الثلاثاء ١٢ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠١٣
بقلم غزالة الزهراء

حالة خاصة

كانت رؤى تتمتع بجملة وفيرة من الأخلاق الفائقة الطيبة ، بخصالها تلك دشنت لنفسها هرما متماسكا من الاحترام ، هي وحيدة والديها الغاليين أنجباها بعد انتظار ممل سقيم أهلك رقادهما ، خصاها معا بكميات هائلة من الحب ، والرعاية ، والاهتمام .

اشتد عودها وتماسك ، وغدت ناضجة ، ومدركة لمعضلات الأمور ، ساحرة الجمال إلى حد الانبهار والفتنة ، من تكتحل عيناه بمرآها الأصيل يخالها أميرة الأميرات .
أناس القرية يضربون بها المثل الأعلى في السلوك الكريم ، ويتمنون بأن تنتهج بناتهم نفس الدرب الصائب الذي تسلكه في حياتها .

توارت ذات مساء متجهم عن وجه قريتها الحبيبة ، طال غيابها الموجع ، وامتد عمره إلى تسعة أيام برمتها .
أسر فؤاد في أذن والدها : رأيت شخصا ملثما يكتم أنفاسها بيديه ، ويسحبها داخل سيارته .
صرخ كالمعتوه والدنيا تنزلق تحت عينيه دفعة واحدة : يسحبها داخل سيارته !؟ وأين فر بها ذلك الوغد اللعين ؟
قاطعه مطمئنا إياه : لقد بلغت الشرطة نيابة عنك يا سيدي .

باندهاش كبير : بلغت الشرطة نيابة عني !؟ يبدو أنك تخطيت حدودك ، هذا أمر يخصني أنا وليس من شأنك أنت .
ـــ قمت بالواجب ليس إلا......

ثم أضاف : لا تتوجس قلقا ، ستعود إلى قريتها إن عاجلا أم آجلا .
ـــ أأنت متأكد مما تقول ؟
انزوى فؤاد وراء نقاب الصمت المكثف ، ثم انسل من المكان الذي كان يجمعهما بكل هدوء .
تساءل والدها وهو ينغمس انغماسا كليا في قاع المتاهة المريعة : لم تجرأ على تبليغ الشرطة دون استشارتي ؟ لم فعل هذا ؟
داخله شك كبير نحو ذلك الفتى ، بدا له لغزا محيرا يعجز تمام العجز عن فك رموزه .

وطأت قدماه في تلك الأمسية مقر الشرطة ، فوجئ بالذي لم يكن متوقعا على الإطلاق ، لم يتصل بهم أي شخص ، ولم ينبئهم بالحادثة التي حصلت آنذاك .

ـــ أنت ولي أمرها ، كان من واجبك أن تكون سباقا لإبلاغنا باختفائها لنكثف تحرياتنا قصد الوصول إلى لب الحقيقة .
ـــ ظننتها ستطرق الباب على حين غرة ، ولا داعي لإبلاغكم بذلك .

صار فؤاد محل شك ، وتهم ، وشبهات .
استدعته الشرطة للاستنطاق الأولي .
ـــ أرأيت رجلا ملثما يسحب فتاة داخل سيارته ؟
ـــ ............
ـــ اعترف أيها الوغد الضال وإلا .........

انخرط الفتى في نحيب هستيري عجيب ، ثم انفجر وهو يرتجف من هول الصدمة : المرأة الجميلة لفظت أنفاسها الأخيرة على يديه ، لن تعود للعيش معي ثانية ، لن تعود أبدا .

كانت تتضرج جمالا ونورا كما القمر الزاهي ، تغدقني بفيض حبها الصافي ، وحنانها السرمدي الوهاج ، وتخشى علي من لسعات البرد القارصة ، والدي كان يحاصرها بغيرته المدمرة إلى أن بلغ به الشك أوجه وقتلها ، أمي الجميلة بريئة ، والله بريئة ، لم تقترف أي ذنب في حق والدي .
ـــ لا تتهرب من سؤالنا المحدد ، هيا اعترف عما رأيت .
ـــ ...........
ـــ ألم يختطفها رجل ملثم ؟
ـــ ..........
ـــ إذن أنت مصمم على عدم البوح . أليس كذلك ؟
ـــ لم ألحق بها أي أذى ، صدقوني .
ـــ إذن أنت من أقدمت على فعلتك الشنعاء التي رجت قرية بكاملها ؟

هز رأسه علامة الإيجاب ، ثم استأنف يقول : خفت على جمالها الآسر أن يغدروا به في يوم ما ، ولذا اختطفتها وخبأتها في مكان آمن بمنآى عن أعين الناس الأشد شرورا ، لا خوف عليها ، إنها في حمايتي .
ـــ في حمايتك أنت ؟ كف عن هذا الهذر أيها الأحمق .

أخيرا حرروها من أنياب الأسر ، وعادت إلى أهلها سالمة من كل شر .
قيل عنه أنه مصدوم ، مريض ، مصاب منذ فترة بعيدة باضطرابات نفسية حادة .


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى