عودة الإنسان

، بقلم لؤي صافي

في رحلتي الأخيرةِ إلى المكانِ الغابر
رأيت الأزمانَ تتعانقُ في شغفِ
وتدور كالعرائس في مراتعِ الأحلام
تتساءل في استغرابِ
ماذا جرى للضفائرِ الطويلة
والنساءِ الفارهاتِ في الفضيلة
 
هذا مكانٌ لا يشبهُ المكان
يبدو لزائرِهِ كأنه تاهَ بين جدران الزمان
وكأن ساكنيه خرجوا للتَوِ من كهوفٍ سليلة
أعينهم مبهورة من سطوع الشمس
وخطواتهم بطيئةُ وقاماتهمُ ذليلة
ويبدو في عيونهمِ الذابلةِ الكليلة
تخبُّطٌ واضحٌ وتداخلٌ بين الحبورِ والفضيلة
فهم لا يرونَ قَدْرَ الناسِ في المروءةِ والعِرفان
بل في كَثرةِ البنين وتطاولِ البُنيان
وفي تسريحة الشَعرِ والحصافة
والدردشةِ بعباراتٍ صليلة
والصمتِ في مواطن الإفصاحِ والبيان
وكلامٍ طويلٍ عن مآثر الآباء وأمجاد القبيلة
 
هذا مكان مندثر بحَضْرَةِ اللئام
فهم مَن وضعَ الحواجزَ عند تلاقي الدروب
وهم الذين تناثرت أشلاؤُهم في زوايا الحروب
وهم من رفعَ الأسوارَ الكسيرة
كي لا تعودَ الخرفانُ من مشوارها إلى الحظيرة
فتسرحُ بعيداً في مَرَاتِعِ الذئاب
أو تَسقُطَ في مجارفِ السيول
وقِيعانِ البحيراتِ المغطاةِ بالذُباب
فداخلُ السورِ مخصصٌ للغزلانِ والظِباء
كي تلعبَ بأمانٍ في حدائق السِباعِ الأسيرة
وتُرددَ تحت سمعها مبادئ الإباء
 
أعوامٌ كثيرةٌ مضتْ
وأجيالٌ من الخِرفانِ تترى تبهرتْ
والذئابُ لا زالت تصولُ وتجول
وإذا جاعت تأكلُ الخرفانَ والجمالَ والخيولْ
لأنها أبيةٌ
لا ترضى أن ترى خرفانها بين أحضان السباع
ولأنها بفعلها هذا
تؤكدُ رفضها جسارةَ الأسود
وتنددُ بفسادها ونكرانها العهود
وارتمائها في أحضان غزلان البراري
وإدمانها النظر في عيون ظبائها الحورية
والنومِ حتى الظهرِ في أحلامها الوردية
 
إلى متى؟ تَسَاءلَ سكانُ المدينة
إلى متى ترتعُ في أحيائنا السباع والنسور؟
تأكلُ أرزاقنا وأحلامنا
إلى متى تنزِعُ الأملَ من جفونِ أطفالنا الندية؟
وتزرعُ مكانه الخوفَ والرَدِية
وتُصِمُ أذاننا كي لا نَسمَعَ النداء
وتخطفُ البصر من عيوننا بالأبخرة
إلى متى نُسَاقُ إلى مراتعِ الذئابِ كالخراف؟
ونحن الذين كنا لقرون مديدة
نمشي بقامات أبية
ونخطوا خطواتٍ سديدة
وسيوفنا تتلألؤ تحت وهجِ الشمسِ الساطعة
فتُعمي الأسودَ والنسورَ الكاسرة
وتطرد الذئاب من الحقول بعيدا خلف الأكمة
وتنتظر عودة القلوب المهاجرة
 
اليوم زرت مرةً أخرى المكان
ورأيت الغبارَ يهوجُ مع اقتراب القافلة
والصراخَ يعلو من داخلِ الغبار
تباً لكم أضعتم أعمارنا بانتظار المطر
جففتمُ النبعَ
وأهلكتمُ الحرثَ والنسل
ولا زلنا بعد عقود من الوعود في خطر
ولازلتم عطشى وجوعى رغم تقادم السنين
تشربون دماءنا وتأكلون وجوهنا
وها نحن نقول لكم وقد بدت من بعيدٍ الرابية
أما كفاكم كم شربتم من دمانا
أمضوا لشأنكم وحلوا أينما شئتم
لكن حلوا بعيدا عن سمانا
 
من مرتعِ الخيولِ والخرفان
هربت الذئابُ والنسورُ والغربان
وعادَ إلى مكانهِ الإنسان
يتكلمُ بلغةٍ فصيحةٍ واضحةِ البيان
ويزرعُ التينَ والزيتونَ والرمان
ويرعى الفضيلة لتحمل من جديد
ملامحَ الحضارةِ ومواطنَ العمران
وينادي مؤذنُ البلدةِ
حي على الفلاح حي على الإيمان
حي على مستقبل يليق بالإنسان