النّموذج الإنسانيّ.. في قصص (الخسوفْ) قراءة نقدية في (الخسوف) للقاصّ محمود عرفاتْ

، بقلم إبراهيم سعد الدين

الخسوفْ .. هي المجموعة القصصية الثالثة للقاصّ والروائي محمود عرفات. صدر له من قبل: المريدون (2009) وعلى شطّ الجبل (2003) وهي المجموعة الفائزة بجائزة الدولة التشجيعية عام 2005. وله روايتان هما: مقام الصَّبا (2002) ومشْمش الرابع عشر (2005).

في هذه المجموعة التي بين أيدينا تتجلّى سماتُ الكتابة عند محمود عرفات شَكْلاً وموضوعاً. فالنموذج الإنسانيّ يبسطُ ظلَّه على قصص المجموعة بأكملها، وهو سُداةُ ولُحمة هذه التجربة القصصية. وبساطة السّرْد تقريراً ومُباشرةً هي الصّفة الغالبة على أسلوب القَصّ. ولُغة الحياة اليومية ومُفرداتها المُمْعنة في الخصوصيّة هي وجهٌ من وجوه التَّفَرُّد في هذه القصص وغيرها من قصص الكاتب ورواياته. لكن هذه الملامح والقسمات الفارقة ليستْ خطّاً مُسْتقيماً على طوله دون مُنعطفاتٍ وأبعادْ. فالنموذج الإنسانيّ الذي نُصادفه في ثنايا هذه المجموعة ليسَ نمطاً مُتكرراً بل هو عَزْفٌ على أوتارٍ كثيرةٍ ومُتباينة النغماتْ، ورَسْمٌ لوجوهٍ مُتعددة وإيغالٌ في النّفس البشرية يُثري التجربة ويُغنيها ويمنحها من الزّخمِ والتّنوّع الشّيْء الكثيرْ. وبساطة السّرْد لا تعني التّوقف عند سطوح الأشياء والاكتفاء بالرّصْدِ والتسجيلْ، بل هي بساطة الإدراك الواعي للحدثِ والشخصية والدلالة والمعنى، والا متلاك الكامل لأدواتِ القصّ والتعبير بإيجازٍ بليغ دون فضفضةٍ أو إسرافٍ إلاّ ما ندرْ. ولُغةُ الحياة اليوميّة لا تهبطُ إلى مُستوى الفجاجة والابتذالْ، بل هي على النقيض تماماً من ذلك، ترتقي بمستوى القّصّ وتمنحه دفئاً وألْفةً وطاقةً تعبيريّةً فائقة. كما أنَّ هذه اللغة تَشفُّ أحياناً وترقُّ وتصْفو حتى تبلغَ مُجازَ الشِّعْر.

نحن هنا بإزاءِ بِنْيةٍ قصصية تقليديّة، يتصاعدُ فيها الحدثُ حتى يبلغَ ذِرْوته ثُمّ تهبطُ وتيرتُه وتنفرجُ مغاليقُه رُويْداً إلى أن ينتهي بلحظة التنوير. تماماً كما عهدناه في شكلِ القَصّ النموذجي عند جي دي موباسان والذي سادَ في البواكير الأولى لبزوغ هذا الفنّ القصصي عند روّادنا الأوائل في مصر والعالم العربي. وهو شَكْلٌ من أشكال القَصّ يغلبُ عليه التقرير والمُباشرة، لكنه عند كاتبنا محمود عرفاتْ ينطوي على قدرٍ كبير من الإمتاع والمؤانسة، يُبقينا ـ طيلة الوقتِ ـ مَشدودين إلى النّصّ بشَغَفٍ ودهشةٍ وفضولْ.

