مظفّر النوّاب: «٢»

من مفاتيح الحداثة في قصيدة «للريل وحمد»

، بقلم حسين سرمك حسن

في مجال الهمّ الفردي نلاحظ لدى مظفر النوّاب غبطة وعيد كونيين من نمط آخر. وأقصد بالهم الفردي، إنشغالات الشاعر النفسية والانفعالية الشخصية السارّة من حبّ وعشق وتوتر جنسي واندفاعات حسّية من ناحية والمؤلمة من هجر وعتاب وأسى واكتئاب.... إلخ، لا يلعب فيها الهم الجمعي الإنساني (السياسي) الدور المركزي الحاسم. سنلاحظ هنا - وعلى المستويين – أن القصيدة النوّابية متضادة، تتصارع في أحشائها الشحنات الموجبة والشحنات السالبة صراعا خلّاقا لا يتيح لموجة أن تعلو على أخرى بصورة حاسمة. وحتى في القصائد التي تتحدّث عن الإنهجار وفراق (المحبوب) الأليم أو عن الخيبة والآمال المحبطة التي تستولي عليها المشاعر الإكتئابية، فإن الشاعر لا يقر بالهزيمة أمام تلك المشاعر الخانقة ويلتف عليها بصورة ذكية ؛ ففي الكثير من القصائد يعرض النواب الحزن بصورة مفرحة إذا جاز هذا الوصف، تحس دائما أن هناك جنين فرح يتحرك في أحشاء الكيان النصّي الحزين. وقد أقر الكثير من علماء النفس المختصين بشؤون الإبداع بأن الحزن أكثر ضرورة للإبداع من الفرح. في عملية الخلق، الفرح عامل سلبي، والحزن عامل إيجابي فاعل. الفرح يضعف البصيرة الإبداعية في حين أن الحزن يؤججها. في الفرح تسترخي القوى الإبداعية، بينما يجعلها الألم تتوتر وتشتد وتتحفز. وفي شعر النواب يولد الفرح الخاص من الحزن لا العكس. هذا ما عبر عنه النواب بقوله: " حتى في أقصى حالات الحزن أجدني فرحا. وثمة قصيدة لي يقول مطلعها: مو حزن، لكن حزين. فالشعر يحوي فرحه الخاص. ورغم كل مصاعب حياتي، أجد أن الكتابة هي أمتع ما عندي. وحتى ما بعدها وما تؤول إليه. إنها باختصار أمتع حالات حياتي (....) ثمة فرح يكمن داخل النص الحزين. وهذا ما تحسّه في حالة النشوة والطرب عند سماعك أغنية حزينة ". إن هذه النشوة والطرب عند سماع الأغنية الحزينة يحيلنا إلى الموقف المازوخي في الذات والمعبر عن غريزة الموت - thanatos التي تعيش في جدل صراعي دائم مع غريزة الحياة - erose في أعماق النفس البشرية ؛ في الكثير من قصائد مظفر تمتزج هاتان الغريزتان لتنتجا مركبا جديدا. وحتى عندما تكون القصيدة، مبنى ومعنى، قد صممت لتتوج بنهاية قاتمة تقبض النفس وتنكس راية التطلع المتفائل فإن الشاعر يوصل المتلقي إلى هذه الخاتمة بعد أن يحلق به في سماوات الفرح ويجعله يحيا وسط موجات بهجة عيد كوني. ففي قصيدة " للريل وحمد "وهي قصيدة لوعة وهجر وحرمان، وفيها خطاب موجّه إلى المحبوب " حمد " الذي فارقه " المحب" كرها. والقصيدة تتكون من تسعة مقاطع رباعية البناء – 36بيتا – يقوم الشاعر فيها بلعبة "سردية " ذكية قد لا يلتفت إليها القاريء. ففي المقطع الأول يكون الصوت السارد هو ضمير المتكلمين:

مرّينه بيكم حمد...
واحنه ابغطار الليل..
واسمعنه دگ اگهوه...
وشمّينه ريحة هيل)

