قراءة في ديوان «آخر أغنية للرحيل»

، بقلم عبد الرحيم حمدان حمدان

محمد ديودار شاعر شاب، وصوت عذب من الأصوات الشعرية في شعرنا الفلسطيني المعاصر، بدأ مسيرته الشعرية منذ أكثر من سبع سنوات، إذ صدرت له أول مجموعة شعرية بعنوان:" صريع الأشواق" سنة 2006 م، وفي سنة 2007 م صدر له ديوان شعري بعنوان:"أسير في ضلوع حسناء" ، وتوالت مجموعاته الشعرية في الصدور، إذ صدر له سنة 2010 م مجموعة شعرية بعنوان:"أعيريني عينيي"، وفي سنة 2011م صدر له ديوان شعري بعنوان: "ظلال الذاكرة "، وآخر ما صدر له مجموعة شعرية 2013 م حملت عنوان:" آخر أغنية للرحيل".

ومن يتعمق المجموعات الشعرية التي صدرت للشاعر يدرك أنه عمل على تطوير مضامينه الفكرية، وأدواته الفنية بدأبٍ وإخلاص بوصفها الوسيلة الأولى للسير على طريق الشعر الطويل.

وستقارب هذه القراءة السريعة ديوانه الشعري الأخير؛ لأنه يمثل نضج تجربته الشعرية وتطورها.
يقع الديوان في(144) صفحة من الحجم المتوسط، ويضم(22) قصيدة، تتراوح بين الطول والقصر، وقد صدر في طبعة أنيقة، فضلاً عن اشتماله على إهداء شعري طويل نوعاً ما، إذ جاء متعدداً، فشمل كلاً من: الأب والأم، والأخت الشهيدة، والحبيبة، وعشاق شعره، وهذا الإهداء بوصفه عتبة نصية يشي بما تصطبغ به قصائد الديوان من روح إنسانية وأسرية، مفعمة بصدق العاطفة وتوهجها.

يضم هذا الديوان قصائد عديدة ومتنوعة في موضوعاتها: الوطنية، والعاطفية الحزينة، والقصائد العامة، بيد أن الرؤية العامة في هذا الديوان تتألف من بعدين أساسيين هما: البعد الوطني والبعد العاطفي، وهما يمتزجان معاً امتزاجاً عضوياً بارعاً؛ الأمر الذي ضمن لهما درجة عالية من النضج والعمق والتكامل.

أ – البعد الوطني:

انشغل الشاعر بالهم الوطني انشغالاً كبيراً، فالاحتلال وما نجم عنه من ضياع للأرض، وتشريد للأهل، وانتهاك للمقدسات وتمزق بين أبناء الشعب الفلسطيني، وانقسام بغيض، كل هذه المضامين أقضّت مضاجع الشاعر، فانعكست في تجربته الشعرية، فأخذ يدعو إلى الوحدة والصمود والتحدي والمقاومة.

وقد تضاعف لدى الشاعر الانشغال بالانقسام المرير، وما ترتب عليه من تمزيق لشبكة العلاقات الإنسانية بين الأخوة، يقول في قصيدة له بعنوان " المد والجزر"، والتي تأهل بها في مسابقة" أمير الشعراء" التي عُقدت في الأمارات العربية سنة 2012م وبإجماع لجنة التحكيم: يقول وقد جرّد من نفسه إنساناً آخر يناجيه:

أراكَ جريـحَ القلبِ جــــــلاَّدُكَ الهَجْرُ
وأغمضَ عنْ نجواكَ أجفانَهُ البَــــــدْرُ
أخي بَدَّدَ الوِجدانَ بيـــــني وبيْـــنَهُ
أهانَ احْتـــــراميْ ، قدْ جفا أنَّني البِكْرُ
" أخُوكَ وليُّـــنا ": وأُمِّي تُناديــتــهِ
أتجْحدُ مَنْ رَبَّـــــاكَ ؟ تُبْ مالَكَ العُذرُ
أخي يَشْتـــَهي جُرْحي وأُمِّي حزيــنةٌ
أهذا الفتى ابْني؟ أمْ غَزا قَلْبَـهُ الصَّــخْرُ
أخي _ ذاكَ _ عبدُ المالِ لا شيءَ فوْقَـهُ
إذا المالُ يُعْمي العينَ يا حبَّـــذا الفَقْرُ
وأمِّي اَّلتي قَدْ أرْضَـــــعتْهُ أباحَها
وما كانَ مِنْهُ في رعايتِـــــها البِرُّ