في أولى قصص المجموعة (مرآةٌ غائمة) نُصادفُ نموذجنا الإنسانيّ في صورة المُقاتل العائد من جبهة القتالِ في إجازةٍ قصيرة. هو واحدٌ من ملايين البسطاء أبناء الرّيف الذين خاضوا غمار الحَرْبِ واكتووا بنارِها وقَدّموا أرواحهم فداءً للأرض والوطن. وصورة المقاتل تتواترُ في أكثر من نَصٍّ من نصوص هذه المجموعة القصصية. لكنّها تكتسبُ ـ في كُلّ مرّة ـ ملامحَ وقسماتٍ جديدة تُثري هذا النموذج وتحولُ دون تحوّله إلى نمطٍ مُتكرّرْ. في قصة (انتباه) نجد أنفسنا بإزاء ثلاتةِ مُقاتلين يجمعُ بينهم لقاءٌ بعد سنواتٍ طويلة من انتهاء الحَرْب. تُصبحُ الحَرْبُ ـ رغمَ نارها ولظاها ودمائها وما خلّفته من جراحٍ وتشوّهاتٍ بدنيّة ـ ذكرى مجيدة ملؤها الإحساس العميق بالزّهْو والعزّةِ والكرامة. يقولُ أحد هؤلاء الثلاثة وهو يُجرُّ ساقاً صناعية ويعتمد في سَيْره على عصا معْدنية لامعة: تَعْرف أنّ سيادة اللّواء يحملُ نجمة الشّرفْ.. لكنّي أحملُ ثلاثَ نجوم.. ساقْ مبتورة.. وذراعْ عاجزة.. وعيْن واحدة اكتفتْ بما رأتْه قبْل الحَرْب..!! ويقول الرّاوي في نهاية القصة: انْشَغلَ الرّجُلان بالحديث. راقبتهما وهما يتكلمان بودّ.. فانطلقَ خيالي.. مُغادراً المُضيفات الحَسْناواتْ، والأبواب الزجاجية، والحوائط الرُّخاميّة، وأواني المائدة اللاّمعة، والمناضد الفاخرة، والأرضيات المُلوّنة.. لأرى القناة.. الحُلْم الذي تَحقّق.. وتوغُّلُنا نحو الشّرْق في الصحراء الواسعة.. وغُبار المركبات والدّبّاباتْ.. وأصوات الانفجاراتْ.. وغارات الطّائراتْ.. وصَيْحات ا لاسْتغاثة.. والأجساد المشطورة.. والجراح النازفة.. والضحكات الممزوجة بدموعِ الخوفِ والأملْ. وعُدْتُ على عيْني ستارةٌ من دموعْ.. وفي حَلْقي بقايا من رمالٍ ناعمة.

