النزيف في طاحونة خطايا الأرصفة

، بقلم عبد الزهرة شباري

قراءة في المجموعة الشعرية (مآتم لأمطار رمادية للشاعر نوئيل جميل)

بدءاً بعنوان خلجات وصور هذه المجموعة (مآتم لأمطار رمادية)وما يحمله من مخلفات لدمار شامل مكنياً لها (المجموعة) لما تلفظه قنابل الموت من غازات سامة وهشيم رمادي تعليلاً للموت الجماعي الذي يراه كل يوم على أرض الواقع!!

وأهدائه الذي راح يؤدلج مفرداته إلى الذين نصبوا له صليب الحياة وسمروه عليه وبقي شاخصاً لا يدري ما العمل وهو يواجه عنفوان سيلها الجارف الذي أفنى كل شيء أمام عينيه لما يراه من نزف الدماء البريئة التي تتهاوى أمامه، ومدينته التي أدمنتها الخطايا وبؤر العفونة الآتية من ارحام مومسة، إلى كل الذين غرقت مراكبهم بأمواج الدماء، ثم إلى وطنه العائم بمواكب الحزن الذي ألفه وصار جزءاً منه، بهذا الإهداء أرى الشاعر نوئيل قد حزم عدة سفره مع الوطن إلى الجهات المجهولة التي لا يريد إن يعود إليها ويرى تلك المجازر وهي تقص أجنحة وطنه الجريح!
وهذا إيمان منه بأن يكون قلعة شامخة ولسان ناطق يواجه الخراب والدمار، ويتصدى له بكل طاقاته وقوة إبداعه لا بوابل من الكلمات التي لا تغني شيئاً في حل تلك الأزمات التي واكبت عصره، وهذا دليل واضح على الطموح نحو تقديم ما هو أفضل وأجمل وأكمل!!

وأنت تسأل عن الرحيل في خلجات سافرت بك إلى جهات من الحزن واللوعة ومشت في دروب ما زالت تذرف دمعاً من مآقي نوافذك التي ألفت دثار السنين العجاف، ومن مرأى لهاثك خلف نوافذ الشرود الذي ما زال يدق أبواق الرحيل وهو يبعثر أشتات الكلمات في مفازات من الحزن واللوعة!

لا أدري يا صاحبي منذ متى أوقفت تراجيدك في هذه المواويل التي بعترتها الرياح الهوجاء نحو فواخت من الحزن الأزلي الذي ما زال يدق أبواب العشق ويؤجج جمرك المتوقد من مواقد المجامر العتيقة وهي تعبئ عليك وهج الدخان المحمل بوابل من دموع البؤساء!

فها أنت تقول في قصيدتك الأولى ( الرحيل إلى اين ؟):

(( ريح صماء تبعثر عباراتي
المسافرة نحو الحزن،
تكتب للطرقات قصصاً تنثرها على رصيف الوهم..! )) ص 2

ثم تنتقل بنفس طائر يجوب فضاء الكون الواسع منادياً بأعلى صوته الذي بحته أوجاع المدمن نحو مساءات الصبايا فتقول:

((.. لو كان رحيلك من ليلى..
فليلى متخمة من رحيقها،
تملأ سلال البؤساء إرجواناً
وزهراً وعشقاً مجنوناُ،
يغزو الشغاف!
ترتوي منه أسراب المهاجرين
نحو الضفاف!! )) ص 4

عبر هذا السفر التصويري تكتب لنا مواجعك التي أتعبتها الرؤى المتلبسة بهواجس الظنون لتملي علينا زفرات الدموع وهي ترسم فوق جبين الزمن ذاك الإحساس الذي جعلك تنطلق كطائر يجوب الأفق ويعزف للوالهين سمفونية العشق الأزلي الخالد!!

