الخطاب الصوفي في تجليات القصيد

، بقلم عبد الزهرة شباري

قراءة نقدية في المجموعة الشعرية همس السنين للأستاذ الدكتور أمين عبدالجبار السلمي

عبر هذا السفر من قصائد (نصائح) الشاعر الدكتور أمين عبدالجبار الذي يقدم لنا فيها هذا الوجع الذي يرسم من خلاله وصاياه التي تعبر عما يدركه وما يلمسه من حياة طويلة مليئة بالدموع والحزن وتسلط طغاة عاثوا فساداً بشعبه وأمته، فهو يصور لنا هذه المراثي والغربة التي ما زالت ماثلة في فكره أيام تغربه عن وطنه قسراً!!

بهذه الاستعارات التي امامنا متأنسنة في صور قصائد مجموعته (همس السنين) والتي يستلها من قاموسه الماثل أمام عينيه المسهدتين تلك التي أتعبتها السنين ووجع الشوق لأهله وشعبه!

القصائد التي أنصرف لها الشاعر وهو يصور فيها إنفعاله الذي ألم به سنيناً بإخراج خاص به نابع من عوالمه كمربي وأكاديمي فاضل صهر سني عمره في هذا المجال، فهو يلج هذه المعاناة ويصوغها بإطار النصح والتأكيد عليه كي يرسمها صوراً في أذهان القراء كما يؤدي واجبه عندما يقف قبالة أعزاءه الدارسين ليملي عليهم ما تعلمه في سنيه العجاف، لتكون بالتالي النصيحة الجليلة التي تنقذنا من خطايا الأمكنة والمضادات التي تحبو نحو النفوس الضالة بفعل ما هو طاغ على مجتمعاتنا العربية هذه الأيام!!

فالشاعر هنا يتيه في خلجاته طائراً بين أجواء الكون الواسع ومعبراً عن ما يجيش به فكره الشاعر بما يدور حوله من الأشياء والأمثلة ويمازج بين ما يقوم به البشر على وجه الأرض من فعاليات ومجانسة للمرئيات واختلاط لواحظ هذه المرئيات من صناعة وتحف ومزارع وغيرها من الأعمال الأخرى التي لا حصر لذكرها مع كلماته التي تقطر لوعة وشوق مبرهنا عما يجيش بفكره من وصايا تشكل الدليل الواضح لسيرنا عليه!

فيخاطب كل هذه الأعمال ومبدعيها منذ نشأت الأرض ومجانساً لها مع ما يقوله من شعر وصور، إذن الشاعر هنا يمزج هذه الأعمال اليدوية مع كلماته الشعرية ويضع نقاط التشابه والاختلاف بينهما، لأن الأشياء بالطبع تقوم على المواد واللدائن الأخرى أما قصيدته وكلماته تنشأ عن الفكرة والصورة التي تختلج في فكره الطائر في هذه الخلجات!

لذا نراه يؤنسن هذه الكلمات بعبارة هي الأخرى باقية بقاء الكون، ولأن الأعمال التي يخاطبها الشاعر زائلة ومنتهية لا محالة لأنها تتعرض لعوامل التعرية، أما ما يكتبه فيبقى ما بقي الدهر، عليه وصلت إلى أيدينا ما كتبه الأولون تأكيدا لقول الشاعر:

(( الخط يبقى زماناً بعد صاحبه ---- وصاحب الخط تحت الأرض مدفون))

فالأعمال تتعرى وتصبح لا شيء بما فيها المدن والأبنية والصروح وتصبح أنقاضاً تغطيها الأتربة وتتلاشى بل تبقى أطلالاً يمر عليها المرء ويتذكر كيف كانت، أما الكلمات تبقى تحيى بالشوق وتكابر الزمن وتحيى معه!

