بنات أحلامي

، بقلم أحمد الخميسي

في قصة " نجوم بعيدة " التي تضمها مجموعة " بنات أحلامي " تقدم لنا عزة رشاد عظمة ومأساة " توارث الحب والكراهية والغيرة"، وتلقي الضوء كما في القصص الأخرى على حياة البشر المتنوعة والثرية، ومغزى وجودهم، والعلاقات المرهفة والمعقدة بينهم، والذكريات التي تشكل أحيانا كل وجودهم، وأحلامهم بمجتمع أكثر رأفة وعدالة، والعذابات الصغيرة الروحية والمادية.

ولن تجد عند عزة رشاد موضوعا زاعقا أو صاخبا أو لافتا للنظر. إن موضوعها هو الحياة البسيطة اليومية التي تمضى من دون انتصارات استثنائية أو انكسارات مدوية. موضوعها هو حياتنا الاعتيادية التي يُعد استمرارنا فيها عملا بطوليا. خلال ذلك تمسح عزة رشاد عن أرواحنا غبار الحياة اليومية لنواجه أنفسنا بالسؤال: أهذه هي الحياة التي ينبغي أن نحياها؟!

أو أن نسأل " ما قيمة أن أمشى بدون جناحين يحملانني إلي عوالم تعجز قدماي عن الوصول إليها؟!" كما تساءلت بطلة قصتها المسماة " قطوف دانية"، هناك حيث يسعى الجميع بعملية جراحية لاستئصال ذلك الجزء الذي يؤرقنا، أي " مخيلة الإنسان"! مجموعة " بنات أحلامي" هي العمل الرابع لعزة رشاد، بعد صدور روايتها الأولى " ذاكرة التيه " عام 2003، ثم مجموعتها القصصية الأولى " أحب نورا أكره نورهان" عام 2005، و" نصف ضوء " عام 2009. كما أن لها رواية تحت الطبع بعنوان " شجرة اللبخ". وفي روايتها الأولى تحكي عزة رشاد قصة فتاة اختطفت" إرادتها وسعادتها" على حد تعبيرها. ما الذي أو من الذي اختطف تلك السعادة وأحال عمرها إلي " وردة متروكة في الصقيع"؟ هل هي التقاليد التي حطمت قدراتها كامرأة وإنسان؟ أم أنه العدوان الأشمل الذي أجبر عائلة البطلة على هجرة موطنها بورسعيد فحرم البطلة من " البحر الذي كان لي؟" ، أم أنه العجز الإنساني الذاتي عن مجابهة المجتمع بشجاعة وصلابة؟. تقدم لنا عزة رشاد عذابات المرأة من دون أن تسقط في فخ " الكتابة النسوية" الشائعة التي تنظر للمرأة بصفتها كائنا خاصا تعزله طبيعته البيولوجية عن المجتمع. بل إن عزة رشاد تقول بذلك الصدد في حوار معها " ثمة حساسية في كتابة النساء مختلفة عن حساسية كتابة الرجال. لكن هذا لا يضفى على كتابة أي منهما أفضلية. فقط يعبر عن اختلاف ما، أما القيمة فهي للعمل ذاته الذي يتجاوز بأفقه الإنساني جنس الكاتب ". وتضم مجموعتها " أحب نورا أكره نورهان" إحدى عشرة قصة قصيرة تمتاز كلها بالنبرة الخفيضة التي يتسم بها إبداع الكاتبة، النبرة التي تشبه طفلة مختبئة خلف شجرة ورافة الظلال وتحاول أن تهمس إليك بالحقيقة بينما أنت تعبر الطريق، وقد تنتبه أنت إلي ذلك الصوت وقد لا تنتبه، لكن صاحبته لن تلهث وراءك لتخطف اهتمامك إلي الحقيقة. في قصتها " الليل .. لما خلي" تضع الكاتبة أمامنا صورة لامرأة في علاقتها بنفسها وبالعالم من حولها وبمنزلها وزوجها من خلال استعراض يوم من حياتها . أجمل ما في هذه المرأة أنها ليست تلك المرأة المزيفة التي تخلقها أحيانا الكتابة المفتعلة بإضفاء تمرد مصطنع على الشخصية. هي امرأة حقيقية تعيش التناقض الحاد ما بين شعورها بالإحباط وما بين إدراكها لضرورة استمرار الحياة واستمرار المحبة رغم قسوة ذلك الاستمرار! امرأة تعاني كل يوم من صياح أطفالها وإهمال زوجها وعبء التزاماتها المنزلية فلا يبقى لها سوى وقت قليل تنفرد فيه مع أحلامها وذكرياتها.

امرأة تفتش في زوجها من دون جدوى عن محبة انطفأت، وتدرك في الوقت ذاته أنه لابد للحياة أن تستمر. هذه العذوبة التي تتجسد في ضرورة الرضوخ لقانون الحياة، والأمل في تغييرها بالمحبة، هي ما تمتاز به كل قصص عزة رشاد الآسية الهادئة الموغلة في الروح. ولعل قصة " نصف ضوء " التي اتخذت عزة رشاد منها اسما لمجموعتها الثالثة أن تكون واحدة من أجمل نماذج القصص القصيرة الطويلة، إذ تقوم على مفارقة وجود موهوم لشخصية " سارة " إلي أن يتضح لنا في نهاية العمل أن " سارة" ليست كائنا حيا لكنها مجرد " عروس من القش" اختلقها في ليل الريف خيال طفلة وحيدة. تثبت عزة رشاد بروايتها الأولى وبمجموعاتها القصصية وخاصة " بنات أحلامي" قدرتها على السرد بكل أساليبه بروح شاعرية تنير بخفوت مواقع الأحداث ونفوس الشخصيات وتأسى لأحوالها بعطف جميل يمتاز به كل كاتب كبير حقا. الفن والأدب على نحو ما هما حياة الإنسان مكتوبة ومرسومة ومنحوتة ومعزوفة، وحين يموت الإنسان تبقى حياته الفنية عالية مثل حقيقة ولو كانت صغيرة تضيء الحقائق الأخرى حولها. وبمجموعتها " بنات أحلامي" تضيف عزة رشاد إلي سماء تلك الحقائق نجمة أخرى مشعة. كان بوسعي أن أختصر تلك المقدمة وأن أكتفي بجملة واحدة : " أيها القارئ العزيز انتقل من فضلك إلي صفحة كذا وابدأ في قراءة عزة رشاد"! لأن أحدا أيا كان لا يقدم الكاتب أفضل من عمل الكاتب ذاته. ها أنا أقولها:" انتقل إلي القراءة" لكن متأخرة قليلا ، فمعذرة!


أحمد الخميسي

- دكتوراة في الأدب الروسي عضو المجلس الاستشاري لديوان العرب

من نفس المؤلف