وفي مكان آخر عبّر الشاعر عن أزمة الإنسان العربي مع السلطات الحاكمة، فصّور بلغة بليغة مترعة بالغضب، وبأسلوب السخرية المرة، والتهكم اللاذع صورة الحاكم العربي الذي حرم شعبه طعم الحرية، وأذاقه الهوان والمذلة، فهو يدع الحاكم الغربي يتحدث عن نفسه كاشفاًً حقيقة أنه وصل إلى سدة الحكم بطريق غير مشروع، يقول في قصيدة بعنوان:" تصريح حاكم ديمقراطي":

أنا الحاكمُ العربيُّ
ولدتُ كباقي الخلائقِ طِفلا
لأمٍّ عرابيَّةٍ وأبٍ في النخاسةِ خَلُّوهُ خيْلا
وقالوا لهذي الغريزةِ إرْثُ أبيكَ فقدْ حِزْتَ نُبْلا
فقلتُ لنفسيَ كيْفَ أجاهدُ إرْثَ أبي؟ سوْفَ أوجدُ حَلاَّ
مصادفةً قدْ تحَرَّكَ ذيلي
فقلتُ أجلْ ما يشابهني بأبي الذيلُ لا لستُ أحتاجُ ذيْلا.

ولا يَفتأٌ الشاعر يُعرِّي مظاهر التسلط، ويصب عليها لهيب غضبه الغيور ما يذيب عنه نفاسة الجوهر الأصيل، وما تراكم عليه من صدأ الحكام والزعماء المستبدين. إنه يتفهم الواقع العربي الكسيح فيدعو إلى سلوك سبيل المقاومة وترسيخ إرادة التحدي والمقاومة، يقول في نبرة تحد وغضب، يقول في قصيدة بعنوان"دستورية الملح":

وارفع سماءك كلما هدموك قف مثل القلاعِ
وكلما أقصوك عد قبل الشعاعِ
وكلما قتلوك عش
عد للوقوف وعش برغم السوط والجلاد لست أقلَّ من هذا
التحدي.

إنه يدرك الرسالة الفكرية والأخلاقية والتأثيرية التي يحملها الشاعر تجاه وطنه، لذا نجده يسعى إلى تحريض شباب الأمة على الثورة على المواضعات الاجتماعية والأوضاع البالية في الأمة، يقول في قصيدته" كلما مت أولد: مخاطباً ابن العروبة:

سترجعُ رُوحُكَ يوماً لتلكَ الروابي فتفْتخرُ فيكَ وتُسْعَد
برغُمِ التباريحِ يا ابْنَ العروبةِ إيَّاكَ تُخْمَدْ
إذن قم فشيطانك الآن مجهد ْْ
وقل للسماء وما فوقها من سماء
أنا الغضب العربي الذي
كلما مت أولد ْ

المتأمل في تجربة الشاعر الإنسانية يدرك أنه يمزج في شعره الخاص بالعام، فينبثق من همّه الوطني همه القومي، ومن همه الذاتي الهم العام، فمأساته جزء من مأساة وطنه، وأن الخاص الذي ألحَّ عليه في قصائده يتعين أن يتوحد في العام في تجربته الشعرية يقول في قصيدة بعنوان"آخر أغنية للرحيل":

أنا المستقيل
وآخر أغنية للرحيل
يجاهر بالعطر جرحي وقد لبستي هنا مفردات التعري
متى يرجع الحب يحتضن الأغنيات
متى يدرك الجمع ما غصة الطيبات
قفوا أيها النازحون إلى عتبات الحضارة
بل كلما أدرك العرب بي قمة كلما إقتربت من الهاويهْ
..................
أنا نكهة الراحلين ورائحة الاغتراب
تساقطتُ كيف أمحو الجرح ما أثخنته اليد العاطلهْ

ب- البعد العاطفي:

يتألف هذا البعد من الخيوط الشعورية والنفسية المتشابكة، هو مزاج من المشاعر والأحاسيس المختلفة؛ الأمر الذي أكسب قصائد هذا البعد قدرا طيبا من التنوع والغنى.