هكذا أراك وأنت تصعد من ترقيص لغتك الجميلة فيما تكتبه من مواجع الحزن الذي أراه هاجسك المحرك لهذا العمل الشعري والوله الذي يملأ فراغات فكرك المفجوع بعوامل البؤر التي تتفجر دموية يصطبغ الفضاء بمحسوساتها!

إنها صراحة: بواعث مركبة تدفعك نحو الخلود لما تشير لك بأصابع الخلل الذي يركن في مجتمعاتنا التي تأن ألماً من تلك التي نسميها فواجع الزمن الموبوء بالدماء والدمار.
بهذه اللغة الغنائية المكثفة والتصويرية بحد ذاتها يعبر لنا الشاعر (نوئيل جميل) من خلال مجموعته البكر باللغة العربية التي لم تصلنا غيرها والتي أسماها ((مآتم لأمطار رمادية))، كور فيها شجونه المتجلبب بوابل الدموع والألم إلى مجتمعه الذي يأن مما به من ألم ووجد.
هكذا نلاحظ في نصوص الشاعر وهو يتلو لنا مواويله التي تتجاوز خرائب الزمن المباح ودماء الأرواح المعذبة الغارقة بتفاصيل الدماء وعبثتيها!

في قصيدته (السراب لا يغفو ليلاً) يقول:

((... وهل من نهارات أخر ؟
تطلع بدون سراب،
تملأ أزقة المدن،
وتقرع أجراس الرائحين نحو الأبدية .. )) ص 9

فهو يشير هنا إلى ما يلاحظه في مدينته التي تعج بالدماء، ويخاطب الأرواح التي دقت نواقيسها للرحيل نحو الأبدية، بهذه اللغة والإيقاع الملازم لقدرة الشاعر المبدع ينطلق نحو بناء قصيدته التي تأن هي الأخرى من حالات الزمان المربكة، حتى تكاد تفجر لدى ( نوئيل ) الطاقة التعبيرية ليرسم لنا صوره الجميلة، وبهذا يمكن أن نقول على أن الشاعر يؤنسن حالات الرعب والدمار والموت القسري التي يراها ماثلة أمامه كشبح مرعب إلى وابل من الجزع والحزن وبالتالي ذرف الدموع وإنشاد المراثي للراحلين!

من خلال هذه المدلولات والبواعث التي تحرك الشاعر أرى أنه يكتب بروحية تخترق لب اللب من الأشياء التي يراها أمامه بعبثتيها الدموية التي تنداح من صميم التجربة المؤثرة له ضمن موازين قلقه في هذا المجتمع أو ذاك.

فهو ينطلق إذن من تلك التجارب الروحية التي تعج في فكره وتتشظى دماراً وألماً لما يلاحظه ضمن فعاليات حياته اليومية بما يميزها عن غيرها من الأحداث الأخرى، وهنا يضع حواجزه بين الموت والحياة، الواقع والحلم، الظاهر والباطن، الخاص والعام، وبين الخالق والمخلوق، عليه يدخل الشاعر (نوئيل) ضمن مرئيات هذه الطقوس التي تتداخل شخوصها في مخيلته التأملية والمشبعة بوابل تلك المفارقات المحسوسة لديه، يقول:

((.. المقاهي.. مطاعم المدينة
التي تعج بأفواه نهمه وشتائم
العاطلين عن الحياة،
وصرخات العابثين في صمت الليل
والمسرعين نحو مخادع النساء.. )) ص 10

فهو إذن لا يريد أن يعبر إلى الضفة الأخرى ويترك آلام شعبه ومجتمعه بل ظل يدغدغ بعضاً مما يدور في خلجاته مكوراً عبثية زمنه فوق رأسه ليعبر إلى الجانب الأكثر عذوبة في حياته، فقرأ وصور بعضاً منها!

ففي قصائده التي لا تخلو من مخاطبة المرأة والحبيبة والفوانيس راح يبشر قلمه المثخن بالجراح ببعض منها ففي: (( خطايا، عد نقياً يا يوثام، سأشهد يا نهرو، زمننا قصيدة وغيرها من صوره المبدعة التي يعود بها إلى جراحه متذكراً ألمه الذي ساد العمر كله، فمنذ اول بكاء له حينما ولدته أمه عارياً وهو يستقبل الحياة الدامية وصراعها المر، وعهرها الموبوء بالتردي والانشطار الجرثومي المختبئ بالأرحام المشبوهة يقول:

(( منذ ابتلائي بأول بكاء،
تشبثت بتلابيب النهار،
نهضت مع ذلك المحترق
الذي أصابه الرعاش،
خلعت رداء الخطيئة وخفايا المحرمات،
ومع أول شهقاتي..
ابتليت بجذام العصر.. )) ص 27

فالسمة التي تستوقفك أمام الصور التي يرسمها الشاعر نوئيل هي الانصهار الذي يبديه لنا وهو يؤنسن صوره وعباراته أمام القارئ ويعرضها في معرض صوره الفوتوغرافي، حيث نراه ويراه المتلقي لنصوصه ‘على أنه مزج بين حياته كشاعر وحياة الآخرين من أبناء جلدته في هذا المجتمع الكبير، وهذه ظاهرة تنقلنا على أن نفهم جيداً بأن الشاعر بتدفقه الحار هذا أستطاع أن ينقل لنا الوجه الصحيح لحياة شعبه وأمته!

فالقصيدة هنا تقوم على كشف تسلسلات الحياة بكل ما فيها من بؤس والم وشتات عقلي للحاصدين إلى خيرها والمنفثين سمومها وويلاتها!!

لذا نرى الشاعر يتغلغل في كشف ماهية الأنسان ودوره في هذه الحياة، حيث يتجلى لنا من هذا الكشف الوصول إلى ما وراء اللحظة القاتمة والتقاط بعدها الإنساني العميق!

ويظل الشاعر العاشق لمحبوبته (نينوى) يذكرها بطريقة أو بأخرى، مرة يناغيها بأسم (ارميا) ومرة بوابة الفجر ومرة أخرى أثينا، فيقول:

(( ثملاً حين خطئت ثانية
ملغومة كانت كلماتي
حين أيقظت حماقاتي
صديقتي المجنونة أثينا
الهاربة نحو الوطن المجهول )) ص 13

ثم ينحدر لها انحدار السفينة في الماء الهادر ويقول:

(( شفق أحمر توارى
وشفق آخر أرتدى عباءة دخان
على أجنحة الشفق
هاجر الزمن مع طيور الغسق
منذ حرائق ( نينوى ) أفترش
الموت أرائك الأرض.. ! )) ص 30

بهذه الإرهاصات والصور المركزة يعبر لنا الشاعر ( نوئيل ) عن مراثيه التي يفصح لنا من خلالها عن وجعه المخبوء بين جوانح ذاته الصارخة لما يراه وما يحس به تجاه شعبه وأمته، هذا الإرث التصويري الذي يستله الشاعر من قاموسه المبعثر أمامه والمركون ضمن أجندة مكتبته الماثلة أمامه وهي تومئ له بأن يتقصى أمور بلاده وشعبه بروح ملؤها الإحساس والقيم الإنسانية ليعبر ما يدور في ذاته الحزينة!

ففي كل قصائد هذه المجموعة ( عراة في مهب الريح، مآتم لأمطار رمادية، لا أحد يدري، كوابيس أول النهار، وغيرها من القصائد الأخرى التي لا أريد الخوض في تجليات مضمونها وتشريح جسدها المسجى أمام أنظار القراء بقدر ما ريد أستميل بهم باقتنائها والتوغل في مدلولاتها!

يرخي لنا الشاعر سدوله في ليل القصيدة السرمدي التي يعبر لنا من خلالها عن ألمه وبؤسه لما يهيم به شعبه وأمته!!