الكل يتجسس على الكل

، بقلم محمود عبد الرحيم

مثّل تفجير العميل المنشق عن وكالة الأمن القومي الأمريكي إدوارد سنودين، اللاجئ في روسيا، فضيحة التنصت الأمريكي على المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، ومئات من الزعماء حول العالم، الحلقة الأولى في مسلسل ممتد الحلقات، مملوء بالفضائح الاستخباراتية بين الحلفاء، وليس الأعداء فقط، والتي تتكشف يوماً تلو آخر، تفاصيلها، وتتعدد شخوصها.

بدا الأمر، أشبه بكرة الثلج التي تزداد أكثر مع التدحرج، خاصة مع تكشف فضيحة أخرى، تتمثل في تورط بريطانيا في التجسس على ألمانيا، فضلاً عن معلومات تتحدث عن وجود محطة تجسس لها في قاعدة عسكرية بقبرص موجهة ضد “الشرق الأوسط” وشمال إفريقيا ودول أوروبية، بل وحديث واشنطن ذاتها عن تعاون أجهزة استخباراتية أوروبية معها في هذه الأنشطة، وحديث سنودين أيضاً عن ممارسة دول عدة، بما فيها ألمانيا التي تصور نفسها ضحية، عمليات تنصت إلكترونية، الأمر الذي أثار ضجة كبيرة، وكان محل جدل واسع، خلال الأسبوع الفائت، وجعل ملف التجسس يتصدر الواجهة من جديد، وما يرتبط به من تساؤلات عن محددات هذا النشاط وأخلاقياته، وتداعياته على علاقات الدول ببعضها بعضاً، والأهم ما يتعلق بكيفية حماية الأمن القومي لكل دولة من مثل هذه الاختراقات، وكذلك خصوصية الأفراد.

ولاشك في أن مثل هذه الفضائح جعلت معظم دول العالم شرقاً وغرباً، وشمالاً وجنوباً، تشعر بالانزعاج الشديد، وتتحسس تجاه تلك الأنشطة التي تعيد إلى الأذهان مناخات حقبة الحرب الباردة، وإن كان العنوان العريض هذه المرة أن “التجسس لا يعرف التمييز بين العدو والصديق”، فهو سلاح مشهر في وجه الجميع، وهو ما سوف يلقي بظلاله، بكل تأكيد، على مستقبل العلاقات بين الدول بشكل عام، وعلى مساحة الثقة بشكل خاص، بين أبناء المعسكر الغربي الواحد، مجتمعين وفرادى، سواء بين المجموعة الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية من جهة، أو بين كل دولة أوروبية ونظيراتها من جهة أخرى.

ومن اللافت التعاون الأمريكي البريطاني بشكل خاص في أنشطة التجسس، سواء على الحلفاء أو الأعداء، ما يطرح من جديد مسألة التبعية البريطانية لواشنطن، والتورط معها في كل استراتيجياتها وسلوكاتها، سلماً وحرباً، والسير في فلكها، حتى لو كان على حساب علاقات الجوار والمصالح بين أبناء القارة الواحدة.

وربما كانت جلسة الاستجواب لرؤساء أجهزة الاستخبارات البريطانية بمجلس العموم البريطاني، وبشكل علني غير مسبوق، بعد جلسة مشابهة سابقة في الكونغرس الأمريكي، وانتقادات من بعض أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي بشأن التنصت على زعماء الدول الحليفة، ولقاءات للوزير الأمريكي جون كيري مع نظرائه الأوروبيين، دلالة على الخشية من تداعيات مثل هذه الأنشطة على علاقات أمريكا والمملكة المتحدة ومصالحهما مع الشركاء الأوروبيين، ومحاولة امتصاص الغضب الألماني الأكثر حدة وانفجاراً، مقارنة بمواقف دول أخرى، والذي جرى التعبير عنه في استدعاء وزارة الخارجية الألمانية للسفير البريطاني لدى برلين وقبله السفير الأمريكي ومطالبتهما بتوضيحات حول فضيحة التجسس عليها، ولوم المستشارة الألمانية أنجيلا ميريكل لأوباما، واستنكارها التنصت عليها، وإرسال رئيس استخباراتها لواشنطن، لمعرفة أبعاد واقعة التجسس، ومداها، والسعي لاستجواب العميل الاستخباراتي الأمريكي السابق الموجود في موسكو، ومفجر تلك الفضيحة المدوية إدوارد سنودين، لمعرفة تفاصيل أكثر عما جرى.

وربما أهمية جلسة استجواب مجلس العموم البريطاني تحديداً، في تقديم تفسيرات أو تبريرات، لمثل هذه الإجراءات المثيرة للجدل، كان أبرزها الحصول على أسرار تخفيها دول أخرى لدواعي الأمن القومي، خاصة وسط الخشية، حسب تصريحات رؤساء الأجهزة الاستخباراتية البريطانية، من استفادة الجماعات الإرهابية، خاصة تنظيم القاعدة من المعلومات التي يقوم بتسريبها سنودين الذي تم كيل الاتهامات له عن تهديد أمن الغرب بتلك التسريبات.