وتتردد ملامح هذا البعد ما بين الاحتفال بحب جديد يشرق في ثنايا حياة الشاعر، والآسي على حب قديم ينطفئ، وما بين هذين العاطفتين تتنوع التجارب الخاصة وتتعدد. إنه يتحدث عن محبوبة تتصف عن غيرها من الفتيات الأخريات فهي تتسامى وتتسامق، لتصل إلى مرتبة الشمس،يقول على لسان الشمس يقول في قصيدة بعنوان"قربك سر خسوفي":

أنا التي في حنايا الكون معتمر
نوري ومن شدة الأنوار احترقُ
تنام فوق يدي الصحراء محبطة
أردي تأملها بالخضرة القلقُ
هل ترتوي في غد أم ليس موعوده
وحلم كل الصحاري ذلك الرمقُ
...........
يا سيدي جد لنا نصا يجمعنا
أرق حضن علينا الحبر والورقُ
فقلت سيدتي والبوح غص فمي
لكنْ أيرفع المحنة الملقُ
حظي أُضيء والجوار دجى
أقدارنا في خلاف كيف نتفق.

الصورة الفنية في الأبيات السابقة نابضة بالحياة والحيوية، إنها مبنية على مستويين: حقيقية ومجازية، تذوب بينهما الفواصل والحدود، فلا يُدرى إن كان الشاعر يخاطب الشمس أم المحبوبة، إذ حدث تماهٍ واندغام بين الصورتين. ويتجلى هذا التماهي بين صورة المحبوبة والشمس حين يقول في القصيدة نفسها:

ما حدث يا حلوتي الشقراء عن شغف
لكن كلانا بجرح ليس ينغلقُ
ما زلت مبعدة عن عالمي أبدا
ونورك الفذ من عيني ينبثقُ
لا بدر يسمو بدون الشمس مرتبة
روحان تاهت بلا لقياهما الطرقُ

المتمعن في المقطع الشعري السابق يكتشف أن الشاعر استعان في التعبير عن رؤيته الشعرية بالأسلوب القصصي لاسيما توظيف عنصر الحوار الخارجي، الذي يتمثل في إجراء حوار بليغ مع الشمس التي أكسبها ملامح إنسانية، فأضفى على النص حياة وحيوية.

من هنا يمكن للناقد أن يعد البنية السردية وما تتكون من عناصر درامية من حوار خارجي وداخلي ووصف وتشخيص ملمحاً أساسياً من ملامح بناء القصيدة الفني لدى الشاعر، ولعله اكتسب هذه الوسيلة التعبيرية الحديثة من تجربته الشعرية في كتابة المسرحيات والأوبريتات الشعرية، إذ كتب مسرحية شعرية بعنوان:"سنابل الأمل"، فضلاً عن كتابته لعدد من الأوبريتات الشعرية نظير: "أوبريت كبرياء غزة"، و"أوبريت الفارس الراحل محمود درويش" و"أوبريت اغضب".

وفي موضع آخر من الديوان يرسم الشاعر صورة حية لمحبوبته التي أعطاها اسم "إسراء" يقول:

إسراء يا وجعي ما انفك بي وجع
وليس لي مذهب إلاك أعتنقُ
ما في يدي عصا تهديك معجزة
عصماء تجعل هذا الكرب ينفلقُ
إني لاختلق الأعذار من جرحي
إذا سئلت فقولي كم سأختلقُ
لو مر طيفك برقا في مخيلتي
حينا لطأطأ إجلالا له العنقُ
إما كسوفك يجلو في تقاربنا
في لحظة أو خسوفي بعد ينطبقُ
لنا حياة بعيداً عن مطامحنا
لو نحن طفنا المدى نغدو وننطلقُ

إن صورة " إسراء " تحمل أبعاداً ودلالات متنوعة فربما تكون " إسراء " رمزاً لإبداعه الشعري، فكما يصبو إلى جمال محبوبته وفتنها ومحاسنها، فإنه يصبو إلى قصائده، وإلى أشعارٍ عذبة ممتعة رائعة يحقق بها التميز والتفوق يقول في قصيدة "يمامتان ":

يمامتان
الفاتنات من الإناث قصائدي
وجنونهن محبب ومهاب
هن اللواتي قد أقمن إمارتي
وبناء أي جميلة خلاب.