- ولاحظ أن الشاعر لم يستخدم مفردة قطار - بحرف القاف - بصيغتها الفصيحة كان ممكنا لأن العامة يستخدمونها حتى في أرياف العراق، لكن الإنسيابية النفسية والموسيقية الحروفية سيخدشها حرف القاف قليلا، الأمر الذي لا يحصل في البديل الثاني الذي اختاره الشاعر (غطار ) الذي يبتدأ بحرف الغين الأكثر خفة. أما في المقطع الثاني فسيكون الصوت صوتا غريبا يشوّش إمساكنا بطبيعة هويته الانتقالات السريعة بين الضمائر في الأبيات المتلاحقة. ففي البيت الأول نستشف أن المتكلم هي أنثى عاشقة تخاطب حبيبها:

(يابو محابس شذر... يالشاد خزّامات) لكن يحصل تحول فوري في البيت الثاني حيث يرتفع صوت الأنا الذكوري الذي يتوسل بالريل أن يتهادى متغنجا حين يمر بحبيبته الجميلة، وأن لا يقر بحقيقة الهجران والإنفصال بينه وبين حبيبته، لأن قلبه مازال حيّا ينبض بالحب والوفاء: (ياريل...

بللّه ابغنج...
من تجزي بأم شامات...
ولا تمشي...
مشية هجر...
گلبي...
بعد ما مات... )

لكن الشاعر يعود لاستخدام ضمير الجماعة المتكلمة في المقطع الثالث: (... ما ونّسونه ابعشگهم... عيب تتونسين...)

لكن في المقطع الرابع يعود الشاعر ليدخلنا في دوامة تحديد هوية الصوت المتكلم. فهو صوت متكلم لكنه ملتبس لأنه يمكن أن ينطبق على الذكر وعلى الأنثى في الوقت نفسه:

( يا ريل...
طلعوا دغش...
والعشگ چذابي...
دگ بيه كل العمر...
ما يطفه عطابي...
نتوالف ويه الدرب...
وترابك ترابي... )

في المقطع الخامس حسب يكشف الشاعر الهوية الحقيقية والنهائية للمتكلم كأنثى عاشقة مهجورة، تصر على أنها قد خلقت لـ " حمد " وليس لغيره:

(آنه أرد ألوگ الحمد...
ما لوگن لغيره...
يجفلني برد الصبح...
وتلجلج الليره... )

هذا اللعب على الضمائر في القصيدة وتعددية الأصوات لم يكن النص العامي يعرفها قبل النواب أبدا، ولم يكن الشعراء يدركون أهميته الفنية - الجمالية والبنائية . ولكن الظاهرة الثانية الملفتة للنظر هو أن أكثر المقاطع الحزينة، وبمختلف ضمائرها المتكلمة " جمعية أو فردية ؛ ذكورية أو أنثوية "، لا تحمل حزنا أسوداً خالصا أبدا، إنها تعرض حزنا مركبا - فيه بياض - تمتزج فيه الحفزات الإيجابية والسلبية وفق صيغة صراعية خلاقة كما قلنا، حيث يعمد الشاعر إلى جعل واحد أو أكثر من أبيات كل مقطع - وكل مقطع يتكون من أربعة أبيات كما قلنا - ليعبّر عن فرح غامر؛ فعلي أو متخيل أو مستذكر ؛ بشري حي أو مادي منفعل بالمناخ الانفعالي العشقي الآسر والمهيمن:

أ – المقطع الأول:

1- البيت الأول ( مرّينه بيكم حمد... واحنه ابغطار الليل...)

2- اليت الثاني: ( واسمعنه دگ اگهوه... وشمينه ريحة هيل.. )

3 – ثم نعود إلى النداء الجريح: ( يا ريل صيح بقهر... إلخ.. )

ب – المقطع الأخير – وانتقل إليه مباشرة لغرض عدم الإطالة:

1- البيت الثاني ( ونهودي زمّن...
والطيور الزغيره...
تزيف...)
2- (يا ريل...
سيّس هوانه...
وما إله مجاذيف... )