إنه زَهْو المُقاتل حين تكون الحربُ استرداداً لحقٍّ واستعادةً لكرامةٍ وطنية وتحقيقاً لحُلْمٍ بدا أشبه بالمُحالْ. وبقدْرِ ما تأتي نهاية القصّة مليئةً بالإيحاء والدلالة، ومُضيئةً لفحْوى الحدثِ وكاشفةً لجَوْهره، يجيءُ عنوان القصّة أقلّ دلالةً لمضمونها، وكُنتُ أرى الإبقاء على عنوانها الأصلي الذي اطّلعْنا عليه في نسخة المجموعة غير المطبوعة وهو (رمالٌ ناعمة)، بل إنّ هذه العُنوان يبدو لي أكثر ملاءمة كعنوانٍ للمجموعة القصصية، إذ يستحوذ موضوع الحَرْب على قِسْطٍ وافر من أجواء المجموعة، يتصدّرُ أحياناً واجهة المشهد، ويتوارى أحياناً ليُشَكّل خَلْفيَّته، كما هو الحالْ في ثالث قصص المجموعة (رِفْقَة)، التي يتمحور حدثُها الرئيسي حول قصة حُبٍّ لصبيٍّ في مطْلع الصّبا، الذي تتفتّحُ فيه المشاعرُ والأحاسيس على هذا العالم المحفوف بالمحاذير والمحظورات والمُتع المُختلسة؛ عالم الأنثى. غير أنَّ ثَمّة عُنصراً آخر يُثْري البُعْد الإنساني للقصة ويُعمّقُ من إحساسِنا به، وهو اختلافُ الديانة بين الصّبيّ العاشق ومحبوبته. وهي ثيمة نُصادفها أيضاً في قصة (الخسوف) لكنها هنا تحتلُّ حَيّزَ القصة بأكمله وتُشكّلُ جوهرَ مضمونها. هي أيضاً قصة حُبٍّ مُستحيل لاختلاف الديانة، لذا تجيء نهايتها مفتوحةً لكُلّ الاحتمالاتْ، وكأنّ كاتبنا يُشيرُ بإصْبعِ الإدانة وبمِبْضعِ الجَرّاحْ إلى موطن جُرْحٍ نازف دون توقف في جسدِ المُجتمع ووجدانه، جُرْحٍ لا تبدو بارقةُ أملٍ في شفائه. ثيمة الحُبّ المُستحيلْ تُصادفنا أيضاً في قصة (نَجْم غاربْ)، لكنّ استحالة التّحُقّق هنا ليس مرْجعها إلى اختلاف الدّيانة، بل إلى كوْنه حُبّاً من طرفٍ واحدْ. موظّفةٌ بسيطة بإحدى المصالح الحكومية يتعلّقُ قَلْبُها بشخصٍ يتردّدُ على المصلحة لإنهاء مُعاملةٍ خاصةٍ به. ترى فيه فتى أحلامها الذي انتظرتْه طويلاً، وهو غافلٌ تماماً عن هذه المشاعر التي تعصف بكيانِها، حتى يُنْهي مُعاملته ويتسلَّمُ أوراقه فينصرفُ عنها ببرودٍ يُضاعفُ من وطأة إحساسها وإحساسنا ـ نحن أيضاً ـ بعُمْق المأساة. نموذج الإنسان الحالمِ نعثرُ عليْه في قصة أخرى هي (طائر المساء) وهي واحدةٌ من أفضل قصص المجموعة، إذْ يمتزجُ فيها الحُلْمُ بالحقيقة في تناغُمٍ يرتقي بالحدث إلى مستوى الفنتازيا، في تضافرٍ وثيق مع لغةٍ رائقةٍ شَفافة وخيالٍ خصْبٍ وبنيةٍ قصصيةٍ مُتماسكةٍ ومُحْكمة تتسقُ تماماً مع طبيعة النَّصّ. الحُلْم هنا ليسَ تعلُّقاً ميئوساً منه بشخصٍ آخر، وإنما هو استحضارٌ لصورةِ امرأةٍ من وَحْي خيالِ رجُلٍ عجوز من روّاد مقهى المعاشاتْ. صورةٌ يصوغُ فيها الحالمُ كُلّ عناصر الجمالِ التي يفتقدها في واقعه. هذا النزوع إلى الفنتازيا نعثرُ عليْه في قصة أخرى من قصص المجموعة وهي (محمولْ) والتي يتقمّصُ فيها الراوي شخصيّة مَيّتٍ يُشيّعه أقاربه ومعارفه إلى مثواه الأخيرْ. في قصة (الفلوسْ) نموذجٌ إنسانيٌّ لحالمٍ آخرْ، لكنه هنا ليسَ عجوزاً يعيشُ على هامش الحياة، بلْ هو صَبيٌّ ريفيٌّ فقيرْ، يحلمُ بامتلاك نقودٍ يشتري بها الحلوى التي يشتريها رفاقه بالمدرسة ويتعاطونها بتلذُّذٍ واسْتمتاعْ. ولأنه ابْنُ واقعٍ فقيرٍ ومحرومٍ من أبسط حقوقه، فإنّ حُلمه يُجهضُ تحت وطأةِ الواقعِ الجائر وسَطْوته التي لا يَمْلكُ منها فكاكاً. هو حُلْمٌ شبيهٌ بحُلْمِ الصّبيّة التي تقفُ على طاولة بنادق الرّشّ في أيّام الموالد والأعيادْ، والتي يُصادفها الراوي الملولْ في قصة (تَلَصُّصْ) وهي أيضاً إحدى أفضل القصص بالمجموعة. يصفها الراوي بقوْله: هي سيّدةٌ صغيرة تُغطي رأسها بطَرْحةٍ تكشفُ نِصْفَ شَعْرها المصبوغِ بالأصفر المُتدرّج إلى الأحمر. تقفُ على مُدرّجٍ خشبيّ صغير، يجعلها تعلو على كُلّ من يقفُ أمامها. تَميلُ لتُقدّم البُندقيّة للشّابّ فيندلق ثَدْياها من تقويرة الثوبِ الواسعْ. تتباطأ لحْظةً لتمنحَ الشّاب فُرصَةً ليتأمّلَ كُرَتَيْها المُكتملتيْن في فضاءِ صَدْرها.. ثُمّ تمُدُّ يدَها لتأخذ النقودْ.. وبإشارةٍ من إصْبعها يدفع الشّابّ علاوةً إضافية وهو راضٍ... تُراقبُ اللاّعبَ بطَرْفِ عَيْنها.. فإذا أخفق أغوتْه بكلمةٍ واحدةٍ مغموسةٍ بعسلٍ خَفيّ: دورْ كمانْ..!!.

