قراءة في رواية

صيدُ البطَّ البرّي للروائي محمود سعيد كاظم حبيب

ما إن تقرأ عنوان هذه الرواية للكاتب والروائي المبدع الأستاذ محمود سعيد حتى يخيّل لك أنك ستقوم برحلة مع مجموعة من الأصدقاء لصيد البط البري في أحدى الغابات أو المناطق التي تعيش فيها هذه الطيور الجميلة. ولكن ما أن تبدأ بقراءتها حتى تفاجأ بمسألة أخرى بعيدة كل البعد عن رحلة ممتعة لصيد البط البري، بل يضع الكاتب القارئ والقارئة أمام فاجعة كبرى، أمام مأساة إنسانية مريعة، أمام عملية صيد وقتل مباشر وخارج القانون للبشر العراقي, لأبناء وبنات الحضارة البابلية.

وحين تبدأ بقراءة هذه الرواية الإنسانية القيمة "صيدُ البطِّ البرّي" تجد نفسك غير قادر على تركها، فتواصل القراءة حتى تنتهي منها وأنت مفجوع بأحداثها المريعة وعواقبها المريرة وعمق تعلق الكاتب بحب الإنسان وحياته وكرامته. ستجد نفسك بشكل عفوي أمام استنتاج أساسي لا مفر منه: كانت الحروب في الماضي وما تزال حتى الآن وستبقى أفعالاً غير إنسانية مدمرة للحياة البشرية ومخربة للحضارة الإنسانية، كما إنها تتسبب في العيش بكوابيس مرهقة لا حصر لها للشعوب، وإن الإنسان الذي عاش أحداثها يبقى يعاني طوال عمره من كوابيس منهكة للصحة والنفس. وتجارب الشعوب والأفراد تؤكد بأن كوابيس الحروب مريعة، متفاعلة، متداخلة ومنغصة لعيش الإنسان، ولن تفارقه رغم معالجات الطب النفسي.
كما يتأكد لك بأن حطب الحروب أو وقودها هم الناس الأبرياء، وليس الحكام الأغبياء والأوباش الذين يزجون شعوبهم بتلك الحروب أو يشعلونها لتحقيق أهداف غير إنسانية. ولا شك في أن حروب العراق كلها تدخل في هذا السياق، سواء كانت تلك التي أشعلها النظام ذاته في الداخل والخارج، أم تلك التي أشعلتها الولايات المتحدة ومن تحالف معها لـ"تحرير الكويت" في العام 1991 أو لإسقاط الدكتاتورية في العام 2003. والحروب بالمحصلة النهائية لا تحل أية مشكلة قائمة حين يعتقد مشعلوها بقدر الحرب على حلها، بل العكس هو الصحيح، إذ تزيدها تعقيداً وتضيف إليها مشكلات جديدة، كما تخلق جروحاً عميقة تترك ندبها العميقة طويلاً في العلاقات الإنسانية بين الشعوب.

رواية "صيد البط البري" تعتبر واحدة من أروع روايات محمود سعيد التي يعالج فيها بعض أبرز العواقب الوخيمة والمفجعة لحرب الخليج الثانية (1991) وما نشأ عنها وارتبط بها فيما بعد في حرب الخليج الثالثة (2003) ضد العراق. إنه تسجيل أمين وذكي ومؤثر لعواقب حربين ما كانتا ينبغي أن تحصلاً، وما كان للشعب العراقي أن يعاني منهما، إضافة لما حصل بينهما، وما يعاني منه منذ سقوط الدكتاتورية حتى الآن. إن ما نقرأه في الرواية هو البعض البارز من عواقب تينك الحربين.

تقدم لنا هذه الرواية إنساناً عراقياً طبيعياً تخرج من كلية اللغات وجُند بالرغم منه، وكبقية العراقيين، في القوات المسلحة العراقية التي اجتاحت واحتلت الكويت في العام 1990 بعد أن كان العراق قد خرج لتوه مثخن الجراح من حرب مجنونة ضد إيران دامت قرابة ثماني سنوات. وجد المواطن المجند منصف نفسه في الكويت ضائعاً بعد غزو جنوني. تعرَّف على التذمر الذي شمل كل مواطني الكويت والعاملين فيه من العراقيين والعرب وغير العرب. شاهد بأم عينية كيف كان يمارس السلب والنهب في الكويت. ولكن كان مفجوعاً بما كان يحصل والعواقب المحتملة. لم يطل فيه المقام حتى وجد نفسه مع مئات ألوف العراقيين الجنود والضباط وغيرهم في عملية هروب جماعية من الكويت صوب العراق.

