فانتازيا «خيال علمي»:

مالا ينبغي أن تفعله، اياك ان تورده في بالك!

، بقلم مهند النابلسي

... الآن وقد وصل الحدث لذروته، قاموا بغضب واستياء، وتوجهوا نحوه وهاجموه بقبضات ايديهم، وتزامن ذلك مع قدوم عمال آخرين بملابس شديدة القذارة، وافواه تفوح منها رائحة منتنة، وانضموا لجمع المهاجمين وحشروه في الزاوية الضيقة، وانهالوا عليه ضربا وركلا... وصرخ بعضهم:

ياكريه... لقد تواجدنا هنا للراحة فقط، لشرب الشاي والتدخين! لسنا بصدد سماع المزيد من ترهاتك الخرفة!

ولكنه تجاهل معارضتهم وبدا وكانه لايبالي بما حدث، فأجاب صارخا ومحتجا:
ياحثالة الأوغاد الجهلة، لم أنتهي بعد.. وما زال عندي مخطط واحد سأشرحه بسرعة...امنحوني فرصة أخيرة لأغير قناعاتكم البالية!... وعذرا لنفخة التبجح هذه التي ليست من شيمتي، ولكني استخدمها للتحرر من شعور خانق طارىء بالجهل!

وتعجب حقا من نفسه فكيف بوسع انسان يتعرض للضرب المبرح هكذا أن يتحدث هكذا، محتفظا برباطة جأشه! وسره أنه تسلح مسبقا بمقولة الفيلسوف القديم فيثاغورس "مالا ينبغي ان تفعله، اياك ان تورده في بالك"!

لكن اعتراضه وتوضيحه واعتذاره لم يلقى اي تجاوب يذكر، بل اجج من حقدهم وعصبيتهم، ونجح بالتقاط الخوف في عيونهم الحمراء البليدة، وتوعدهم بدوره بنظرات مليئة بالتحدي، فانبثق دم من جروح متباينة في وجهه ويديه وكتفه... فتذكر شقائق النعمان "الصباحية "، ولونها الأحمر القاني! ثم تذكر حلمه عندما بدت له رؤوسهم واجسامهم الغريبة وكانها تخفي داخلها مسوخا "حشرية" وقد تنكرت بأشكال بشرية، حتى أصواتهم كان لها حشرجة "بهيمية" واضحة، وان كانت تحتبس مكبوتة في نبرات وحروف آدمية، كما تركت ضرباتهم المؤلمة أثر لزوجة دبقة على وجنتيه ووجهه، وفاحت من فم احدهم رائحة كريهة خانقة، وبدا جوف فمه من الداخل وكانه فم عظاية سامة، وبدت صدورهم وكانها تخفي كائنات اخرى شريرة تكاد تنفجر معلنة عن نفسها!!

ثم تهيأ له وكأن صراصير كبيرة بشعة وكائنات حلزونية مقززة، تنسل من اكمام أرديتهم القذرة! وكاد أن يختنق بتأثير نوبة "الرهاب الحشري " التي هيمنت على كيانه، وأصدر احدهم صوت حشرجة حشرية صارخا:

- لنرى من سينقذك من بطشنا ؟...ثم لنرى ما سوف تفعله لخدمة بني البشر، أيها الفيلسوف المتبجح ؟! وتابع آخر:

- لسنا ضيوفا على هذا الكوكب، فهو لنا، وقد كنا قبلكم بملايين السنين، لقد تعايشتم مع كافة الحيوانات والكائنات بطريقة ما، بينما مارستم أسوأ انواع الاحتقار تجاهنا! فكيف سنسى ابادتكم المستمرة لنا وعدم احترامكم لوجودنا الحشري على هذا الكوكب منذ بدء الخليقة ؟! وصرخ ثالث:

- لسوف تخترق ذاكرتنا الزمن السحيق، وتفجر في وجوهكم الآدمية البشعة حقدا مزمنا مكبوتا تعجزون عن استئصاله ومعالجته!....وبدا وكأنه يستمد عنفوانه وطاقته الهائلة من بئر كراهية عتيق، فظهر لعاب أبيض عند ملتقى الشفتين!

