اعترافات ظمآى في مرافئ الليل

، بقلم عبد الزهرة شباري

قراءة في المجموعة الشعرية فاكهة العطش للشاعر المبدع تحسين عباس

وأنت تتجول في حواريات الشاعر تحسين عباس أول ما يتبادر إلى ذهن القارئ المتفحص إن هذه القصائد جمعها من هنا وهناك بقصد أن يثبت قدم في تأسيس بناء قد بدءه الأولون في تثبيت نصوص لشاعرات عربية والرد عليهن من قبل شعراء من الجنس الآخر حيث أن النصف الأول لابد له إلى نصفه الثاني وبكل شيء، حيث كان لا بد للشاعر أن يؤسس حضور في هذا الجانب الذي غطته أتربة الزمن الغابر وما عاد ينبش عنه في زمننا هذا فكان حضوراً مميزاً وأعتقد جازماً إن الشاعر المبدع تحسين أستطاع وببراعة أن يمنهج هذه النصوص المشتركة التي تلبست هي الأخرى بجسد واحد وكأنها أتت متسلسلة من شخص واحد وروح واحدة وأسلوب واحد وقد أقول بلا تردد إنها جاءت من فكرة واحدة!

وهذا بالطبع جاء تأكيداً على ما نوه به شاعرنا وما أراد أن يستشف من الشعر علاقة الجنسين روحاً وجسداً في نص شعري يعبر به عن إرهاصات وخلجات وآهات منطوية تحت حس واحد يجمعه في نص مشترك كما سبقه الكثير في مثل هذه المحاولات، وما نقائض الفرزدق وجرير الشاعرين الفحلين إلاً مثال صادق على محاولة الشاعر تحسين عباس، وتاريخ الأدب العربي القديم والحديث مليء وزاخر بهذه النماذج الشعرية وخير دليل على ما تقدم هو ما قدمته الشاعرة العربية ليلى الأخيلية حول هذا الموضوع!

وقد أحاول هنا في هذه العجالة أن أسلط الضوء ولو على جانب معين مما كتبه الشاعر في هذه الحواريات مستسلماً لأرادته المنطوية على الدمج بين مكنونات الحب العذري الذي رسمه هنا في هذه المجموعة الجميلة بالرغم من كونه لم يلتق نهائياً مع أي من شاعرات هذه النصوص المدونة فيها وعليه نحكم بمصداقية ونظافة هذه النصوص وما يعكرها من زيف الحب في أزمنة لا تخلو من الأخطاء، حيث جاءت شوارده ومخاطباته نقية منبعثة من عواطف سامية ونقية!

دعني أيها القارئ أن ألهو هامساً للشاعر تحسين عباس بهذه الخواطر النقدية جاهداً في تشريح جسد هذه المجموعة الجميلة واليسمح لي في أندماجي الفضولي في التعرج لبعض المقاطع الشعرية والرد عليها من قبله

عبثاً تطاول صادحاً في مدار القصائد وأمنيات بلا أجنحة تجوب وديان الأضرحة وتحترق في جدوى الأحلام، ثم تخترق مديات الزمن المكدود بهستيريا الحب المنسي على عتبات ووخز أشواك القصائد المنطوية كالأفعى على خصر غزال شارد بين الكثبان في صحراء روحك المعذبة!

قصائدك الجميلة وشدوك العذب ينطلق من قلب تشبع بعبير الشذا ونفح المواويل وعطر الياسمين وانت تعانق نخل السماوة وترقد تحت ظلاله لتسقي آخر نخلة فيها، يشدو عندليبك راقصاً في محراب العشق الأزلي الذي تكبله أصفاد اللقاء الأسطوري المرتقب والذي نسجته تمائم الصبر في مرآتك الصقيلة.

في مرافئ مساءات الشدو وابتهالات المرايا المخضبة بحناء القصائد يستفيق الفجر على فضاءات كلها أمل وألم على حد سواء، أكانت هذه الحالات حلماً يعتري رقادك وأنت تحتسي دقائق الأمور بين مواويل جاءت بها الرياح من جهات بعيدة أو قريبة لكنها أصرت على الرقاد بين ضلوعك.