وجد منصف نفسه في وسط ألاف الجنود والضباط الهاربين من الجحيم المرتقب. كان تهديد القائد العسكري الأمريكي صارخاً: سنصطاد العراقيين كما نصطاد البط، هكذا نقل راديو مونت كارلو تصريح هذا القائد. وهكذا كان على الطريق الدولي الصحراوي الطويل باتجاه الأراضي العراقية. كانت أصوات وبيانات الدعوة إلى الهروب تسمع وتقرأ في كل مكان تذيعها وتوزعها القوات الأمريكية.

ابتعد منصف بمعطفه العسكري وبسطاله الثقيل عن الطريق العام وسار بالاتجاه الصحيح وهو يغوص ويتعثر في رمال الصحراء. هده التعب وأنهكه الجوع ومع ذلك واصل السير. ربض في حفرة بعيداً عن الطريق الدولي. غفا قليلاً. استيقظ على اهتزاز الأرض كزلزال شديد. "رفع رأسه، ارتقى تلة وحدق بالشارع، استخدم ناظوراً عثر عليه في الطريق بعد أن تخلص منه صاحبه. "رأى لهباً يمتد عشرات الكيلومترات على طول الطريق الدولي. يعلو، يحرق الظلام. انفجارات جبارة، شظايا تتناثر على بعد مئات الأمتار، سقط بعضها مدوياً على بعد مئتي متر منه، بالرغم من بعده أحس بالخوف. ماذا يعصمه من شظيّة ضالّة!". (ص 10) هكذا يصف لنا محمود سعيد حالة الجندي منصف الهارب من الكويت. رأى منصف "أسراباً هائلة من الطائرات ترمي حممها. قذيفة تقسم شاحنة عسكريّة قسمين، يتطاير العشرات من فوق السّيّارة، ينقذفون إلى الأعلى، تلتهمهم النّيران، يحرّكون أيديهم وأرجلهم كأنهم يسقطون من علٍ. طفل يلتهب، يرتفع نحو ثلاثة أمتار، ثم يسقط، سيّارات مدنيّة تغرقها النّيران، تنفجر، يتطاير زجاجها، أبوابها، ما فيها، من فيها. مئات آلاف النّاس يحترقون على طول الطّريق، ينقذفون في الهواء كأنهم تماثيل خشب. كاد يتقيّأ.. ظلت الطائرات تلقي بالقنابل ، بالمتفجرات، بالوقود حتى بداية ضوء الفجر .. عندئذ بدأت الطائرات السمتية بقنص من بقي حياً: جنود، مدنيون، نساء، أطفال، كما يقنص الصياد ضحاياه." (ص 10) أليس هذا جحيماً فعلياً نفذته القوات الأمريكية ضد العراقيين والعراقيات، أطفالاً ونساء وشيوخاً عجزة.

السؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو: إذا كان الضباط والجنود يهربون بأعداد غفيرة من الكويت باتجاه العراق، عشرات الألوف منهم سيراً على الأقدام وبعضهم في عربات، الكثير منهم ترك سلاحه ولم يعد قادراً على القتال ولا يرغب به أصلاً، فلماذا استخدمت دول التحالف القذائف المحتوية على اليورانيوم المنضَّب في عدوانها على العراق في العام 1991؟ لماذا استخدمت هذه القذائف ضد أهداف مدنية وضد البشر الهارب من الكويت والذي لم يعد في أتون المعركة؟ ألم يكن هذا بمثابة انتقام وحشي من العراقيين والعراقيات لأنهم، كما قال قائد العمليات العسكرية في العراق حينذاك شفارتس كوبف, انتخبوا صدام حسين مدى الحياة؟ وهل حقاً انتخب سكان العراق هذا الدكتاتور الأرعن أم إن قمع النظام وإرهاب الدولة هو الذي فرض عليهم صدام حسين؟ إن ما حصل على الطريق الدولي كان مجزرة بشرية مرعبة، مجزرة نفذتها الولايات المتحدة مع سبق إصرار وتصميم! لنقرأ معاً وصفاً لأرض معركة تدور من طرف الولايات المتحدة ضد عزل هاربين من الجحيم، كما كتبه لنا محمود سعيد:

"غادر مخبأه، اقترب من الشّارع، كاد يتقيّأ ثانية بالرّغم من جوعه، ماتزال الدماء تسيل من بعض الجثث، لكنّ بعضها بات أسود، السّيّارات، الجثث، عشرات آلاف العائلات متفحّمة في سيّاراتها، خارج السّيّارات. رجال، أطفال، نساء، جنود عرفهم من أحذيتهم الكبيرة المميّزة، لم يبق منهم سوى أجساد متفحمّة قرب حدائد سلاح كانوا يحملونه. الوجوه تماثيل من الفحم. عظام سود. لم يدرِ لماذا كانت عيون بعضهم بارزة ومتفحّمة، توقّف. ما هذا؟ لا، لن يصدّقني أحدٌ لو رويت له ما أشاهد الآن. رجل وراء مقود السّيّارة، كلّه من الفحم، يلتفت إلى اليسار، الشّبّاك حديد فقط، ليس هناك زجاج، كلّ من في السّيّارة متفحّم، هيكل امرأة في المقعد الأماميّ مع السّائق، ثلاثة أطفال في الخلف، لماذا كلّهم منحنون نحو الأسفل؟ مقاعد السّيّارة محترقة. حديد أسود. نوابض سود، أجساد بشريّة سود، السّائق وحده تمثال فحم منتصب ينظر إلى اليسار؟ أفاجأه اللهب فأحرقه وجمّده كنصب منحوت؟ يا لعذابه! لماذا ينظر إليه؟ الكرتان السّوداوان اللتان كانتا محجريه بارزتان، خارجتان من الجمجمة، تلمعان في ضوء الشّمس، من يصدّق؟ عينان متفحّمتان لامعتان في جُمجمة متفحّمة! في حافة الطّريق الدّولي المبلّط وعلى بعد متر واحد، اثنان تغطّي الرّمال رأسيهما، أيديهما وحدها تتمرّد على الرمال، مرتفعة متفحّمة مع أصابعها، هل نبشت القنبلة الرّمال ودفنتهما؟ سيارة يبدو سائقها كاملاً، كلّه من الفحم حتى شعره، يغطي نافوخه، كباروكة صغيرة، عيناه مفتوحتان، فمه مفتوح على أسنان كاملة قاومت اللهب، لم يحترق شيء منها، كفاه وحدهما على "دشبول" السّيّارة مستريحتان متفحمتان، حتّى ملابسه كما هي لكنّها من الفحم. جنديّ بملابسه، قتله الّلهب وطلاه بالسّخام. عينان مفتوحتان. فم مفتوح. شاربه كما هو، شعر رأسه باقٍ كاملاً لكن كل ذلك من فحم. سبعة جنود ببطانياتهم وملابسهم، أحدهم قرب الآخر، ثلاثة جنود مدفع مضادّ للجوّ متكومين على بعضهم متفحّمين، لماذا معظم المتفحّمين بلا رؤوس؟ مئات سواق السّيّارات العسكريّة متفحّمون في مكانهم، عشرات آلاف الضّحايا من فحم، منبثّون على الطّريق المبلّط الدّولي وجناحيه من الرّمال الشّاسعة كأن الصّحراء أنبتتهم، وزّرعتهم بعبثية، ومن دون نظام في أرض تمتد عشرات الكيلومترات." (ص 10/11)

وحين وصل إلى بغداد بعد عذاب مرير وجد بيت والديه فارغاً. أخبرته أخته والبكاء يشل نطقها، إنهما قتلا في "مخبأ العامرية مع جمهرة كبيرة من البشر البريء الذي "راح يبغي نجوة من هلاك فهلك! مصائب متتالية شملت ملايين البشر بالعراق.

