الكابتن فيليبس: العولمة والقرصنة والمارينز!

، بقلم مهند النابلسي

لفت انتباهي خبر في الصحافة يقول بانه قد تم دفع 330 مليون دولار كفدية الى قراصنة البحر منذ العام 2005، كذلك يؤكد التقرير ان جزءا كبيرا من الفدية يعود لممولي عمليات القرصنة، ولتمويل النشاطات الاجرامية التي تتراوح بين الاتجار بالبشر وتمويل الميليشيات المسلحة، كما ان اعمال القرصنة هذه قد لجمت مجمل النشاط البحري في القرن الفريقي حارمة دول شرق أفريقيا من عائدات مرتبطة بنقل السياح وصيد الأسماك وتوريد المواد الغذائية للدول المنكوبة بالمجاعات...كل هذه التيمات تجدها كامنة في فيلم الحركة التشويقي الرائع الكابتن فيليبس...

الفيلم يستعرض القصة الحقيقية لخطف واحتجاز الكابتن ريتشارد فيليبس في العام 2009 من قبل قراصنة صوماليين، كما تظهر دلالة الفيلم بكونه يتحدث عن اول محاولة خطف لباخرة كارجو أمريكية في التاريخ، وهو يلخص ببراعة ولغة سينمائية معبرة (من اخراج باول جرين جراس ) العلاقة بين قائد الباخرة الكابتن ريتشارد فيليبس (توم هانكس الحائز على جائزتي اوسكار) وبين قائد القراصنة أبدوالي موسي (الممثل الصومالي بارخاد عبدي)...ويستعرض بالتفصيل الحابس للأنفاس كيفية مهاجمة السفينة "ميرسك ألاباما" الغير مسلحة في ظروف بحرية قاهرة قبالة الساحل الصومالي في مياه المحيط الهندي ، واستنادا لسيناريو كتبه "بيلي ري" مقتبس من كتاب واقعي لتفاصيل الاختطاف نشره الكابتن فيليبس نفسه بعنوان "واجبات الكابتن...". الفيلم الذي تم افتتاحه رسميا في مهرجان نيويورك السينمائي ونال اعجاب النقاد (8 من عشرة ) وخاصة بمجالات الاخراج والسيناريو والسينماتوغرافي، تفوق فيه توم هانكس على نفسه بأداء عبقري وخاصة في المشاهد الأخيرة بعد مقتل القراصنة وانقاذه من قبل المارينز ومعاينته صحيا من قبل ممرضة البحرية وكانه استفاق بالفعل من حالة قتل هستيري وبدا وكأنه يهذي غير مصدق بانه نجا حقيقة وخاصة وان مسدس القراصنة بدا مسلطا على رأسه طوال مدة الفيلم، وربما قد يؤهله هذا الدور الاستثنائي للاوسكار الثالثة!

يستعرض الفيلم عن طريق حوار تلقائي (موضوع بعناية) الأسباب الحقيقية لعمليات القرصنة كنتيجة لفقدان صيادي الأسماك لمورد رزقهم بدخول شركات الصيد الكبيرة واحتكارها لصيد السمك بالبحار العالية، كما انه يعرض واقع عمليات القرصنة وشدة بأسهم وتمويل الميليشيات الاجرامية والجشع في لعبة "قط وفأر" ماسكة للأعصاب لا تجعلك تمل أبدا بالرغم من تجاوز زمن العرض لأكثر من ساعتين!

