حالة خاصة

، بقلم غزالة الزهراء

كانت رؤى تتمتع بجملة وفيرة من الأخلاق الفائقة الطيبة ، بخصالها تلك دشنت لنفسها هرما متماسكا من الاحترام ، هي وحيدة والديها الغاليين أنجباها بعد انتظار ممل سقيم أهلك رقادهما ، خصاها معا بكميات هائلة من الحب ، والرعاية ، والاهتمام .

اشتد عودها وتماسك ، وغدت ناضجة ، ومدركة لمعضلات الأمور ، ساحرة الجمال إلى حد الانبهار والفتنة ، من تكتحل عيناه بمرآها الأصيل يخالها أميرة الأميرات .
أناس القرية يضربون بها المثل الأعلى في السلوك الكريم ، ويتمنون بأن تنتهج بناتهم نفس الدرب الصائب الذي تسلكه في حياتها .

توارت ذات مساء متجهم عن وجه قريتها الحبيبة ، طال غيابها الموجع ، وامتد عمره إلى تسعة أيام برمتها .
أسر فؤاد في أذن والدها : رأيت شخصا ملثما يكتم أنفاسها بيديه ، ويسحبها داخل سيارته .
صرخ كالمعتوه والدنيا تنزلق تحت عينيه دفعة واحدة : يسحبها داخل سيارته !؟ وأين فر بها ذلك الوغد اللعين ؟
قاطعه مطمئنا إياه : لقد بلغت الشرطة نيابة عنك يا سيدي .

باندهاش كبير : بلغت الشرطة نيابة عني !؟ يبدو أنك تخطيت حدودك ، هذا أمر يخصني أنا وليس من شأنك أنت .
ـــ قمت بالواجب ليس إلا......

ثم أضاف : لا تتوجس قلقا ، ستعود إلى قريتها إن عاجلا أم آجلا .
ـــ أأنت متأكد مما تقول ؟
انزوى فؤاد وراء نقاب الصمت المكثف ، ثم انسل من المكان الذي كان يجمعهما بكل هدوء .
تساءل والدها وهو ينغمس انغماسا كليا في قاع المتاهة المريعة : لم تجرأ على تبليغ الشرطة دون استشارتي ؟ لم فعل هذا ؟
داخله شك كبير نحو ذلك الفتى ، بدا له لغزا محيرا يعجز تمام العجز عن فك رموزه .

وطأت قدماه في تلك الأمسية مقر الشرطة ، فوجئ بالذي لم يكن متوقعا على الإطلاق ، لم يتصل بهم أي شخص ، ولم ينبئهم بالحادثة التي حصلت آنذاك .

ـــ أنت ولي أمرها ، كان من واجبك أن تكون سباقا لإبلاغنا باختفائها لنكثف تحرياتنا قصد الوصول إلى لب الحقيقة .
ـــ ظننتها ستطرق الباب على حين غرة ، ولا داعي لإبلاغكم بذلك .

صار فؤاد محل شك ، وتهم ، وشبهات .
استدعته الشرطة للاستنطاق الأولي .
ـــ أرأيت رجلا ملثما يسحب فتاة داخل سيارته ؟
ـــ ............
ـــ اعترف أيها الوغد الضال وإلا .........

انخرط الفتى في نحيب هستيري عجيب ، ثم انفجر وهو يرتجف من هول الصدمة : المرأة الجميلة لفظت أنفاسها الأخيرة على يديه ، لن تعود للعيش معي ثانية ، لن تعود أبدا .

كانت تتضرج جمالا ونورا كما القمر الزاهي ، تغدقني بفيض حبها الصافي ، وحنانها السرمدي الوهاج ، وتخشى علي من لسعات البرد القارصة ، والدي كان يحاصرها بغيرته المدمرة إلى أن بلغ به الشك أوجه وقتلها ، أمي الجميلة بريئة ، والله بريئة ، لم تقترف أي ذنب في حق والدي .
ـــ لا تتهرب من سؤالنا المحدد ، هيا اعترف عما رأيت .
ـــ ...........
ـــ ألم يختطفها رجل ملثم ؟
ـــ ..........
ـــ إذن أنت مصمم على عدم البوح . أليس كذلك ؟
ـــ لم ألحق بها أي أذى ، صدقوني .
ـــ إذن أنت من أقدمت على فعلتك الشنعاء التي رجت قرية بكاملها ؟

هز رأسه علامة الإيجاب ، ثم استأنف يقول : خفت على جمالها الآسر أن يغدروا به في يوم ما ، ولذا اختطفتها وخبأتها في مكان آمن بمنآى عن أعين الناس الأشد شرورا ، لا خوف عليها ، إنها في حمايتي .
ـــ في حمايتك أنت ؟ كف عن هذا الهذر أيها الأحمق .

أخيرا حرروها من أنياب الأسر ، وعادت إلى أهلها سالمة من كل شر .
قيل عنه أنه مصدوم ، مريض ، مصاب منذ فترة بعيدة باضطرابات نفسية حادة .