يا لبشاعة جرائم الحرب المرتكبة, جرائم إبادة جماعية وضد الإنسانية، يا لفظاعة الهدف الذي سمح بقتل عشرات ألوف البشر في يوم واحد لا غير... هل يمكن لإنسان يرى كل ذلك أن لا يصاب بعلل نفسية، أو أن يبقى سالماً معافى، أو أن لا يصاب بكوابيس تفسد عليه حياته وتقوض كيانه؟ وهل من المستغرب أن يتكرر العيش مع هذه الكوابيس في الليل والنهار، وبالتالي أن يسرح وهو يقود عربته بسرعة فائقة فتصطدم بعمود كهربائي محاولاً في اللحظة الأخيرة تجنب إصابة امرأة وطفليها بموت محقق؟ إن الاختصاصيين يطلقون على حالة منصف بـ "صدمة ما بعد الحرب"، وهي لعمرى أقسى الصدمات المنغصة لعيش الإنسان الذي يرت كل تلك المآسي ويبقى على قيد الحياة!

إن منصفا ليس إلّا نموذجاً لعشرات الآلاف من العراقيين الذين يعيشون كوابيسهم اليومية في أعقاب حروب متتالية وحصار وموت جماعي خلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين وما بعدهما.

لم تكن القوات الأمريكية وحدها شرسة وقاسية مع الشعب العراقي ومع المجندين على نحو خاص، بل كان النظام العراقي شديد الشراسة مع الشعب العراقي وشديد القسوة قبل الحروب وإثنائها وما بعدها. فالجندي أو الضابط الذي ينجو من الموت أثناء الحرب ويتراجع ويعجز عن حمل سلاحه بسبب الجوع والإنهاك وفي حالة هروب جماعي من قوات العدو التي تطارده، يجبر عملياً على ترك سلاحه, ولكنه يحاسب ويحكم عليه بالموت. هذا ما تشير إليه الرواية في الحوار التالي بين مجموعة من الجنود وضابط عراقي، بعضهم يريد الذهاب إلى الولايات المتحدة:

"توقّع كمعظم النّاس، العاديّين، المثقّفين سقوط الحكومة بين لحظة وأخرى. إن تغّيرت الحكومة فلم الذهاب؟ ردّد غير واحد ذلك. لكنّ الجميع فوجئوا باتّفاق خيمة سفوان مع الأمريكان. هتف أحدهم بألم: "سيبقى الوضع، لن يتغيّر." "سيعود كلّ شيء إلى ما كان عليه" "التّغيير حلم، بعيد المنال" أحسّ بخسارة مضاعفة. حتّى وفاة والدّيه لم تدخل البؤس إلى قلبه، أصابته بحزن عميق فقط. لكنّ بقاء الوضع خلخل كيانه. هتف أحدهم بلوعة: "بعد كلّ التّضحيات، والموت، والحرق والدّمار سيبقى السّيف مصلّتاً على الرّقاب". اجتثّ خبر الخيمة ما تبقى من فرح، سعادة، أمل في الحياة. أحسّ أنّ الشّؤم ساد في جوّ المقهى ثقيلاً، قاتلاً. لكنّ أحدهم نظر بغتة إلى الصّورة المعلقة على الحائط، هتف بسخرية: أهلاً! أهلاً بالنّشمي! ضحك غير واحد. علّق أحدهم: أسد عليّ وفي الحروب نعامة.

- منصف؟

التّفت إلى الدّاخل، شخّص المتكلّم، عميد تقاعد قبل الحرب ببضعة أشهر. رآه بين حين وحين من قبل في غير مناسبة، أوّل مرّة يتكلّم معه، كيف عرف اسمه؟ في الوقت نفسه دخل المقهى كهل حنطيّ اللون، متوسط القامة، لم يتجاوز الخمسين. شعر وجهه لم يحلق لبضعة أيام، سروال كحلي وسترة جلد، ملامحه حزينة، وقف قرب مسطبته. أجاب منصف: "نعم". جاء صوت العميد قويّاً مباشراً من زاوية المقهى. هتف: "أنت مازلت جنديّاً. أين سلاحك؟". ارتجّ على منصف: لا أدري تركته في قلعة صالح. لماذا؟

ستُستدعى وتُسأل عنه، ستُحاسب أنت وغيرك.