وأنت تشذب الكلمات وتعطيها التفرد في قسوة الخناجر لكي تنغرس في جسد بات هجيع الزمن الطاعن بالخوف والعزلة، ينبغي لك أن تحلًق بين مديات الجروح التي ألفت الشدو حول مرايا فراديس الغناء وبين طيات فاتحة الفضول، فعندما تقول صارخاً بكل صوتك معلناً استسلامك لمقاصل الحب وشدوه العذب:

((هلمي إلي ً فما زالت لغتي
تتزاحم فيك ألقاً،
يا قلعة ضادي ومعتكفي،
يا فاكهة حرفي في محبرتي،
لا تئدي وحشتك بالكتمان
حين يشن عليً قلبي شعراً )) ص 15

هذه لمسة من لمسات الحب الأعمى التي أصرت على أناملك المرتعشة وهي تزهر في حقول أزهارك وغابات الصنوبر التي تتحدى العواصف الثلجية في مسارات الوجود، أو هي صحوة من صحوات شاعر أرخى نظرات شدوه الراقص فوق مديات الشفاه وابتساماتها الشبقة !
فها أنت تبوح لأسراب الحمام بهذا الوجع الذي بات رديف خطوك النابع من قلب أفترش اعترافه بالحب وتعاطى التيه من فوهة الذوبان.

ففي حوارياتك التي تسطرها على ضفاف الحب وتسكب فيها من شغاف قلبك الظامئ حكايا الراحلين عبق المسافات التي تفصلك عن من تحب وتناغي، لكنك تزهو في رياح أبت ألاً تذوب في خضم نار أججها الشوق والتمرد نحو الزمن المباح، فعندما تقول:

((.... هكذا رتقنا أزرار اللقاء بعناق الساعات
الثملى بالشوق،
حيث لا زمان لا مكان سجل حضورنا )) ص 26

وهذا اعتراف تسجله على صفحات الليل البهيم مساوراً قمرك الذي يتخفى بين ظلال السحاب الأسود وبات رهين ظلام بعيد!

فها أنت تحاكي الحبيبة وتزهو في حقولها الملتهبة عندما تفترش أزهارها وتقبل مسارات الوصول إليها، ولكن كيف والمسار بعيد!!

لكنك عندما تبتهل صباحا على دفقات أناشيد (خديجة العلاَم) وهي تناغي صوتك العذب بعفويتها الساذجة ورفيف أحرف نشيدها الجذاب، حيث تبوح بسر من أسرارها التي أدركت أنها طيراً تجوب فضاءاتك وتسجل قطاف الثمار التي باتت رديفة الزمن المباح حيث تقول:

((تمزجني رجفة الأحرف،
أنتشي تراتيل المساء وعيون الغافلين،
ترصدني ألهام ينشد
الليل فوق نهودي ! )) ص27

وهنا تتنامى لديك جسارة في تحمل مشاق السفر البعيد نحو خلجات سيرَتها رياح الشتاء نحو فضاءات بعيدة، فتصاعد الحب في ياسمين صدرك وتغنى برائحة النشيد الذي راح يتأبد بروحك إلى الحب الصوفي والروحاني!

وهذا ما أجابت عليه فتافيت (تقى محمد) حينما توغلت في أجابات لأسئلة رددتها إرهاصات حبك الشارد وراء ضباء الصحراء القاحلة وحول عيون المياه في واحات الخلود حيث تقول:

((حينما تلتقط بالرهبة تلابيب روحي بدعوى الشوق،
وتنادم شفاهي العطشى،
عند عتبات تولهي واطراقي الخدر
لنعوتك الطفولية لي
أدركت وأنا أتهجى كيانا ملغزاً
يرتعش لوجع الخيبات
وعيوناً تثمل بإشفاق الذكريات
إنك تجرجر كل الأسباب الأولى
التي أغرتك منذ الصبا،
كما تفاحة حواء ورطتك عند
أعتاب الهرم دون أن تهتدي )) ص30

وهنا دلالة واضحة تشير لها في هذا المقطع عندما تتهجى كياناً ملغزاً يرتعش وجلاً لوجع الخيبات والدهشة، بينما أوجاعك تسير مرتبكة الخطى وهي تجرجر كل الأسباب التي بنت سياجاً عالياً دون من تحب وتهوى، فراحت إرهاصاتك المرتعشة تبني أعشاشاً أمينة منيطة هذا البناء كمثل تفاحة آدم عندما أغرته حواء بقطفها، وبالتالي أصبحت وبالاً عليه دون أن يهتدي، فخرج من فردوسه محروماً، فالتفاحة هنا الحبيبة والحبيبة هي التفاحة التي باتت شقاء ولعنة!!

