مُنسَجمًا
فدولة ُ الفنِّ زالتْ مَجدُها ذهَبَا
 
يا أيُّهَا الطَّودُ يا حَمَّالَ ألويةٍ
للفنِّ، قد كنتَ صرحًا عانقَ السُّحُبَا
 
أنتَ الكنارُ وكم قد كنتَ تطربُنا
وفي الدُّجَى تنثرُ الأقمارَ
 
والشُّهُبا أنتَ الذي فوقَ جفن ِ الشَّمس منزلهُ
فوقَ المَجَرَّةِ تبقى الدَّهرَ مُنتصِبَا
 
مدارسُ الفنِّ والإبداع ِكم سَجَدتْ
الكلُّ يشهَدُ وفيكَ الكلُّ قد خُلِبَا
 
أنتَ الوديعُ منارُ الفنِّ في وطن ٍ
غنيتَ للحبِّ والسِّلم ِ الذي سُلِبَا
 
ملاعبُ الحُبِّ والآمال ِ شاحبة ٌ
فيها الشَّقاءُ غرابُ البين ِ قد نعبَا
 
غنيتَ لبنانَ جُرحًا كانَ مُلتهبًا
أشجانهُ هَزَّتِ البلدانَ والعَرَبَا
 
غنيتهُ ودموعُ العين ِ نازفة ٌ
غنيتَ وحدتهُ.. والخصبَ ما نُهِبَا
 
لبنانُ قد كانَ شمسًا، أبْجَدِيَّتهُ
قبلَ الحضاراتِ والعِلم ِ الذي كُتِبَا
 
" قدموسُ " يروي سطورًا من روائِعِهِ
المَجدُ دومًا للبنان العُلا انتسَبا
 
فيهِ العمالقة ُ الأفذاذ ُ قد وُلدوا
لبنانُ.. لبنانُ ضمَّ الفنَّ والأدَبا
 
وبعلبكُّ المُنى آثارُها شهِدَتْ
لِرَوعةِ الفنِّ.. فيها الشِّعرُ كم ندَبَا
 
معابدُ الشَّمس ِ والأقمار ِ شاهدَة ٌ
لها القرابينُ كانت تملؤُ النّصبَا
 
" جبرانُ " نبعُ السَّنا فكرًا وفلسفة ً
شُعاعُهُ في ديارِ الغرب ما غَرُبَا
 
في الشِّعرِ والرَّسم ِ والآدابِ مُؤتلِقٌ
مِلءَ الزَّمَان ِ، رجال الفكرِ قد غلبَا
 
" فيروزُ" صوتٌ مِنَ الفردَوس يُطربُنا
وَنجمة ُ الشَّرق ِ والسِّحرُ الذي جَذبَا
 
" صباحُ " شُحرورة ُ الوديان ِ رائِدَة ٌ
في الأوفِ ثمَّ العَتابَا تصنعُ العَجَبَا
 
يا أيُّهَا القمرُ المَيْمُونُ طلعتهُ
وفي سمَا الشُّوفِ في لبنان ما وقبَا
 
صنعتَ مجدَكَ بالإبداع ِ تترعُهُ
ينسابُ صوتك نخبًا..
 
ليسَ مُصطخبَا رسالة ُ الحبِّ للأكوان ِ تعلنهَا
وكنتَ في سَعيِكَ المنشودِ مُقتضبَا
 
حَقَّقتَ آمالكَ الجَذلى على مَهَل ٍ
وأخفقَ الغيرُ سَعْيًا سارَهُ خَبَبَا
 
وَمُطربُ المُُطربينَ..الكونُ رَدَّدَهَا
..عبدُ الوَهابُ لقد أعطى لكَ اللَّقبَا
 
في الفنِّ أنتَ أبو الكُلثوم ِ.. قد نعَتتْ
كَ كوكبُ الشَّرق ِ..لا زلفى ولا كذبَا
 
وأنتَ أسطورة ُ الأجيال ِ، رائِدُنا
طريقكَ الوردُ، صُرُوح الفنِّ مَن نصَبَا
 
صُنتَ التراثَ ومَا أبقى أوائلُِنا
بينَ الرُّكام ِ وبينَ الرَّدم ِ مَنْ نقبَا
 
الكلُّ ينهجُ فنًّا ليِّنا ً سهلا ً
وأنتَ تنهجُ فنًّا شائِكا ً صَعِبَا
 
بالفنِّ نرقى إلى الأفلاكِ نسكنهَا
نسدُّ كلَّ جدار ِ كانَ قد ثقِبَا
 
يا روضة ً بشذا الإبداع ِ مُترَعَة ً
تجلو الأُوامَ عن ِ الحوباءِ والسَّغَبَا
 
السِّحرُ ضَمَّخَها والحُبُّ واكبَهَا
يصبُو لها الصَّبُّ، يلقى كلَّ ما طلبَا
 
الماءُ فيها نميرٌ طابَ مَشربُهُ
سَلسَالُهَا الشَّهدُ والترياقُ.. ما نضَبَا
 
يا صافيَ الصوتِ مَزهُوًّا بروعتِهِ
كالكهرباءِ سَرَى..مع نبضنا حُسِبَا
 
هذا الزَّمانُ الذي قد كنتَ رائِدَهُ
يبكي لفقدِكَ مَذهُولا ً وَمُنتكبَا
 
رثاكَ بعضٌ بقول ٍ جاءَ مُصطنعًا
أمَّا أنا فنثرتُ الدُّرَّ مُنتخَبَا
 
شعري هُوَ الدُّرُّ والياقوتُ مُؤتلِقٌ
يبقى المنارَ، قلوبَ الغيدِ كم جَلبَا
 
وإنَّني شاعرُ الأجيال ِ قاطبة ً
بهرتُ في شعريَ الأفذاذ َ والخُطبَا
 
شعري لنصرةِ شعبي دائِمًا أبدًا
يُذكي الإباءَ يُزيلُ اليأسَ والكرَبَا
 
الحُبُّ عَمَّدَني والنورُ واكبني
والموتُ قد فرَّ مَهزُومًا وَمُرتعِبَا
 
يا نسمة ً من رُبَى لبنان دافئة ً
أذكيتِ فيَّ الرُّؤَى والشَّوقَ والعَتبَا
 
قلبي هناكَ وَروحي.. كلُّ أوردتي
أهلي هُناكَ هُمُ التاريخُ.. قد وثبَا
 
لُبنانُ وَحيي وإلهامي وأغنيتي
لهُ الترانيمُ.. نزفُ القلبِ.. ما وَجَبَا
 
لبنانُ... لبنانُ يا خمري وقافيتي
ومَنبعُ السِّحر ِ مِنهُ الفنُّ قد شربَا
 
يا قطعة ً من سَنا الفردوس فاتنة ً
شابَ الزَّمانُ ويبقى غصنهُ رطبَا
 
فيكَ الوَديعُ منارُ الفنِّ سُؤدُدُهُ
وَمطربُ الشِّرق للتقليدِ قد شَجَبَا
 
في القلبِ تحيا أبا فادي، فأنتَ لنا ال
مُعَلِّمَ الفذ َّ... تبقى للجميع أبَا
 
أنتَ العزاءُ لِمَحزون ٍ وَمُغتربٍ
أنتَ الشِّفاءُ لقلبٍ كانَ مُضطربَا
 
رمزُ الوداعةِ والطُّهر ِالذي شهدُوا
وتنشدُ الحُبَّ..لا الأسيافَ والقضبَا
 
أنتَ المُعلِّمُ والإنسانُ في زمن ٍ
الفنُّ صارَ رخيصًا، عندنا لعبَا
 
قيثارَة ُ الخُلدِ، من أنغامِهِ سكرتْ
كلُّ الدُّنى.. وانتشَى عُشَّاقهُ
 
طرَبَا ويُسكرُ النفسَ صوتٌ رائعٌ عذبٌ
فاقَ الخمورَ التي تستنزفُ الحببَا
 
خَمائلُ الرُّوح ِ من إبداعِكَ ابتهَجَتْ
منا أسرتَ النُّهَى والقلبَ
 
والعَصََبَا ووصوتكَ العذبُ سلوانٌ لِمَن نكبُوا
فيهِ العزاءُ يُزيلُ الهمَّ والوصَبَا
 