ارتفع غير صوت في المقهى: أبني جنديّ. أخي جنديّ، أولاد أخي جنود، ألآلـ..
قاطع العميد: كلّهم سيُسألون عن السّلاح، القانون نفسه موجود قبل الحرب وبعدها، مادام النّظام باقياً سيحاسبون، سيُعاقبون، سيكون مصيرهم الإعدام أو السّجن، قانوناً هم متخاذلون، يعني جبناء، يعني إعدام أو سجن إن رأف بهم القاضي، أعدم عزّة الدّوري أكثر من ألف منسحب من المحمرّة." (ص 14)

منصف، الذي هاجر إلى أمريكا بواسطة مكتب الهجرة التابع للجيش الأمريكي، يعيش في الولايات المتحدة حياة معقدة, يعيش الماضي بكل حذافيره ومآسيه يومياً، وحين يجد الفرحة في الجنس أو اللقاء بأصدقاء له ولو لساعات، تعود إليه الكوابيس، وكأنها تنتقم من سعادته القصيرة، فيصرخ إلى الحد الذي يرعب النساء اللواتي يمارس الجنس معهن. يهربن مرتاعات من صراخه ولا يعدن له، رجل يعيش الرعب الوحشي. واحدة فقط عشقته ووافقت على العيش معه، إنها حليمة، ولكنها لعوب!

رواية صيد بط بري لا تقدم لنا طريق الآلام والحزن والأسى في حرب "تحرير الكويت" حسب، بل وتجعلنا نقف غاضبين أمام مأساة "ملجأ العامرية" الذي قصف بقنبلتين "وزن الواحدة ألفا رطل، اخترقتا سقفاً بسمك يزيد على مترين" حيث قتل فيه 400 إنسان معظمهم من النساء والأطفال والمسنين، مبنيهم والد ووالدة منصف"، إضافة إلى ما أعقب حرب الخليج الثالثة من جرائم بشعة ارتكبتها القوات الأمريكية ورجال الأمن الأمريكيون في سجن "أبو غريب". هكذا كانت الولايات المتحدة في قنابلها النووية على هيروشيما ونغازاكي وفي حربها ضد الفيتنام ويوغسلافيا، وكذلك بالعراق.

لقد دوختنا الإدارة الأمريكية بدعايتها الباهتة عن حقوق الإنسان والقيم الحضارية الحديثة، وإذا بها ترتكب أبشع الجرائم بحق السجناء، بغض النظر عن الجرائم التي ارتكبها هؤلاء السجناء، فهم أمانة في عهدة القوات الأمريكية ويفترض أن يحاسبون أمام القانون، وإذا بهم يسامون سوء العذاب من تعذيب نفسي وجسدي يفوق ويتماثل مع ما كان يرتكبه صدام حسين. وقد تعلمت أجهزة الأمن العراقية الجديدة و"المؤمنة بالله والرسل والمعصومين من أهل البيت والآخرة!" من تلك الأجهزة الأمريكية وأجهزة الدكتاتور صدام حسين الكثير من أساليب التعذيب الوحشية التي تمارس ضد المعتقلين والسجناء في الوقت الحاضر.

والكاتب لا يقدم لنا صورة مفصلة وأمينة عن عواقب الحروب ومآسيها الفردية والخاصة، بل ينقل لنا لوحات عميقة المعاني والأبعاد عن نماذج من العراقيين والعراقيات الذين يعيشون الغربة والصراع الداخلي من جهة، والاختلاف ما بين ثقافتين وانعكاسات ذلك على تصرفاتهم الشخصية، رغم وجود قيم عامة وشاملة. فحليمة المرأة العراقية المتزوجة ثماني مرات هي عاشقة مولهة بمنصف وتشتعل فيها نيران بابا گرگر في داخلها (آبار النفط السطحیة فی كرکوك). والحوار التالي بين حليمة ومنصف يعبر عن التحولات التي تطرأ على الإنسان حين ينتقل من ثقافة ليعيش في أجواء ثقافة أخرى أكثر تحرراً وامتلاك الفرد لحريته، مع بقاء الخشية التي تحيطه بسب المحيط العراقي القريب منه:

"قهقهتْ ساخرة: "شرب الخمر و "باب گرگر " "أشارت إلى وسطها العاري" وتديّن؟ أنت منافق." ظلّ يحدّق فيها! تطالبها عيناه بالتّوضيح. مدّت ذراعها، حددت نحو خمسة وعشرين سنتمتراً من ساعدها، قالتْ: "أضحّي بهذا الطّول." نظر إليها شاكّاً، مدّ ذراعه، وضع أصبعه على منتصف ساعده: "بهذا الطّول؟ "هزّت رأسها، وهي تخرج ذؤابة لسانها متلمّظة: "نعم". انفجر ضاحكا: "منذ متى وأنت تعاشرينه؟". ردّت جادّة: لم أعاشره قطّ. تزوّجنا. طلّقته بعد ثلاث سنوات زواج، ثمّ تزوّجت المكسيكيّ خمس سنوات، عندما سمع أن المكسيكيّ طلّقني، جاء مستعطفاً، لم أدخله بيتي. ظلّ يتوسّل، حتّى أقنعني بالزّواج مرّة أخرى. لم أعاشر أحداً من دون زواج سواك.

وقف خلفها، أخذ يفرك كتفيها العاريين: "لماذا طلّقته؟". أمسكت يمينه، قبلتها: ضرب ابنتي، طردته، ثم طلّقته، لكنّا ظللنا أصدقاء". لم يقتنع، سأل ضاحكاً: "والمكسيكيّ؟". أجابت حالاً: "ظنّ أنّني أخونه." وضع خديها بين كفيه: "أفعلتِ؟". ارتجت، تحرك ثدياها: "بالطّبع لا، الخيانة زنى، حرام". ابتسم: "لكنّا كنا نلتقي". انفجر ضاحكاً، حدّقت به مستغربة: "عندما يسافر فقط".

- أليست هذه خيانة؟

- أنت وحدك.

ابتسم وهو يهزّ رأسه: "الزّنى معي إخلاص، ليس خيانة؟". أغمضت عينيها: "إنّه موضوع آخر". جلس، أخذ ينقر على المنضدة، ويشرب الشّاي: ما هو؟

- يخونني مع أخريات.

- أأنت متأكّدة؟

- نعم.

- لماذا لا تصارحينه.

- لا أملك الدّليل." (ص 57).

وحين التقى في بيت صديقه بكر بفتاة من شيكاغو أثناء احتفال بعيد ميلاد صديقة لها، راحت إليزابيث تغازله منذ النظرة الأولى وتعبر عن حبها له بعفوية رائعة وعشق معلن، وهي الوحيدة التي تولع بها حقاً وربما رغب بالزواج منها، لولا الخشية من كوابيسه وصراخه الذي لم ينفعه الطبيب النفساني كثيراً.

ثم التقي بتلك العاملة المكسيكية التي تتجنبه أثناء عملها ورفضت العلاقة به، ولكن حين تجنبها لاحقته والتقت به ومارست الحب معه، ولكنها لم تحتمل صراخه أثناء النوم حتى أجبرته على مغادرة دارها ولم تعد إليه، إنها الكوابيس المرعبة التي يعيشها باستمرار.

تقدم الرواية لنا جوانب أخرى من الحياة في الولايات المتحدة، عن الحب والحركة وحياة الناس. تقدم لنا لوحات منوعة عن تضامن الملايين مع الشعب العراقي ضد الحكومة الأمريكية وقراراتها بالحرب والتجويع وعن تخلف العراقيين والعرب عن المشاركة فيها.