هذه المزاوجة الخلابة بين دفعات الموت ودفعات الحياة هي التي منحت منجز النواب الشعري العامي مهابة غير مسبوقة وانجراح شديد الأسى في نفوس متلقيه البسطاء، وهم القاعدة المليونية العريضة جدا في العراق، أنا مثلا أحلل قصائد النواب من نسخة مصوّرة من ديوانه: " للريل وحمد " كانت ملك واحد من النوّاب ضبّاط في الوحدة العسكرية الساندة التي كنت أقودها، كانت صفحاته مرتبة بصورة مغلوطة ومرتبكة، حيث أن عنوان أي قصيدة لا يرتبط بتسلسلها.. ولوحات " ضياء العزاوي " لا صلة لها بالسياق الإخراجي.. وغير ذلك الكثير من الأخطاء.. كنّا في جبهة " الفاو " التي ابتلعت ( 55 ) ألف شهيد.. قمت بترتيب الديوان بطريقة معقولة لكنها مرتبكة أيضا.. " كبست " للديوان غلافا كرتونيا أبيض ثخينا بسبب التحسّب المبرّر، وسلمتها للنائب ضابط العاشق للنواب وشعره، لكن هذا المحب الوله نقل إلى وحدة أخرى، وبحكم قانون المصادفة المهيب الأخرق الذي يتحكم بمصائرنا، استشهد هذا الإنسان البسيط وأخليت جثته إلى وحدة الميدان الطبية التي كنت أعمل فيها، كطبيب. لم أكن أعرف الجثة ولا يمكنني التعرف إلى وجه الشهيد، فقد كان مشوها تماما لأن سرفة دبابة معادية سحقت رأسه الكريم وهشمته، عرفته فقط من خلال ديوان " للريل وحمد " الذي كبسته بيدي وبغلافه الكرتوني البدائي ونظمته له، وكان يضعه في عبّه تحت بدلة القتال كلقية عزيزة ورقية مصيرية، كأنها واحد من أبنائه – وبالمناسبة، كان لديه أربعة أولاد لا نعرف أي مستقبل " سعيد " انتظرهم بعد استشهاده، في ظل الخراب الذي عم العراق -، قبل أن يُستشهد وهو يحتضن ديوان مظفر النواب، في الرحيل الأبدي إلى العالم الأسفل.. هؤلاء هم أبطال كل عصور العراق الحبيب منذ فجر تاريخه قبل أثنتي عشرة ألف سنة.. وقد يستغرب القاريء من ذكري هذه الحادثة التي تبدو مقحمة، وغير منسجمة مع مسار الحكاية - القصيدة، العام، لكن هناك نوع من الفعل السحري ؛ الرقيوي في شعر مظفر. ومثل هذا المحارب البسيط كان ذاك السجين السياسي المدمّى الذي سمعه النوّاب وهو ينشد قصائده دون أن يعرفه في زنزانة التعذيب في إيران، كيف ستتصوّر ردّة فعل هذا السجين السياسي المدمّى الذي كان ينشد قصائد النوّاب عندما اقترب منه مظفر وقال له أنه هو صاحب هذه القصائد وأنه هو مظفر النوّاب ؟ هؤلاء البسطاء يجدون في شعر النواب غبطة الحزن ورجفة التعاسة التي تجعل شيئا من الرجاء.. من الأمل.. ومن المحبة.. يتململ في أعماقهم المترعة بالحزن في عالم تحاصرهم فيه أشباح الخراب والموت من كل جانب. وفي هذه القصيدة التي وضعها النواب قصيدة أولى في ديوانه الأول وجد المتلقي العراقي بغيته ؛ قصيدة حديثة وبسيطة. قصيدة فيها أغلب شروط الحداثة ومفهومة من قبل كل العراقيين مهما اختلفت مستوياتهم الثقافية وأصولهم الاجتماعية. كل فرد يجد في قصيدة مظفر " شيئا " يشبع حاجاته الجمالية، ويلبي رغباته المعلنة والدفينة – حتى الحسّي الملتهب منها -. قصيدة النواب حداثية عامة، ومركبة مفهومة، يلتحم فيها الفردي بالجمعي، والشخصي بالإنساني، والعشقي بالسياسي، والأهم الحزن بالفرح، والإحباط بالرجاء، واليأس بالأمل، وكلها تحت خيمة المراهنة على بصيص حياة يحاول الشعر أن يفتح له منفذا أكبر. انتشرت هذه القصيدة " للريل وحمد " مثل النار في الهشيم مكتسحة ثوابت الذائقة العراقية التقليدية. وعندما صدر ديوان مظفر الأول وهو يحمل اسمها كان بائع الكتب يأتي بزنبيل مملوء بنسخ من الديوان يفرغه على الرصيف فيتلقفه المشترون، ليعود ويأتي بزنبيل آخر. ولم يُبَع كتابٌ بهذه الطريقة في تاريخ سوق الكتاب العراقي والعربي، ولم ينافس " للريل وحمد " في الانتشار سوى مؤلفات المفكر الراحل الدكتور " علي الوردي " وهي ليست " شعبية " خالصة. وحتى اليوم، ونحن في النصف الثاني من العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، تحتل هذه القصيدة موقعا خاصا في أفضليات الذائقة العراقية، والمشكلة أن المراهقين ممن ولدوا في أواخر القرن الماضي وسط ضجيج العولمة والابتذال الفني، يتغنون بها ويردّدون كلماتها. إن موجات تفاؤلية صاعدة تتناوب مع موجات عميقة الحزن لكنها لا تستقر في قعر اليأس المعتم الخانق أبدا. وإذا كان المقطع الأول ذا طابع حزين شفيف فإن الثاني فيه من التفاؤلية والتمسك بالحياة دفعة طاغية تماما:

( يابو محابس شذر...
يلشاد خزّامات...
يا ريل بللّه ابغنج...
من تجزي بأم شامات...
ولا تمشي مشية هجر...
گلبي بعد ما مات...
وهودر هواهم ولك...
حدر السنابل گطه )

يلي ذلك المقطع الثالث الذي تتصاعد فيه نبرة الحزن وأنين القاطرات الراحلة:

(جيزي المحطة بحزن...
وونين يَفراگين...
ما ونّسونه ابعشگهم...
عيب تتونسين...
يا ريل... چيم حزن...
أهل الهوى امچيمين...
وهودر هواهم...
ولك...
حدر السنابل گطه... )

تتصعّد نوبة الحزن هذه في المقطع الرابع لتعقبها صور المحبة الراسخة والإصرار على العشق والتعلق المصيري بالمحبوب "حمد" واستدعاء ذكريات الطفوله وألعابها البريئة. وخطوة واسعة – المقطع السادس -:

(چن حمد فضة عرس...
چن حمد نرگيله...
مدگگ بمي الشذر...
ومشلّه اشليله)

تتلوها خطوة أوسع – المقطع السابع - تنتشر بها أذرع الانفعال الشخصي النابعة من الحزن الذي يتحول إلى اندهاش ومسرّة وبهجة تتجاوز الحدود الفردية.. وتشع لتشمل بموجتها الصاخبة كل الموجودات المحيطة بالمحب والمحبوب، توقظ الكون النائم ليشارك في هذا العيد حيث تزغرد الشمس والهواء مع خصلات شعر المحبوب المنسرحة بمرح مثل خيوط البريسم السود المفتوله:

(چن گذلتك والشمس...
والهوه...
هلهوله...
شلايل بريسم...
والبريسم إله سوله... )

هذا الشعر يذريه مظفر – الفلاح الشعري كما ذرى خصال " گذلة " الشمس في قصيدة " حصاد "، لكن بالمشط هذه المرة.. والمتطاير ليس خيوط الذهب الشمسية ولكن الذهب نفسه:

( واذري ذهب يا مشط...
يلخلگك اشطوله... )

ثم يأتي المقطع الختامي – التاسع حيث تبدأ شحنة التفاؤل بالهبوط في البيتين الأولين عبر حركة انتقالية متحمّسة أسفا وحسرة يرسمها بوح الحبيبة التي "رحلت" عن حبيبها وأجهضت آمالها في الالتحام العشقي مع وصولها ذروة التفتح الجسدي - نهودي زمّن - وامتلاء روحها بحكايا الغرام والفرح الطافح في العينين:
( توّ العيون امتلن...

ضحچات...
وسواليف...
ونهودي زمّن...
والطيور الزغيره...
تزيف....)