لماذا نكتب السيرة؟

، بقلم فاروق مواسي

فرغت من قراءة سيرة صديقي - عضو الكنيست السابق وليد صادق، גולה בארצו = منفيّ في وطنـــه: من الطيبة إلى الكنيست، وهي سيرة رائعة كتبها بالعبرية لدار نشر طلبت منه ذلك، وقد تصفحت ترجمتها التي قام بها أحد أسرانا المحررين من طولكرم، فأوصيت الصديق وليد بنشرها لأهميتها وروعة أسلوبها، فكلفني أن أكتب المقدمة ما دمت في حماستي هذه لها، فوعدته بذلك.

في مكتبتي لا أقل من مائة سيرة ذاتية لعرب وغير عرب، وفي رأيي أن السيرة هي أجمل الأدب، لأنها جُماع فكر، وخلاصة حياة. وكنت نشرت الطبعة الأولى من سيرتي لدى بلوغي الستين، سميتها "أقواس من سيرتي الذاتية"، وما لبثت أن نقحتها وأضفت عليها لدى بلوغي السبعين، ونشرتها في طولكرم: مطبعة ابن خلدون- 2011.

إليكم مقدمة هذه السيرة في طبعتها الجديدة:

لماذا أكتب سيرتي؟

يظل التعبير عن الذات التي عانت وصارعت جزءًا من الأدب، وكم بالحري إذا اتسم هذا الأدب بالدفء والحميمية والتواصل. ثم إن أدب الاعتراف فيه كشف وتجلّ، وذلك بالاستذكار والاستقصاء، وليس هناك من هو أعرف من الكاتب بنفسه أو ذاته، فإذا نقل مراحل منها بأمانة وصراحة قدر طاقته وإمكانه فإنه يسفح عمره على الورق، ليقول لنا في نهاية المطاف:
إنها حكاية جِـد، سأسردها لكم إن أحببتم.

السيرة الذاتية فن عرفه العرب قديمًا، ومن يطالع طبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة مثلاً سيجد عشرات النماذج على هذا الإفضاء بالسريرة، وهذه المتعة في متابعتها.
وظل هذا الفن يخبو ويظهر إلى أن طالعنا أيام طه حسين بضميره الغائب، فحياة أحمد أمين بلغة السرد الذاتي، وتلت ذلك مئات من السيرالذاتية، وكلها تروي قصة عمر، وقد يكون فيها عبرة لمن اعتبر.

يقول غاسدورف: "السيرة الذاتية هي المرآة التي يلتقي الفرد فيها مع ذاته"، وجلال الإنسان كما يرى صلاح عبد الصبور: "أنه يقدر أن يواجه نفسه ذاتًا وموضوعًا في الآونة نفسها".

السيرة الذاتية هي حكاية القلق الذي استقر صاحبه في واحة، ليقدم فيها للوافدين الماء والثمرات، يقدمها لمن يحاول أن يبحث عن أحوال النفس المرهفة ومقاماتها.
إنها رحلة المدارج بل المعارج إلى ظلال الجمال والكمال.

إنها محاولة اقتناص عيشة أخرى مضافة للمعيشة التي مرت.

ترى ما الذي يدعو الكاتب إلى تعري نفسه؟ إلى بوحه؟

ربما يكون بدعوى المشاركة الوجدانية،

ربما للإمتاع والمؤانسة،

ربما هي مراجعة أخيرة لكتابة الفصول يستعرضها فيعرضها قبل أن تدبر أنفاسه.
سألني صديق:

أتعرف لماذا يحب القارئ أن يقرأ السيرة الذاتية؟

قلت: أفدني مما ترى!
قال: لأنه يقرأ كاتبًا يحدث عن نفسه، فيقرأ بعضًا من (أناه) هو، بمعنى أنه يجد صورًا مما عايش وعاين.
قلت: وكيف تفسر ذلك؟

قال: ألا ترى أنه لو عثر في منزله على مخطوطات وكتابات تركها جده، ألا يقبل عليها بلهفة، كأنه عثر على كنز؟!

إنه يقرأ الكتابات وكأنها جزء لا يتجزأ من كيانه.

قلت: حقًا، يبدو أن الماضي في السيرة هو لعبة الزمن ترد إلى الفرد أو الجماعة لتقول لهم:
هنا أنتم، فاقرءوا حكاية ما كان!

هذه الأقواس:

قبل عقد من الزمان –يوم أن ودعت الستين- أصدرت أقواس من سيرتي الذاتية.
ولاحظ قراء السيرة أنني نهجت نهجًا جديدًا في كتابة السيرة، إذ أفردت لكل موضوع قوسًا أو بابًا، أمرّ فيه عبر مراحلي المختلفة، من الخطوة الأولى وحتى السباق في الشوط. وهكذا تحدثت عن طفولتي، فتجربتي الشعرية، فالنقدية فاللغوية...إلخ.

