قصر موسى

، بقلم فتحي العابد

يحكى أن ثلاثة غلمان يعملون في صنع وزخرفة الأواني الفخارية في إحدى القرى. وفي ليلة من الليالي عقب يوم من العمل الشاق، دعوا للعشاء عند صاحب الشغل، وبعد الأكل جلس الأربعة يتسامرون.

سأل أحدهم زميليه: ماذا تتمنيا؟

قال أحد العمال يدعى موسى: أتمنى أن يكون لي قصرا وإسطبلا من الخيل!
ضحك رئيس شغلهم كثيرا من قول موسى، وقال له: هذا محال! أنت تصلح خزافا، وأن تقع السماء على الأرض أيسر من وصولك إلى تحقيق حلمك.

حزت كلمات صاحب الشغل في نفس موسى، لكنه بقي يسبح في خياله الطموح ويرى نفسه في ذلك القصر، ويسمع نفسه وهو صاحب أموال، ويشعر بمشاعر السعادة وهو يعطي بعد أن كان يأخذ، وهو ينفق بعد أن كان يطلب، وهو يأمر بعد أن كان ينفذ..

رجع موسى إلى كوخه ونام.. ومع بزوغ الفجر استيقظ وصلى صلاة الفجر وجلس يفكر ويسال نفسه: من قال أن الذي يعمل خزافا لن يصل إلى بناء قصر؟ حملها في نفسه واستمر يطور مهاراته محددا أهدافه وطموحاته، وهو يتقدم في تلك الصنعة حتى أتقنها حق الإتقان، وصار يعمل في شبابه ليلا نهارا ، بعد اقتنع بأن الخطوة الأولى للوصول إلى الهدف المنشود هي افتتاح محل لصنع وزخرفة الخزف خاص به، وبعيدا عن تلك القرية.

وانطلق موسى في محله الجديد بكل إصرار وجد. يبحث عن أشكال وتصاميم ونقوش وألوان مختلفة لخزفه.. أعجب به العامة والخاصة وصارت بضاعته نموذجا للخزافين ومهنيته قدوة للكادحين ودكانه مقصدا للزائرين، وخزفه في أروقة القصور وزينة للملوك العارفين.
وفي يوم من الأيام وبعد ثلاثين سنة من هجرة موسى واشترى فيها أرضا، وبنى بها قصره الذي استغرق بناءه أكثر من عشرين عاما، معتمدا كليا على نفسه فقط في بناء ذلك القصر، إذ كان إلى جانب مهارته في الخزف كان فنانا في المعمار، حيث إن كل حجر فيما أنشأه قطعت ونحتت بيد ذلك الخزاف، حتى صار وكأنه قلعة.. وأصبح عنده حدائق غناء وإسطبلا من الخيل... تذكر صاحبيه الذان كانا يعملان معه، فأرسل أحد الخدم وقال له : إذهب إلى مكان كذا، فإذا وجدت رجلين صفتهما كذا وكذا فآتي بهما. وصل الخادم ووجد الرجلين بنفس الصفة وفي نفس المكان..

قال الخادم: إن صاحبكما يطلبكما!

قالا: صاحبنا!! عن أي صاحب تتحدث؟

قال الخادم: أمرني أن أصطحبكما إليه، ستعرفانه عند وصولكما قصره. في الطريق جال بهما في أرض سيده وحول قصره، وهما ماانفكا يتساءلا عن صاحب هذا الملك، من يكون وماهي صفاته ياترى؟

دخلا القصر نظرا إلى الجالس أمامهما.. رددا باستغراب: إنه صاحبنا موسى..

قال موسى لمن حوله: كنت أنا وهذين الرجلين سويا قبل ثلاثين سنة وكنا نعمل خزافين، وفي ليلة من الليالي جلسنا نتسامر، فسألني هذا عن أمنيتي، فقلت له: قصرا، وهاهما عندي ليريا قصري حتى يعلما (أن الله على كل شيء قدير).

ثم أرسل خادمه ثانية إلى صاحب شغله ليأتي به، وبعد أن جال في أرجاء القصر صحبة الخادم مثل بين يديه، فعرفه، وخاف منه طالبا منه أن لايؤذيه، وقال له: أعرف أنك تكهرني وأعتذر لك عن ماصدر مني قديما، فطلب منه موسى الموكوث بعد أن أعطاه الأمان، وقال له: قد أكون كرهتك، لكن بعد أن أشتريت الأرض وبدأت في بناء قصري هذا بدأت أشكرك، فلولا مافعلته في حقي ماوصلت لما أنا فيه اليوم.