أنتَ المَحَبَّة ُ دومًا رمزُ تضحيةٍ
وتفرشُ القلبَ والوجدانَ والهُدُبَا
 
سفيرُ شعبكَ للأكوان ِ قاطبة ً
وَتنشُرُ الفنَّ والحُبَّ الذي احتجَبَا
 
وَمِهرَجاناتُ أهل ِ الفنِّ في بعلبكّ
كنتَ رائِدَهَا... واكبتهَا حقبَا
 
تاريخُكَ الفنُّ والإبدَاعُ.. مُأتلِقٌ
بأحرفِ النور ِ.. لا بالتّبرِ قد كُتِبَا
 
منارة ُ الفنِّ للأجيال ِ مدرسَة ٌ
الكلُّ يرشُفُ منها الشَّهدَ والرُّطبَا
 
البعضُ يسكبُ نزرًا.. ما بجُعبتِهِ
وأنتَ... أنتَ سكبتَ التبرَ والذهبَا
 
يا أرزة ً في ثرَى لبنان صامِدة ً
لم تحفل ِ الرِّيحَ والأهوالَ والنُّدبَا
 
بعضُ الأساطين ِعن لبنانَ قد رحلوا
لبنانُ في القلبِ لم نشهَدكَ مُغتربَا
 
لم تحفل الموت والأهوالَ في وطن ٍ
أنتَ الذي من سهام ِ الموتِ ما رَهبَا
 
وأنتَ صوتٌ سماويٌّ فيُترعُنا
بنفحةِ الخُلدِ... مَنْ أنوارُهُ وَهَبَا
 
وتنشرُ الحُبَّ والآمالَ ساحرة ً
فيكَ البراءَة ُ والحسُّ الذي التهَبَا
 
محبَّة ُ الرَّبِّ فيكَ الكلُّ يشهدُها
أبصرتُ فيكَ يسوعَ الحقِّ مَنْ صُلِبَا
 
علمتنا أنتَ أنَّ الحُبَّ مُنتصِرٌ
ويهزمُ الشَّرَّ والأهوالَ والرُّعُبَا
 
كلُّ الكنائس ِ تبكي ليسَ يُوقفها
شهدُ العزاءِِ وَدُرُّ القول ِ ما كذبَا
 
لجنَّةِ الخُلد ِ تمضي إنَّها وطنٌ
رضوانُ هَيَّأهَا دارًا.. لكَ انتدَبَا
 
فيها الملائكة ُ الأطهارُ تطربُهُمْ
بصوتِكَ العذبِ..بالتسبيح ِ ما طُلِبا ومن
 
مزامير ِ داودِ النبيِّ ترا
نيمٌ لربِّ العُلا.. تشدُو الذي رُغِبَا
 
يا أيُّها الفذ ُّ والعُملاقُ في زمن ٍ
قد شَوَّهُوا الفجرَ، وجهُ الفنِّ قد شَحبَا بقيتَ في
 
قمَم ِ الإبداع ِ مُبتهجًا
صُنتَ القديمَ... وللتجديدِ ما عذبَا
 
طوبَى لأرض ٍ عليها كنتَ مُؤتلِقا
تغدُو وترجعُ مَزهُوًّا وَمُنتصِبَا
 
طوبَى لأرض ٍعليهَا سرتَ مُنتشيًا
تختالُ فوقَ رُباها باسمًا طربَا
 
طوبَى لأرض ٍ عليها كلُّ مُؤتمَل ٍ
ضَمَّت ضريحَكَ والأنوارَ والشُّهُبا
 
طوبى لِروحِكَ أنوارٌ مُشَعشَعة ٌ
في جنََّةِ الخُلدِ تلقى الصَّحبَ والنُّجُبَا