حوار على رصيف ما

، بقلم دينا سليم

سألتني الامرأة المسنة بصوت مرتعش بينما هي تتأبط زجاجة خمر من النوع الرخيص:

- لماذا عدتِ؟

- هل تسأليني أنا؟

- وهل يوجد هنا غيرك لكي أسأله، هل أنتِ ثملة؟

- لا أحمل زجاجة خمر بيدي وعلنا مثلك، كما أني لا أخفي زجاجة تحت أبطي أو في حقيبتي، فكيف أكون ثملة!

- ربما أخفيتها في جوفكِ قبل أن تصلي إلى هنا!

- لم أفعل منذ شهر، ذكرتني أن أفعل الآن، أين يوجد أقرب حانة هنا، أريد أن أشرب حتى أصبح ثملة مثلكِ، هكذا نصبح سكّيرتان على رصيف واحد!

- لماذا عدتِ، هل فقدتِ وجهتكِ؟

- بل هي التي فقدتني، هل تعرفين إلى أين يجب أن أذهب؟

- إذن أنتِ تجيبين على سؤالي بسؤال آخر، حسنا سأجيبكِ إذا بقيتِ هنا حتى القطار الذي سيأتي فجر اليوم التالي، هل توافقين، أم أنتِ في عجلة من أمركِ؟

- لكني...

- اصعدي إذن في القطار القادم، كما تشائين، وسيبقى الجواب عالقا حتى متى تشائين، بالنسبة لي سأبقى هنا أنتظركِ حتى تقررين العودة حيث أنا، لكي أضع في حضنكِ أجوبة على أسئلتكِ الكثيرة، لكني أعتقد أن ليلة واحدة تتأخرين فيها أفضل من لا شيء!

- لم أفهم قصدكِ!

- ستفهمين إن أجّلتِ سفركِ إلى موعد آخر!

- ولماذا أصدّق إنسان ثمل مثلكِ؟

- لأنكِ أنتِ أيضا امرأة ثملة مثلي، أنا ثملة من كمية الكحول المرتفعة المشبعة داخل عروقي وأوردتي الآن، وأنتِ ثملة من الفراغ الذي يستحوذ على عقلكِ وقلبكِ، فطبيعي أن تكون أوردتكِ أيضا ثملة من الفراغ ذاتهِ!

- أنتِ تهذين، أنتِ خرفه أكيد!

- أتمنى أن أكون لكي أصرخ كما يحلو لي وأتحدث عما يحظره عليّ العقل، عقلي يدمرني، والذكريات تقتلني، وكذلك الطرقات التي تؤدي إلى خطوات الوجع، لذلك أقف هنا حيث منتصف النهاية، أقضي آخر أيامي في المنتصف!

- ماذا أفعل لمساعدتكِ؟ سألتها

- قميصكِ الذي ترتدينه شهي جدا، يحمل طعما خاصا، لا محالة يمكنه أن يأوي إليه وما يخفيه أشهى الرجال!

- أنا لا أفهمك، أنكِ فعلا امرأة مُخرفة، أستودعك!

- والتذكرة التي في جيبكِ!

- ما بها؟

- أتدعينها تنتظر حتى القطار القادم؟

- ربما لن يأتي؟ ( قلت لها بشيء من الحزن).

- سيأتي بدخانه ليمرّ من حريق إلى حريق!

- هل تصفين المحطات بالحرائق، عجيبة أنتِ، أنا لا أحب النيران!

- اسمكِ مدوّن في محطة الأمان، لا تخافي!

- اسمي، محطات، دخان، حرائق، أمان، كل هذا ولا تريدين مني أن أخاف؟

هذه الامرأة تضعني في حيرة أخرى، أتعثر بها هنا كما لو كانت شوكة توقفني عن مسيرتي، ماذا تريد ولماذا تقنعني إلى تبديل مساري، لماذا أفكر كثيرا بها وبما تقوله لي، هذه المسنة تنافسني في التفكير، تدعني أقف حيث لا أدري، أجري خلف خطواتها دون أن أتقدم خطوة واحدة إلى الأمام، من تكون يا ترى هذه المرأة شبه مقعده، ثملة وثرثارة لا تكف عن الكلام، لكني سأفعل كما قال أحدهم ( إذا صادفتك شوكة في طريقك خذها معك وامضِ)...لقد قررت أخيرا أن أبقى معها.

- أحاول أن أفهم ما يدور هنا، أنا لا أفهم شيئا! وجهت إليها الكلام.

- لا تهتمي سوف تدركين كل شيء في هذه الليلة المميزة التي سوف نفضي إليها مناصفة، أنتِ لكِ النصف الثاني وأنا لي النصف الأول منها، حسب ما تختارينه، يمكننا تبديل الأنصاف إن أردت، سوف أحدثكِ عن نفسي أولا، وعندما يكتمل الحديث سوف تحدثيني عن نفسكِ، أعلم كيف أكون عادلة، فلن أتحدث عن نفسي طيلة الوقت وأتركك تستمعين فقط، هل يرضيكِ هذا يا صاحبة القميص الأسود، أتمنى أن تحسني اختيار ألوان ملابسكِ بعد هذه الليلة التي سوف تمرّ علينا، ستكون ليلة فائضة بالكلام...

- لقد وصل القطار! قلت.

- إن استقللته الآن سوف تمتطين كذبة كبيرة مصنوعة من مركبة حديدية، ستحملكِ أسلاكا شائكة معلقة في الخارج، هي التي تطعمه الحرارة لكي يحافظ على دوران محركه فتبقى العجلات الحديدية سائرة على خطين مزروعين في الأرض يؤمر من هذا الذي يسمونه كهرباء، إنك لا تعرفين القطارات التي سارت بنا سابقا، لقد دكّوا الفحم فيها، أؤكد لك ذلك، فأنا أكبرك بخمسين حولا، لذلك استطعت أن أرى الكثير مما فاتكِ، سيمر بمحطات كثيرة، عن عابرين يلوحون فقط، ولا يستقلونه لأنهم وقفوا لكي يسلّموا على أنفاس الراكبين الأخيرة، الراكبون يندهشون لمنظر الوداع، بينما الواقفين يفرحون له كثيرا لأنهم يحبون لنا الطريق، وعندما تنشطر الطريق إلى اثنين لا يبقى أحد على حاله، الراكبون يفترقون من مجرد أن يقف، والصاعدون يكملون الطريق التي قررنا ألا نمضي فيها لأنه يوجد ما تبقى أن نعيشه من حياة!

- لماذا أنتِ هنا؟ سألتها

- من هنا أشاهد حركة الأقدام التي وزعتها الأقدار كما تشاء، أنا لا أدّعي أني صاحبة المشهد اليومي الآن، بل أنا الشاهدة على خروج المشاهد من مآزقها، الرحلة مأزق، الحياة مأزق كبير، الصعود مأزق، النزول مأزق، والتوقف مأزق غبيّ أيضا!

- هل أنت فيلسوفة؟ وجلست بجانبها لكي أكمل ليلتي معها.

- ليكن...لمَ لا ...أخيرا وجدت من يسمعني! (وابتسمت ابتسامة المنتصرين).