وقد تكون "إسراء" عند الشاعر رمزاً وتوظيفاً بلاغياً واستعارياً، ويعني بها الأرض والوطن والهوية والانتماء، فـ"إسراء" هي التي تجسد كل شيء، وتعني كل شيء، فيلتقي هنا مع زملائه من الشعراء الفلسطينيين، الذين كتبوا كثيراً للأرض والوطن وشبهوا الأرض بالفتاة الجميلة والحبيبة مثل الشاعر محمود درويش:

فلسطينية العينين والوشم
فلسطينية الاسم
فلسطينية الأحلام والهم
فلسطينية المنديل والقدمين و الجسم
فلسطينية الكلمات والصمت
فلسطينية الصوت
فلسطينية الميلاد والموت
حملتك في دفاتري القديمة
نار أشعاري
حملتك زاد أسفاري

وباسمك صحت في الوديان:

خيول الروم! أعرفها
وإن يتبدل الميدان!.

وربما حمل دال" إسراء" لدى الشاعر دلالات إيحائية أخرى، ذلك أنه في إمكان القارئ أن يذهب إلى القول بأن هذا الدال يشير إلى مدينة"القدس" مدينة الإسراء، مستلهماً إيحاءاتها من معطى ديني هو حادثة" الإسراء والمعراج" التي يقول فيها المولى عز وجلّ:" سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ"، فالقدس هي الإسراء، وهنا يزداد الاسم غنى ورحابة والتصاقاً بوطنه وبلاده، و" إسراء" رمز تتردد في الأشعار التي سبقت هذا الديوان، يقول في قصيدة "المحار والياسمينة" من ديوانه" اعيريني عينيّ:

إسْراءُ ما ذَنْبي إذا كُنْتُ المَحارَ وكُنْتِ أنْتِ الياسَمينةْ "

وللتعبير عن خيوط البعد العاطفي والوجداني يعمد الشاعر إلى استثمار البناء الفني للموشحة الأندلسية بما تمتلكه من طاقات نغمية ثرة، وقدرات غنائية تندغم مع نسيج رؤيته الشهرية، وطبيعة أدواته الفنية ، ويرسم الشاعر لمحبوبته إسراء صوراً متعددة منها، يقول في قصيدة أخرى بعنوان: "غزال إنسية ":

غزال الإنس إسراء بياض الثلج عذراء
حياتي قربها مزج ودون الوصل قفراء
دوائي غيد راحتها فيسلي الوجد والداء
تدوي فيه ألحان

القصيدة في معمارها الفني تتلاءم مع البعد العاطفي الذي يصوره الشاعر، فالقصيدة مستلهمة من بناء الموشحة الأندلسية من حيث التلاعب بالقوافي، والأنغام الموسيقية العذبة التي تتدفق من الألفاظ الرقيقة المموسقة ذات الإيقاع المنساب، واتخاذ الشاعر صوت النون ذي الرنة الحزينة والصوت المردوف بالألف:" الحان، ريّان، تحنان، تيجان، حيران، نيران، مرجان، خلجان، سلطان" يمثل رابطاً إيقاعياً يشد عناصر هذا البناء بعضه ببعض؛ لتشكل وحدة نفسية ومعنوية.

إن أصالة التجربة الإبداعية لدى الشاعر أكسبت شعره طابع البساطة والرقة، فهو قادر على أن يبعث في المفردة المنتقاة نبضاً متجدداً، وجوّاً ثرياً، بالإيحاءات والدلالات الغنية.