هكذا تمكن قرصان هزيل جريء وشجاع من القضاء على قائده بضربة رأس غادرة ليقود مع ثلاثة آخرين عملية قرصنة معقدة لباخرة ضخمة، بالرغم من كثرة المناورات والتسارع المفاجىء واستخدام رشاشات المياه المضغوط، الا أنهم تمكنوا بالمثابرة والعناد والشيطنة القاهرة من الاستيلاء على السفينة الضخمة، ولم يقبلوا عرض فيليب بالاكتفاء بمبلغ الثلاثين الف دولار الموجودة بخزنة السفينة ورفعوا سقف الفدية لعشرة ملايين دولار بحجة تمويل الزعماء والميليشيات الاخرى. بدت علاقة التفهم والاحترام المتبادل جلية طوال احداث الشريط وخاصة بين قائد الباخرة وزعيم القراصنة، وبدا التفاعل الانساني بالرغم من قسوة ظروف الاختطاف وخاصة على متن قارب النجاة البرتقالي من حيث عرض هانكس لمعاجة القدم النازفة للصومالي المراهق ومن حيث السماح لهانكس بشرب الماء، وبواسطة الحوار الذي يعكس احترام الخصم وتفهم دوافعه عكس النمط الكارتوني السائد في سينما الأكشن الأمريكية.
كيف تمكنت وكالة الأمن الاستخباري من معرفة اسماء القراصنة الثلاثة ونسبهم العشائري بالسرعة القياسية هو مؤشر حقيقي لنجاح وسائل التجسس الألكتروني التي اصبحت حديث الساعة، كما أنه يتم استعراض براعة التعامل مع سيكلوجية وغباء هؤلاء القراصنة الكامنة باحترامهم وخوفهم من شيوخ قبائلهم المتنفذين، حيث يتم عزل رئيسهم بحجة تسهيل اجتماعه مع هؤلاء لمناقشة كيفية تسليم الفدية لهم، كما بدا جليا غباءهم عندما خدعوا بالقميص البرتقالي المعطى للكابتن فيليب والذي ساعد على استهدافهم بصريا في اللحظة الحاسمة، كما انبهرت بالتصوير البارع لأدق التفاصيل بحيث تحول المشاهد لجزء من المشهد ودخل لعمق الحدث السينمائي، وكنت اظن ان هذه المهارة مقتصرة على افلام "البعد الثالث" ولكن عبقرية التصوير والاخراج هنا ادخلتنا للحدث، كما استغربت لعدم توفر اي سلاح حقيقي للدفاع عن النفس على ظهر هذه الباخرة الضخمة، كما بدت بالنسبة لي اجراءآت السلامة المتبعة نمطية وقاصرة وغير فاعلة في ظروف اختطاف حقيقية، وبدا الكابتن فيليب شخصية قيادية مناورة ولكنها ناعمة اكثر من اللازم وبعيدة تماما عن القوة والقدرة على المجابهة، وقد تفهمت براعة اداء الممثل المخضرم توم هانكس، ولكني عجزت عن تفهم براعة الأداء للقراصنة الصوماليين وعلى رأسهم بارخاد عبدي الممثل المغمور مما يقودني لأن اقدر صناعة السينما الأمريكية التي تسعى للاتقان المتكامل بكافة مكونات الفيلم السينمائي والتي تركز على جميع الممثلين بلا استثناء ولا تؤمن بنظرية الكومبارس العربية!

بقي أن اقول أن الفيلم (الحافل بالرسائل) يطرح بذكاء مجازي موضوعين لافتين أولهما الحلم الأمريكي المزمن والمزيف لدى شتى صنوف البائسين والعلمثالثيين (وحتى القراصنة) للذهاب والاقامة بأمريكا، والذي ينتهي هنا بكوميديا سوداء ساخرة حيث سيذهب زعيم القراصنة "عبدوالي" بالفعل لأمريكا ولكن ليس للعيش برغد في نيويورك وشراء سيارة فاخرة والعبث مع الجميلات كما يطمح ويريد، وانما كأسير وسجين مقيد ومكبل بالغلال بتهم الخطف والتهديد والقرصنة والشروع بالقتل، أما المغزى الثاني فيكمن باللقطات الخاطفة المتتالية الأنيقة التي تبين قدرة وجهوزية البحرية الأمريكية وسلاح الجو والكوماندو لمواجهة حالات قرصنة واختطاف مماثلة، وكأننا امام فيلم تسجيلي دعائي يدعو الشباب الأمريكي للانضمام للمارينز، كما ان نفس المشاهد اظهرت قدرة اخراجية بارعة لمكونات فيلم حربي جاذب...ولكي يتوازن الأمر علي ان اؤكد أن الفيلم يحاول ان يقدم صورة سينمائية منمقة واستعراضية تعوض عجز المارينز مرتين عن تحقيق اختراق عسكري للصومال لانجاز مهام امنية حساسة...الصومال الذي يعد بلدا فاشلا بامتياز والذي يعج بامراء الحرب وزعماء القبائل والميليشيات المسلحة التي تشبه بعشوائيتها "ديوك المزابل"، والتي تقاتل بضراوة ويأس ولا مبالاة...فقد تعوض السينما هنا فشل الواقع!!


مهند النابلسي

عضو رابطة الكتاب الأردنيين- عضو اتحاد الكتاب العرب

من نفس المؤلف