تبدأ الرواية بالربط المحكم والسلس بين الكوابيس والارتطام بالعمود الكهربائي ومديرة الشركة التي يعمل فيها. بسر المرأة الصارمة التي أطلقوا عليها مسز تاتشر".، المديرة التي زادها صرامة وجهامة تلك اللصقتان اللتان وضعتهما على خديها فزادها قبحاً، رغم رشاقتها وقدها الجميل وشعرها الأشقر. وكان الجميع يعتقد بأنها أمريكية أو من أمريكا الجنوبية. وفاتحته بالحادث الذي ارتكبه وهو غاطس في أحد كوابيسه. ساعدته لينجو من العقوبة ودفعته للاستقالة من العمل لتشغله عندها ولو لفترة. التزم تعليمها الضرب على الحاسوب الإلكتروني مقابل أجر مغري. وفي بيتها فوجئ بأنها عربية وتريد تعلم الضرب على الحاسوب بالعربية واسمها سناء وإنها جميلة جداً. اكتشف ذلك حين دعوته إلى عشاء في مطعم فاخر فلم يتعرف عليها لولا صوتها. وكانت قد رفعت اللاصقين عن خديها الجميلين. أدرك سبب جمال ابنتها فجر التي رأى صورتها في بيتها. وتساءل مع نفسه، لماذا كانت تمارس لعبة اللاصق على الخدين ولا تكشف عن هويتها العربية وتمارس القسوة والصرامة رغم رقتها وعذوبة صوتها؟ هل كانت خشية من ملاحقة ومضايقة العرب لها أو غيرهم لجمالها، أو التخلص من محاولات التقرب لها للحصول على مكاسب في العمل أو الجنس؟ لا أحد يدري.
والرواية تنتهي بمفاجأة أكبر من البداية، بدراما فعلية, بمأساة شخصية لسناء، لكنها كانت قد حسبت لها وتوقعت ذلك حين طلبت منه أن يكون عونها حين تحتاج إليه. وافق. اكتشف إنها حين استقالت من عملها في الشركة لم تعمل في الخليج كما أخبرته، بل نجحت في اختبار العمل مع القوات الأمريكية بالعراق، وإن تعلمها العمل على الكومبيوتر والكتابة على الحاسوب بالعربية لم يكن إلا بهدف العمل بالعراق. وكان يعتقد إن عملها في الخليج سيجلب لها المال الكثير، وإذا بها تعمل مع الأعداء الذين رفض هو العمل معهم حين خير بين البطالة والتسكع والعمل مع القوات الأمريكية كمترجم وبراتب كبير جداً لا يحلم به. كانت المفاجأة حين اتصلت ابنتها به راجية منه مساعدتها، وهو الذي أوعد أمها بمساعدتها عند الحاجة. وحين التقت به أخبرته بالمفاجئة الكبيرة، أمها سجينة في سان دييغو بعد أن صدر الحكم عليها من محكمة عسكرية بسبب أسرار سربتها من العراق. وإنها الآن بحاجة إلى مساعدته. وعرف منها إنها ملاحقة وتحتاج إلى مساعدته، وأن هناك من اتصل بها يريد رؤيتها سراً وفي وقت محدد. إنها مفاجأة كبيرة ومليئة بالأسرار والأخطار. رافق البنت إلى محامي متطوع للدفاع عن الناس في مثل هذه الحالات. الأم متهمة بتسريب معلومات عن سجن أبو غريب وسجنت لهذا السبب. رجل مجهول اتصل بالابنة وطلب حضورها في موعد وكان معينين ليسلمها شيئاً. نظم منصف توزيعاً للأدوار، صديقه بكر في مكان والصديق الآخر الأيمن في مكان آخر يراقبان الطرق, هو وإليزابيث وفجر وقفوا في المكان المحدد. "كانت الدقائق الأخيرة بطيئة مشحونة بالقلق والترقب" توقفت فجأة، ودون أن يشعرا بذلك، دراجة بخارية يقودها ملثم سلم فجراً كيساً كبيراً وأسرع بدراجته بعيداً عنهم لا يلوى على شيء. حين فتحوا الكيس وجدوا أنه مليء بالأشرطة التي هربتها أمها نحو الخارج وهي كلها تدور عن سجن "ابو غريب" وربما عن قضايا أخرى غير أبو غريب ضمن الأفعال غير الشرعية التي ارتكبتها القوات الأمريكية بالعراق. بهذا تنتهي الرواية تاركةً للمستقبل كشف ما في هذه الأشرطة من أسرار حين يكون الوقت مناسباً، واتخذ المحامي الخطوات الأولية للقاء بين الابنة والأم في سجنها والدفاع عن الأم في محكمة التمييز والقلق يؤرقهم، بين الأمل والواقع المرّ.