والناظر المدقق في قصائده العاطفية يجدها تمتاز بالصدق، والطابع الرومانسي الحالم والشفافية، وتتسم بالرقة والعذوبة، زاخرة بالمعاني العميقة، والصور الشعرية المشرقة والمكثفة بأضوائها الساحرة.

ظواهر فكرية وفنية:

من يقرأ الديوان قراءة فاحصة، تتكشف له ظواهر فكرية وفنية عديدة، وستتم مقاربة بعض هذه الظواهر:

تتجلى في هذا الديوان بوضوح ظاهرة تسترعى اهتمام المتلقي وهي شيوع نبرة أسى وحزن شفيفين توشحان أبعاد الرؤية العامة بأسرها، إذ لا تكاد تخلو منها قصيدة من قصائد الديوان.
فالديوان يستمد عنوانه من عنوان إحدى قصائده، والتي تحمل معاني الحزن والرحيل، فالعنوان يحمل دلالات فنية رمزية خالصة تلخص الإطار العام للرؤية الشعرية في الديوان كله، فالثورة والغضب على الواقع، والحلم بفجرٍ وضّاء، وأمل مشرق خالٍ من الألم الإنساني والظلم الذي يعانيه البشر كافة، يمكن أن يتحقق، ذلك أن الأسى والحزن والرحيل لن يظل يطغى على ملامح تجربة الشاعر.

وتحمل بعض عناوين القصائد أيضاً نبرات حزينة وأسيانة لتعبر عن أبعاد تجارب الشاعر مثل: فيم الموت والعطب، على ضفاف الأسى، شكوى إلى البحر، موت بطعم العفن.

ويمكن تفسير هيمنة نغمة الحزن الدفين التي يستشفها المتلقي من الديوان بأن الطابع الغالب على مزاج الإنسان الفلسطيني هو الحزن والأسى؛ بسبب ما يعانيه من نكبات وحصار وضياع وتشريد. فضلاً عن أن المبتدئين الشباب من أمثال الشاعر ديودار غالباً ما يلجئون في التعبير الفني إلى البوح بمشاعرهم بأسلوب مغلف بالأشجان والأحزان المبكرة يقول الشاعر:

أخي النحيب، وأمي دمعتي، وغدت
نوائب الدهر عمي، والضنى جاري
الكون يختال سعدا والمدامع لي
ولم أجد بشراً تبكيه أخباري
تبكي عليَّ الروابي الساكنات دماً
والطير أعياه ترحالي وأسفاري.

ومن يمعن النظر في أبعاد رؤية الشاعر يجد أثراً واضحاً لمهنة الشاعر وانعكاساتها في تجربته الشعرية.

فقد أثرت دراسته للقانون في كلية الحقوق، وتعاطيته لمهنة المحاماة في أبعاد تجربته في وجوه كثيرة: إنْ في مضامينه الفكرية مثل تناوله لمدلولات الحق والعدل والمساواة والحرية والظلم والطغيان، وإن على مستوى المعجم الشعري الذي يزخر بعدد من الدوال والتراكيب مثل الخير والشر والعدالة والحق والتسامح والقانون والعقل والموت والذنب.

وقد امتاح بعضاً من صوره الشعرية من عالم القضاء والمحاماة فشاعت في أشعاره صور متعددة من الحكم والوصايا والأمثال؛ الأمر الذي أدى إلى تسرب النبرة الخطابية، والنغمة التقديرية المباشرة قي نسيج خطابه الشعري.

فالشاعر يرتدي أحيانا عباءة القاضي، ويأخذ في تقديم الحكم والنصائح والتوجيهات إلى المتلقي، فيتحول من شاعر العواطف والصور الفنية والتعبير الموحي إلى الشاعر الحكيم يقول:

وأما المحاكم مِنْ عُرْفها- قبل نطق القرارات- تقرعُ طبلا
فما هي إلا دكاكين تبتاع منها الإدانة من غير جُرْم
وباسم القوانين لم تلتفتْ للعدالة أصلا

حكم وألفاظ وعبارات امتيحت الشاعر من قاعات المحاكم مثل: النطق بالقرارات، تقرعُ طبلا، الإدانة من غير جُرْم، باسم القوانين، لم تلتفتْ للعدالة. هذا الخطاب الشعري الذي بثه الشاعر ما هو في الواقع إلا ثمرة عراك الشاعر مع أحداث الحياة ومشكلاتها.