إنّها لُقْمة العَيْش، الرّكْضُ الحثيث خلف ما يُقيم الأودْ ويُبْقي نبضَ الحياةِ في هذه الأجساد الفقيرة. في لَقْطةٍ لعلّها هي الأعمق والأبلغ دلالةً في هذه القصة ورُبّما في بقية القصص تتحوَّلُ هذه الفتاة المُتهلّلة الوجه التي تتفنّنُ في إغواء الزبائن واجتذابهم لِلُعبة "النّيشان" إلى كيانٍ مكدودٍ من الإعياء والتعبْ ووَجْهٍ مُرهقِ الملامح تطفو على صَفْحته كُلّ مشاعر التعاسةِ والبؤس. يصفُ الراوي المُتلصّص هذا المشهد بقوله: انفلتتْ السيدة الصغيرة وتوارتْ في دِرْوةٍ خلفَ النّصْبَة. تحرّكْتُ قليلاً لأتابعها في مَكْمنها. انْهَدَّتْ على الأرْض وهي تنفخُ في زَهَقْ، وأخذتْ تلُمُّ شَعْرَها الذي تبَعْثرَ على كتفيْها رغمَ الطّرْحة. مَدّتْ يَدَها وفتحت لفّة صغيرة. بدأتْ تأكلُ فغمرني خجلْ.

نُصادفُ هذا النموذج الإنساني البسيط الذي تتواضَعُ أحلامُه وطموحاته لتنحصرَ في لُقمةِ عيشٍ تُبقيه على قيد الحياة في قصة أخرى هي أيضاً من أجود قصص المجموعة، هي قصة (شهيد وحفيدْ)، لكنّ بطلة القصة هذه المرّة ليستْ فتاةً مُغْوية وإنما هي عجوزٌ تفترشُ رصيف الميدانْ ـ ميدان التحرير ـ في عِزِّ البَرْد، لتبيع بضاعتها البسيطة من بكراتِ خيْطٍ ودبابيس مَشْبكٍ وإبرْ خياطة وكتبٍ قديمة بأغلفةٍ ملوّنةٍ باهتة. تجلس على رصيف الميدان وقلبها ملهوفٌ على حفيدها الذي جَرَفه تيّارُ المظاهرات فتركها وحْدها وذابَ في جَمْع المُتظاهرين. همُ الفقراء وقود كُلّ ثورةٍ من أجل حرية الإنسان وكرامته، ووقودُ كُلّ حَرْبٍ من أجل استقلال الوطنِ وأمنه وعزّته.

في قصة (أنشوطة الوَجْد) نجدُ أنفسنا بإزاءِ نموذجٍ إنسانيٍّ مُختلف، هو الانتهازي المُتسلّق الذي يدفعه طموحه إلى السُّلطة للتّجرُّدِ من كُلّ القيمِ والأعرافِ والمبادئ. وينتهي به طموحه إلى علاقةٍ نسائيّةٍ جامحة تُدمّره في النهاية. هو مثالٌ حَيّ للبطل التراجيدي الذي يحمل بذور مأساته في داخله. ورغمَ أنّ صياغة القصة وإيقاعَ السّرْد بها جاءا مُتسقيْن مع موضوعها إلاّ أنه يعيبُها بعضُ الإسهابِ والتفصيلِ غير المُبرَّريْن، ممّا أضرَّ ببناء القصة وتماسكها. وشبيهٌ بهذه القصة ـ في استطراداتها غير المُبررة وتفاصيلها غير الضرورية قصة (الحوض اللاّمع) التي تجسّدُ أزمة نهايات العُمرِ بين زوجٍ وزوجته. لكنّ هذه الملاحظة لا تنتقصُ كثيراً من القيمة الفنّيّة لقصص المجموعة، فهي تُمثّلُ استثناءً لا نُصادفه في بقية نصوص المجموعة، وهو الاستثناء الذي يُثبتُ القاعدة. والقاعدة هي أنّ محمود عرفات قَدّمَ لنا مجموعةً قصصيةً بالغة الجودة، تتنوّعُ نماذجها الإنسانية في طيْفٍ واسعٍ من الشَّخصيّات القصصيّة، وتتباينُ ملامحها وتتعدّدُ مشاربها وتختلفُ انتماءاتُها وطموحاتها وأحلامها. وقد قدّمها لنا عرفاتْ من خلال صياغةٍ مُحْكمة وبِنْيةٍ مُتماسكة ولُغةٍ تعبيريةٍ تُجسّدُ واقعنا المعاشْ وحياتنا اليوميّة، فتقتربُ حيناً من حوارات العامّة، وترقُّ وتعذبُ حيناً لتبلُغَ مشارفَ الشّعر، وهي في الحاليْن لُغةٌ ذائبةٌ في نسيج العمل القصصيّ ومتوائمة مع طبيعةِ أحداثه وشخصياته وأجوائه.