لهذه الرواية نكهة خاصة. فهي تطرح موقفاً واضحاً من أكثر من حرب واعتداء، من احتلال وتعذيب وموت بالجملة، من شعب ما يزال يعيش عواقب تلك الحروب والسياسات. فالرواية تتسم بالحبكة المتماسكة والسلاسة في تصوير الأحداث ولا تخلو من نكتة ومداعبة أو ضحك حتى على النفس. كما إنها من الروايات الهادفة التي تدفع بالقارئ أو القارئة نحو إعمال العقل والتفكير بالأحداث برؤية تستند إلى القيم والمبادئ العامة والشاملة. إذ إنها تطرح الكثير من التساؤلات عبر السرد أو الوصف أو تسجيل المواقف. وللكاتب على امتداد الرواية تشعر بالجهد الذي بذله لكتابتها ولتحديد موقفه الثابت والواضح من تلك الأحداث والذي يتجلى في الموقف الصارم والحازم لمنصف الذي يدين الحرب والمآسي والآلام التي تحملها الشعب العراقي في الطريق الدولي بين الكويت والعراق وعذابات وآلام سجناء أبو غريب وضحايا ملجأ العامرية والعمل مع القوات الأمريكية بالعراق أو حتى بأمريكا. وفيه إدانة واضحة وصريحة لكل من عمل ويعمل مع القوات الأمريكية. ولكنه في الوقت ذاته يقف مفكراً بجدية حين يكتشف القرار الذي اتخذته سناء، ذات الهوية العربية الفلسطينية، في العمل مع القوات الأمريكية، بهدف فضح سياساتهم وأفعالهم بالعراق.

لا شك، إن الرواية تطرح الصراع الفكري الذي يعاني منه المغترب، الصراع بين القيم والمعايير التي اكتسبها من ثقافته الشرقية الإسلامية والعربية وبين الثقافة الغربية الأمريكية بقيمها ومعاييرها الحديثة، وما يصاب به المغتربون من توترات بينهما ومن ضياع في بعض الأحيان بين "مدينتي لا ونعم" حسب وصف الشاعر الروسي أفتوشنكو. ورغم التحرر الذي يبدو عليه منصف, بطل الرواية، فإنه يبقى خاضعاً لأخلاقيات شرقية يحاول فرضها على الآخرين، كما في قضية زواج ابنة حليمة من أمريكي مسيحي وهي مسلمة، والعكس صحيح أيضاً حين يحاول الأمريكي "الحضاري" فرض مسيحيته على البنت للزواج في الكنيسة. ولكن الصراع الداخلي يبدو أكثر شدة حين يخضع لرقابة الدين والحرية الفردية، بين القلب المتعطش للحب وبين الدين الذي يفرض عليه موقفاً معيناً، فهل يجوز لنا أن نضع الدين رقيباً على قلوب وعقول الناس؟ هذا السؤال يفرض نفسه حين نقرأ الحوارات بين بين حليمة ومنصف. إذ يضع الكاتب بطل الرواية أمام امتحان عسير، بين الوظيفة التي يفترض الذهاب للمقابلة من جهة والسفر إلى حبيبته الجديدة إليزابيث بشيكاغو أو إلى حليمة بسان دييغو وبين المشاركة في مظاهرة واشنطن ضد الحرب. فيقرر ودون أدنى تردد المشاركة في المظاهرة الاحتجاجية. ويضعنا القارئ أمام حالة أخرى تستحق المقارنة. في المظاهرات التي شارك فيها أكثر من مليوني إنسان في مختلف المدن الأمريكية عرض بواشنطن حماراً يحمل اسم بوش. وليس هناك من حاسب الفاعلين. لو حصل هذا بالعراق ووضع اسم نوري المالكي أو قبل ذاك صدام حسين أو أي مسؤول عراقي آخر على حمار مماثل، فماذا كان سيحصل للفاعل أو الفاعلين؟ كلنا يدرك عواقب ذلك!!
إن الرواية باختصار جديرة بالقراءة والتفكير بما وقع للعراق خلال العقود الأخيرة وما يعاني منه اليوم. إنها شهادة مهمة لتلك الأحداث ولو لجزء مهم منها.

لقد تمتعت بقراءة هذه الرواية ولم يكن الكتابة عنها سهلاً، وتمتعت بالكتابة عنها وتعلمت منها، وسيطرا عليَّ الحزن والكآبة، ولو لفترة، لأن الرواية تتسم بانتقالات بينية، تمنح فرصة التغيير بين الحزن والفرح، بين الجنس والكوابيس، تلك اللفتات الجميلة والحوارات المنعشة واللقاءات مع الطالبات والطلبة ومع حليمة وإليزابيث وسناء في بيت بكر والأيمن.