أما المحاضر المضروب المسكين فقد تمكن اخيرا من استجماع قواه والتحرر مؤقتا من خوفه فقال متحديا:

- من انتم سوى مجموعة من الجرذان! ( متذكرا مقولة زعيم عربي مغدور واصفا "الثوار"!)، ثم استطرد ساخرا:

- أنتم..اذن انتم ستنتقمون اخيرا! وستقيمون حضارة حشرية على انقاض حضارتنا البشرية المتألقة... أنتم ياسكان المجاري والحفر والخرابات! انتم لا غير!

فأعترض رابع محتجا:
- لا لا لا... لقد ألهمنا حضارتم الصناعية، فأشكال بعض سياراتكم تحاكي أشكال الخنافس، واما طائراتكم المروحية، فقد استلهمت شكلها وحركتها من شكل اختنا حشرة " اليعسوب " الطائرة. ثم استطرد هذا الأخير باسلوب خطابي:
- فهل تستطيعون ايها البشر الأدعياء محاكاة النحل بخلاياها البديعة التنظيم والوظيفة ؟ ام العنكبوت بمهارته في صنع شبكته ؟ حتى أنكم استوحيتم من شبكته مفهوم الانترنت واحدث برامج الحاسوب والانترنت!

وتابع تحديه بثقة:

- انكم أيها البشر مليئون بالخيلاء والغرور، ولكنكم في واقع الأمر على قدر كبير من القابلية للعطب، فحتى نحن الصراصير البشعة المنظر، فاننا بالحق نتمتع بقدرة هائلة على التحمل والتكيف، وربما نكون والجرذان الوحيدون القادرون على النجاة من "كارثة نووية" تأكل الخضر والبابس، وتقوض حضارتكم البشرية المزيفة! ثم تداخل خامس بحقد:

- هيا... ارشدونا الى هذا اليوم، يوم الهلاك النووي، انه بالتأكيد سيكون يوم سعدنا، فمتى ستنهون خلافاتكم السخيفة باشعال فتيل حرب عالمية ثالثة؟ ومن هو الزعيم العالمي الجديد الأحمق القادر على جر عالمكم البائس الى حافة الهاوية ؟ حتى نقنعه بدفعه الى قعر الجحيم دونما شعور بالأسف او الذنب ؟! دلنا أين سنجد "هتلرا " جديدا مجنونا لكي نزوره فورا ونقنعه ؟! ثم بدا حكيما وهو يكمل بهدؤ وتبصر:

- ونحن بالحق لا نخفي غبطتنا الكبيرة، عندما نرى نكوصا انسانيا كاسحا باتجاه الهمجية والحيوانية لكي لا اقول "الحشرية"، فأنتم بالمحصلة لستم بأحسن منا، بل تظهرون انياب غرائزكم، وتمارسون شتى ممارسات "القهر والقتل والتنكيل والحصار والاحتلال والاستغلال والفوقية والعنصرية والطائقية والاستعلاء" ضد بعضكم البعض، وخاصة ضد اخوانكم الفقراء والبؤساء والمساكين والضعفاء... انكم قساة ساديون بل ومجرمون همجيون وتدعون الرقي والحضارة والقدسية، ولكنها حضارة خاوية من المعنى الروحي والأخلاقي و"الانساني الحقيقي" ان صح التعبير!

وأنهى الحديث مسخ حشري جديد، بدا ملما بالشعر ومثقفا، فقد قال وهو يصحح وضع نظارته بحركة لاارادية:

حتى شعركم البشري لم يخلو ابدا من تحقيرنا، فقد قرأت لشاعر معاصر يقول:
خيام أبقت لي ثمالتها الغيوم --- في القاع من خان تلوذ به " الصراصر " او تطوف!
ثم يعود نفس هذا الشاعر المتبجح فيسخر من حياتنا في أحشاء المدينة ويقول:
فطفقت أحسو من ثقوب بالسقف ملء فمي الحميم ----- وألم من حولي " الصراصر " والهواما!

لم يتمكن هذه المرة من الاستيقاظ كعادته مرعوبا من هذا الكابوس الحشري الفريد، لأن كائنا شبحيا غريبا همس بأذنه بثقة، وكأنه ملاك الموت المرتقب:

- أنت ميت فعلا، ولكنك لا تعرف ذلك!


مهند النابلسي

عضو رابطة الكتاب الأردنيين- عضو اتحاد الكتاب العرب

من نفس المؤلف