كان كل باب قوسًا ذا لون، وهذه الأقواس جميعها ألفت القوس الذي يبتسم في حياتي، غب المطر أو قُبيلَه.

في هذه الطبعة المزيدة والمنقحة أضفت ما استجد في العقد الأخيرمن رحلة دفعت ثمنها تكاليف حياة لم أسأمها، وأضفت أقواسًا أخرى جديدة، لا بد منها، لأصحبكم فيها إلى عالمي وسفري.

إذا كانت السيرة الذاتية توجب فتح الملف بدون تحفظ فإنني هنا أستميحكم عذرًا إذ أتغاضى عن هذا الشرط، مع أن كل تعتيم هو ثغرة في الصميم. ذلك لأن من حق المتلقي أن يأخذ الأمر بجُمــاعه وافيًا لا خافيًا، ولكن من حقي مع الآن وهنا أن أخفي فصول المرأة في حياتي، وأن أتجاهل مواقف مدّعي صداقة تركوا ندوبًا وندوبًا.

ماذا يجدي الحديث عن علاقة أمام مجتمع مراقب محافظ، أو كَيدي، ينتظر الكثيرون منه فرصة للغمز واللمز والهمز؟

فهل كاتب السيرة فريد في عصره لدى المعجبات؟ أو في عقوق بعض الأصدقاء؟

وماذا تقدم التجربة سوى الإساءة لنفسي قبل أن أسيء لسواي، فلست روسو في اعترافاته في شبابه، أو هنري ميلر في اعترافاته وهو في الثمانين، وليس عقوق "الأصدقاء" بدعًا لدي.
ُثم إن كل كتابة يجب أن تكون وصفًا حيًا مثيرًا فيه إبداع وإمتاع، وإخالني قد لامست ذلك في شعري، والشعر الصادق هو سيرة ذاتية رغم أن لوجون يستبعده مشترطًا النثر في صياغتها.
من جهة أخرى لو أجزت لنفسي الحديث عن إلإساءات، وعن إنكار للجميل والعرفان، وعن عدوانية غير مبررة لأسأت لنفسي قبلاً، ولن تعلو لي رتبة، فأنا "لا أحمل الحقد القديم عليهم"، رغم ألم يتسرب، وذاكرة تتناسى.

ربما أغمط نفسي هنا إذ لا أدوّن لقاءات جرت لي مع أعلامنا ألأفذاذ، وأساتذتنا الكبار نحو محمود أمين العالم ونجيب محفوظ وأحمد عبد المعطي حجازي وسعيد الكفراوي، وإبراهيم عبد المجيد، وناصر الدين الأسد والياغيين هاشم وعبد الرحمن، ومحمد أبو دومة، وحسن طلب، ويوسف إدريس وعبد القادر القط، ولويس عوض، وجمال الغيطاني وسهيل إدريس وإبراهيم أصلان وعبد الله الغذامي ويوسف زيدان وحلمي سالم، والشهاويين أحمد ومحمد وفاروق عبد القادر وووعشرات غيرهم جمعتني بهم معارض الكتاب في القاهرة أو في عمان ومؤتمرات نقدية حظيت بدعوتها، وكانت لي محاورات ومساءلات، ربما سآتي عليها، ولا أدري متى وكيف. ومع ذلك يلاحظ القارئ أنني قمت بجولة معه لزيارة يحيى حقي وصلاح عبد الصبور وفدوى طوقان والبياتي ونزار قباني وغيرهم.

لي كذلك علاقات طيبة مع معظم أدبائنا الفلسطينيين في مختلف مواقعهم، وقد رويت لكم عن شاعرنا محمود درويش كما عرفته، وبالطبع عمدت إلى الصدق ما وسعتني الحيلة، وقدمت صورته كما لمستها وقرأتها وصحبتها في لقاءات عابرة.

كما التقيت عشرات الأدباء العبريين البارزين، بحكم اتصالي بهم ممثلاً للأدباء العرب، ونائب رئيس نقابة الكتاب في إسرائيل، وكانت لي نشاطات سياسية وأدبية حدثتكم عنها في صفحاتي السياسية.

وبعد، فلو فتحت صفحات الحوار ومدى ما أفدت وأفدت لما انتهيت، ورحم الله ياقوت الحموي الذي كتب في مادة "مقدس":

"وليس كل ما أجده أكتبه، ولو فعلت ذلك لم يتسع لي زماني".

آمل لك قارئي صحبة ممتعة، لا تنطلق من بحث عن هفوة أو كبوة، بل تتلمس الصدق، وأمانة القول رغم الانتقائية التي لا بد منها في كل سيرة.