فيقول السلمي:

(( أنتم يا من تنسجون من الصوف
ومن الشعر ومن حرير القز
بسطاً وحلياً،
ويا من... ويا من.. ويامن
سيصيب ما نسجتم وما نحتم البلى
وتعمر بالكلمات الباب
ويدركها ذو الحجا،
تحيا بالشوق وتتيه على الدهر.. )) ص 7

ثم ينتقل بقصيدته (الكرسي) إنتقالة الصوفي الذي زهد الدنيا وما فيها، مخاطباً القارئ أن يعي إلى هذا الذي نسميه الكرسي وما به من بلوى، معرفاً لنا مغزاه ومعناه: إنه من خشب أو غيرها من اللدائن الأخرى لكن سحره علينا وما يمليه على أفكارنا من بلاء وغضب!

وهنا يحذرنا من التمسك به وبسحره وترك ما هو أفضل وهو كرسي الله الذي يجلي الأشياء ولها معقبات أخرى سوف يزدهي بها البشر يوم ذاك !!
فيقول:

(( الكرسي وما أدراك ما الكرسي
تجلس عليه ضحى،
وما أدراك أن تمسي ))
وكرسي وسع السماوات العلى
والأرض وما تحت الثرى،
ولا يبقى إلا الكرسي الأعلى،
فتمسكوا بعروته الوثقى )) ص 8

وهذه إطلالة أخرى يقدمها السلمي على طبق من ذهب وهو يؤنسن لنا الحالات التي يجب أن نتبعها ونقضي هذا العمر معها موضحاً لنا ما نراه يومياً من منازل الحياة التي هي خير دليل على انقضاءها ورحيل الأنسان عنها لا محالة !

هذه الوصايا وكما أراها ويراها القارئ مثلي قدمها لنا الصوفي الملتحف بعباءة التقى والزهد الدكتور أمين عبدالجبار ولعمري أنه كد في النصح فيقول في قصيدته (نوازل):

(( هذه تواريخ العباد شواهد،
من كان منهم ميتاً وقتيلا،
هذا كلام الله في آياته،
وذا التراب تسير فوقه سادراً
يوماً يضمك صاغراً ونزيلا )) ص9

هذه القصائد كما يراها القارئ المتفحص تحمل بين طياتها قوة التجربة التي خصبتها المعرفة والأبداع، لذا صرف النفس عما يراه غير مناسب لحياة بائسة منتهية لا محالة شاء أم أبا الأنسان!

معرفة مفتوحة على الحياة مملوءة بالألم والمعاناة والدموع والحزن، فالشاعر هنا يلامس فكر القارئ ويستميله إلى واقع حي لا بد أن يسير عليه في هذه الحياة، إذن الخط الذي سار عليه السلمي في قصائده التحذيرية والتبشيرية بالوقت نفسه هو الخط الصوفي الذي أخذ على عاتقه شرح هذه الصور ودلالاتها التي اراد من خلالها الوصول إلى لب اللب لدى القارئ والمتتبع!!

ففي قصائد مجموعته التي أسماها (همس السنين) والتي تحتوي على أربع وعشرين قصيدة بل نصيحة قدمها لنا السلمي على طبقه المفضل كثير من الوصايا النابعة من فكر صهرته الأيام والسنون وسرت عليه عاطفة الحنين الصادق رغبة منه في تلمس الطريق الصحيح وفرشه بالزهور، وهذا إن دل على شيء إنما يدل على ما هو خبيء في ذات الشاعر الذي سلك درب الحق والأيمان وأراد منا الاهتداء إليه!

فالمتتبع لدى نبرة الشاعر الصوفي وهو يرسم لنا صور هذه المجموعة الجميلة، يرى بعين لا تقبل الجدل بأنه هضم الحياة وعاش وطراً فيها وقرأ ما تيسر له أن يقرأ وكتب لها ولنا الكثير ضمن اختصاصه وتعداه، وعرف فحوى هذه الحياة فلعمري أنه أبلغ في النصح فتمسكوا يا أولو الألباب!

ففي (ينابيع، نغمات، إشراقات، الانتظار، من وحي الطفوف، كنز الحكمة، مشاهد) وغيرها من الصور الأخرى التي لا أريد أن أخوض في شرحها وبيان مدلولاتها بقدر ما ريد أن أجلب أنظار القراء لها أولاً تاركاً المجال لذوي الاختصاص المرور بها والتجول في حدائقها وقطف ما تيسر لهم من زهورها الفواحة!!