وفي أحيان أخرى يلبس الشاعر رداء الزاهد العابد الذي يسوق لأتباعه ومريديه العظات والعبر والدروس والمواعظ والحكم المأثورة، فيحذرهم من غدر الدنيا وتقلبها، وبطش الموت وفتكه، يقول وقد رسم صورة للدنيا في غدرها وسرابها الخادع وأمانيها الخادعة:

دنيا تخون محبيها وتخذلهم
عمدا ويعجب من أطباعها العجبُ
ما من حبيب لها لا تعطها ثقة
لا يلعق الوحل إلا الواثق الطربُ
في كل حلم مشاع رمت أمنية
فاستعبدتك الأماني مثلما يجبُ
فاصبر ولا تطلب الإحسان من جشعٍ
إذ فاقد الشيء لا يحظى ولا يهبُ
فإن تكن لك في الأيام مأربة
فلن تنال إذا ما صدك التعبُ
كم من سبيل يغر الصفو سالكها
والموت في أي وقت فيه مرتقبُ

صحيح إن هذه الحكم مرتبطة بالرؤية العامة للقصيدة، وتعبر عن تجربة الشاعر الإنسانية، بيد أن التعبير يسقط في النبرة الخطابية العالية، وتنساب منه روح من النثرية التي تبعده عن توظيف أدوات التصوير والإيحاء القادرة على التأثير في نفوس المتلقين، وإحداث المشاركة الوجدانية معهم.

إن المتلقي في سياحته بين صفحات الديوان يلتقي لا ريب قصائد متعددة عول فيها الشاعر على استخدام أدوات شعرية متعددة؛ لتجسيد رؤيته الشعرية، ويلحظ أن أدواته قد امتزجت امتزاجاً بارعاً بأبعاد رؤيته الشعرية. ومن تلك الأدوات استخدام اللغة والصورة والإيقاع إضافة إلى أدوات أخرى استمدها من الفنون الأخرى، كالحوار وتعدد الأصوات والمفارقة وغيرها.
ومن الظواهر الفنية التي استرعت انتباه المتلقي اتكاء الخطاب الشعري على التراث لاسترفاده بطريقة تتلاءم وطبيعة الرؤية التي يجسدها، فالشاعر يسترفد التراث الأدبي القديم ، فهو يستلهم تجربة شاعريين تراثيين هما أبو فراس الحمداني والمتنبي. فالمتلقي يشعر بروح هذين الشاعرين تسريان في شعره ، يقول في قصيدته" المد والجزر"، التي تذكر المتلقي بقصيدة أبي فراس الحمداني التي مطلعها:

أراك عصـي الدمـع شيمتـك الصبـر
أمــا للهوى نـهـي عـلـيـك ولا أمر

يلمس المتلقي في هذه القصيدة صدى قوياً للشاعر أبي فراس سواء في الوزن والقافية أم في بعض المعاني والأفكار والصور، بيد انه من الطبيعي أن يكون ثمة هناك اختلاف بين تجربة كلا الشاعرين وملامحهما الخاصة.

وفي قصيدة أخرى يصرح الشاعر بمعارضته قصيدة للشاعر المتنبي بعنوان:"الشاعر والليل" يقول في مطلعها:

ما أصغر الناس لما صرت فوقهمُ
من مولدي علم ما فوقـــه علم

أما قصيدة المتنبي فهي التي يقول في مطلعها:

واحر قلباه ممن قلبــــه شبم
ومن بجسمي وحالي عنده سقم

إن معارضة الشاعر للمتنبي تنبئ القارئ بأنه متأثر به في علو الهمة وقوة النبرة، والتغني بالكرامة والإباء، والاعتزاز الشخصي والقومي، ويلمس المتلقي لديه فلسفة القوة والثقة بالنفس وحب المجد وتحقيق الذات والكفاح والنضال من أجل العيش الشريف، فضلاً صياغة المتنبي في تراكيبه اللغوية وصوره الشعرية، وإيقاعه النغمي، يقول في تلك القصيدة:

أنت الذي ما تداعى عن مآربه
في ثارة شيم ،، في صفحه شيمُ
الكبرياء قميص جلَّ ملبسه
تواضع نقشه قد زانه الكرمُ
نحصي النجوم ولا نحصي محاسنه
كشهوة الغيث ما في طبعه حشمُ
أعلى فضاء الثريا صبت منزلة
إن التي ترفع الساعي هي المهمُ.

