أحد عشر عاماً

، بقلم رينا ميني

أحد عشر عاماً مرّوا، وها نحن نقف على أعتاب سنة جديدة، تجمعنا رغم البعد الجغرافي. أحد
عشر عاماً، هي قصّة صداقةٍ متينةٍ، لم تزعزعها الرياح، بل قفزت فوق كلّ موجٍ متكسّرٍ على
شاطئ الزمن الغادر. والقصّة لا تتمثّل بعدد السنوات بل بقيمة ما عشناه من ضحكٍ ولهوٍ،
وحواراتٍ ومناقشاتٍ، وكل الأشياء التي تشاركناها وبنينا بها أجمل الذكريات.

ما زلت أذكر كل الأعمال والكلام كأنّها تحدث الآن، وأعلم انك تتذكرها أيضاً وما زلت إلى اليوم
تفتعل النسيان كي تمازحني وتغيظني. أذكر يوم ذهبنا في زيارةٍ إلى سيّدة حاريصا وبعدها
لتناول الأكل الياباني الذي أكرهه، يومها أكلت شيئاً يشبه الحساء فقط لأشاركك المأدبة.

وأذكر كيف اتفقنا على تبادل الأدوار في اختيار الأفلام التي كنا نذهب لمشاهدتها في دور
السينما لاختلاف أذواقنا. والبحر الذي طالما رحّب بنا وغمرنا بمياهه، وجلسات احتساء القهوة
التي لها مذاقاً خاصاً حينما نرتشفها سوياً. أذكر جنونك ونكاتك التي لا تنتهي، وتقييمنا
لصداقتنا كل فترة، وشكوانا لبعضنا حتّى من أنفسنا، والألعاب التي نخترعها ونمارسها
بسعادة، والتي أدرك اليوم أنّها كانت مشاركة الطفلين الكائنين داخلنا، وأنّها سجيتنا التي
نطرحها أمام بعضنا البعض دونما خجل أو مخافة. أذكر دواوين نزار قباني التي أمطرتني بها،
لعلمك أنّي من معجبيه، وما كتبته على الصفحات الأولى من سطورٍ فارغةٍ لا معنى لها كي
تستفزني، وأعلم أنّك عندما ستقرأ هذه القصّة، ستتحفني بتعليقٍ ساخرٍ أخر، وسأعاتبك
وسنضحك ونضيفه إلى قائمة ذكرياتنا. ولحظات ومواقف كثيرة تستحق الذكرى والتأمل في
تفاصيلها ولكنها تحتاج إلى مجلدّات كي أخطّها.

أتذكّر كل شيء وأضحك، وبالحقيقة أن كلّ موقف أستحضره لنا يضحكني، فالبهجة هي عنواننا
طوال تلك السنين، مع أننا مررنا بلحظات حزنٍ وفترات خمولٍ وتراخٍ، إلا أن الأساس الصلب الذي
شيدنا به علاقتنا أقوى من أيّ عاصفةٍ تهبّ أو إعصار يدوّي.

كنّا وما زلنا نقيضين جمعتهما محبةٌ غير مألوفة، خطيين متوازيين إستثنيا أنفسهما والتقيا. ربما
لن يفهمنا إلا من مرّ بتجربتنا، إنّما من المؤكد أن أمامنا سنوات عديدة مقبلة وذكرياتٍ أجمل
نحفظها لأن صداقتنا أعمق حتّى من رابط الدم.