وفي قصيدة (أمنيات حالكة بالحب) تتغنى (أيلينا المدني) بالحب الذي أصابها بالرصاص وأدمى فؤادها الذي يبتهل بالصوت العذب حاملة آهاتها ووجعها لما تلقته من الشاعر من همسات قلمه الرصاص فتقول:

(( يراودني عن نفسه ببضع كلمات،
يفتح أوراق أشعاره،
يحرك ستائرها،
يكشف عن عريها،
فيزيد في قلبي الآهات،
يصبغها بالأحمر بالوردي
يشكلها أطواق ياسمين
يغرقها بالعبير
وأغرق أنا،
حيث أنا بالسكات
يلاعب بين أصابعه قلم رصاص
فيصيبني بالرصاص )) ص 46

وهذه اعترافات تسجلها الشاعرة أيلينا المدني على صفحات الحب وتبوح للشاعر بها وهو يطرق أبواب مدينتها المرتعشة كأوراق الخريف، وتؤجج فيها حمم ودخان يلف جوانحها ويصيبها بالدوار، حيث تختلج على شفتيها بساتين من القبلات!

إلاَ أن شاعرنا المبدع يقف مهتاجاً والصمت يداعب نسائم الر يح الآتية من بعيد، تخفق بخاطره أسئلة كثيرة طابعها الشوق مندحرة بين كتل من الضباب الذي يلفه ويفقد وجوده، حيث يهديها على البعد قبلاته الوردية المخضبة بالآهات فيقول:

((.... حين تتسلل يدها الترفة
إلى دواتي المولهة بالتدوين،
أهديها باقة قبلاتي،
تضنيني برغوتها السحرية،
ألتحف بعبق منيتها،
تلهمني أحلامي المخفية
فيسلك الشعر لهاثي )) ص 49

بهذه المنادمة العذبة يتيه الشاعر بولهه وأوجاعه الآتية من بعيد والها يرد على نغمات أيلينا المدني وعلى صوتها الهادر بهذه الخلجات ناسياً الحواريات الأخرى التي ثبتها في مقدمة مجموعته هذه، لاهياً بالرد على نغمات وردية قادمة إليه عبر صحراءه القاحلة.
وبتصاعد لهاث إيلينا ووجعها وهي تطل على بوابة الحب، قارئة مواويل الشاعر بلهجة أكثر ضراوة وهي تقتحم الحلم الذي يراودها باللقاء واقتحام قلعته العاجية لتتنسم رائحة صدره الذي يزداد التحاما وحناناً كلما غرقت في بحر أمنياتها فتقول:

(( غني لي،
سأغمض عينيَ بترقب،
لأفتحهما على بوابة الحلم،
أقرعها دون انتظار لجواب،
أجتازها عبر عروق القلب،
تحرك حواسي برائحة صدرك،
بنقرات أصابعك على أغصان ظهري )) ص 50

ويظل الشاعر المبدع يتلقى طعنات إيلينا العربي وحدها وهي تحاوره بهذه الكلمات الدامية المنطوية في قصائدها التي تقطر لوعة وحنان ((بك يبدأ التأريخ، حقيقة الخيال، أقداح الليل، أنا وأنت، فيضان الاعتذار، أهواك بلا حدود)) مستجدية اللقاء الحقيقي بينهما، فيما لم تسجل الأيام أي منها، ولم تلتق الأجساد مرة واحدة فيما إلتقت روحيهما في حواريات كثيرة سجلت حضوراً مميزاً، وبالتالي أرى الشاعر بتجربته الناجحة هذه على قلتها تعتبر إنموذجاً فريداً أعاد القارئ إلى جزء مهم مما كان قد دأب عليه كثير من الشعراء في حوارياتهم ومساجلاتهم التي بقيت خالدة إلى يومنا!!

أهيب بالقراء والنقاد إلى الدخول في معترك هذه الحواريات وتسجيل ما يمكن تسجيله أفاده لدارسينا وللمتلقي على حد سواء، أتمنى النجاح والتقدم لأكثر إبداع لشاعرنا تحسين ومن الله التوفيق!!