وما جاء على لسان رؤساء أجهزة الاستخبارات البريطانية، يكشف أن مساحة الثقة بين الحلفاء ليست بالقوة المتصورة، وأن التعاون الأمني بينها قاصر، رغم الاتفاقات والتحديات المشتركة، التي يتقدمها خطر الإرهاب، إلى جانب شبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود، التي تتولى أنشطة متعددة مثل الهجرة غير الشرعية، والمخدرات، والاتجار في البشر، وغسل الأموال، الأمر الذي يستدعي منها القيام بمثل هذه الأنشطة السرية، بغية الحصول على معلومات أكثر، ولو بشكل غير مشروع، عبر التجسس وليس القنوات الرسمية.

وبالنظر إلى الدور النشط في السنوات الأخيرة لأجهزة الاستخبارات الألمانية، والتطور في تقنياتها، خاصة ما يتعلق بالتعاطي مع ملف الجماعات الإرهابية داخل أوروبا وخارجها، يمكن أن تفهم من إحدى الزوايا، لماذا كان ثمة تركيز في استهدافها بشكل خاص.

ويبدو، أيضا، أن بريطانيا ومن ورائها أمريكا، التي يمكن وصفها بالعقل المدبر، والمستفيد الأول من تلك الأنشطة السرية، ترغب في معرفة توجهات ومواقف زعماء الدول، خاصة المؤثرة إقليميا ودولياً بشكل استباقي، وما يدور في كواليس صنع القرار، على النحو الذي يسهل بناء استراتيجيات المواجهة، وعملية التعاطي مع مواقف الدول الأخرى، أو تطويعها في الاتجاه الذي يعظم مكاسبها أو يقلل خسائرها على الصعد كافة سياسياً واقتصادياً وعسكرياً وأمنياً.

كما أنه من الواضح أن الهاجس الأمني بات مسيطراً على عملية صنع القرار دولياً، وأن الاستخبارات يتزايد دورها، ولا ينحسر في عالم اليوم، وتمثل أنشطتها ركيزة أساسية في رسم سياسات الدول وحركتها على الساحة الدولية، وبالتبعية تتجلى قيمة المعلومات التي أصبح الحصول على أكبر قدر منها، خاصة ذات الحساسية الخاصة، ضرورة ملحة، وسلاحاً مهماً في يد الدول يمكنها من ضرب خصومها، أو تقييد حركة منافسيها، أو حتى تأمين نفسها من هجمات محتملة من أي نوع كان، أو تحقيق استفادة ما، وحماية المصالح الاقتصادية أو السياسية.

وثمة طرح ترافق مع الضجة المثارة حالياً، يتحدث عن ضرورة فتح قنوات حوار بين الدول المعتدية والمعتدى عليها استخباراتياً، كسبيل لتسوية الخلاف الراهن، وترميم جسور الثقة التي أصابتها الشقوق العميقة، وهو ما جرى فعليا، بين أمريكا والأوروبيين ككتلة واحدة، أو بين المسؤولين الأمريكيين والألمان بشكل ثنائي، غير أنه لا يبدو كافياً لاستعادة المصداقية، وستبقى مساحة من الشك والتوجس قائمة، لفترة ليست بالقليلة، حتى بين الحلفاء، بعد اهتزاز الثقة أخيراً، وهذه الصدمة التي تعرضت لها العواصم الأوروبية الكبرى.

وحتى الحديث عن اتفاقية دولية لمعالجة أنشطة التجسس بين الدول في إطار أممي، أو وضع ما يمكن أن يسمى ب”مدونة سلوك للأنشطة التجسسية”، أو كما طرحت كل من ألمانيا والبرازيل مشروع قرار في الجمعية العامة للأمم المتحدة في هذا الصدد، لا يبدو أيضاً ذا فعالية، في ظل سوابق عدة تكشف عن تجاوز اتفاقات ومعاهدات دولية في مجالات مختلفة، وضرب عرض الحائط بمثل تلك التعهدات، حين تتعارض مع مصالح بعض الدول.

ويبقى القول إنه لا بديل عن تركيز الدول في بناء استراتيجيات أكثر فعالية وتطوراً لمواجهة الأنشطة التجسسية على أراضيها، وضخ استثمارات في مجال “الحرب الإلكترونية”، سواء ما يتعلق بأمن المعلومات، وتطوير الأبحاث المرتبطة بها، أو ما يخص اعتراض الهجمات المضادة، أو التشويش على أجهزة التنصت المختلفة، ورصد الأنشطة المعادية.

فهذا هو الأهم، والأكثر عملية، خاصة أن ثمة احتمالاً متزايداً بشأن اتساع نطاق التنصت، وأن “حرب التجسس” ستزداد ولن تقل، وسنكون إزاء “سباق تجسس” محموم بين الدول، سواء كانت حلفاء أو أعداء، وهو الأمر الذي لا يبدو، للأسف، على قائمة أولويات صناع القرار في الدول العربية، التي هي الأكثر تعرضاً للاختراقات والهجمات التجسسية التي تتهدد مصالحها من دون أدنى شك، فيما التركيز منصب في الأساس على توظيف تلك الآليات في مراقبة وتتبع أبناء الشعب ذاته، وبخاصة المعارضين منهم الذين يمثلون، من وجهة نظر الأجهزة الاستخباراتية، الخطر الداهم على السلطة .