ويمكن أن نعد استرفاد الشاعر معطيات التراث لاسيما الشخصيات التاريخية عربية وغير عربية. ظاهرة أسلوبية أخرى، فهو يستدعي شخصيات تاريخية إسلامية من أمثال المأمون والحجاج:
أخي أصْبحَ المأمونَ أتقنَ زَهْوَهُ
وَقْدْ قَلَّدَ الحَجَّاجَ في خَيْرِهِ شَرُّ
لهُ رَّغبةٌ صحراءُ من دونِ خُضرةٍ
تَغُصُّ ومهما اخْضوضرتْ ، شَهْدُها مُرُّ
ومن الشخصيات غير العربية التي استدعاها الشاعر شخصية نيرون؛ لتكون رمزاً للشر والهلاك، يقول على لسان الحاكم العربي المستبد:

ونيرون روما تناسل في أسرتي وتملك شيطانه العائلة
وكم من إله توطن فيَّ، بني فيَّ عرشاً
وأسقطت في غفلة هيكله

ويسترفد في موضع آخر مواقف حية تعرض لها المسيح- عليه السلام- في رحلته الطويلة لأداء رسالته السماوية التي حملها إلى الناس، والتي تعرض فيها للأذى والمحن على يد اليهود لأداء رسالته السماوية التي أمره المولى بنقلها للبشر:

وكم سرتُ وحدي إلى الْجُلْجُله ْ
أنا ذمة الله في حضرة المقصله ْ.

تمثل الشاعر في هذا النص بعض ملامح شخصية السيد المسيح- عليه السلام-"وصفاتها، لاسيما رحلة العذاب التي مر بها، وانتهت بالسير إلى الجلجلة، والصعود إلى خشبة الصلب في سبيل التطهّر والفداء، وأسقطها على شخصيته، فهو يعاني الآلام والأحزان بصورة تماثل المسيح- عليه السلام-". (الجُلْجُلْة: هو الجبل الذي حمل السيد المسيح ـ عليه السلام ـ صليبه إلى قمته، والذي يعتقد المسيحيون أن السيد المسيح صلب ومات فيه).

إن توظيف الشاعر لمثل هذه المعطيات التراثية يعمق لا شك مضامينه الفكرية، ويضفي عليها لوناً من التلوين والتنويع في أساليب التعبير، بيد توظيفه لتلك المعطيات من شخصيات تراثية لا يكاد يعدو كونه توظيفاً جزئياً، إذ جاء ذلك التوظيف في صور جزئية، وفي صورة إلماعة سريعة لم تتمدد لتشكل صورة كلية واسعة الأبعاد والملامح، وإنما جاءت لتعبر عن فكرة جزئية أو لمحة سريعة، فتفقد بذلك ذوبانها في المقطع الشعري بأسره.

ومن الظواهر الفنية البارزة في هذا الديوان المراوحة بين الشكل الموسيقي التراثي والمعاصر، فقد تراوحت قصائد الديوان بين استخدام الشكل الموسيقي التقليدي التي تتمثل في وحدة الوزن ووحدة القافية وبين شعر التفعيلة الشعر الحر الذي يتنوع فيه القافية أحيانا وتهمل إهمالاً يكاد يكون تاماً في أحايين أخرى، إنه يجمع بين الأصالة والحداثة. وهذا الجمع يوحي بتمسك الشاعر بالأصالة من جهة وبالتجديد من جهة أخرى.

ومن الملاحظات الجديرة بالذكر أيضاً أن كثيراً من قصائد الشاعر تميل إلى الطول، الأمر الذي جعلها تجنح للاهتمام بالفكرة، فتتسع فيها مساحة العقل والفكر على حساب العاطفة والوجدان، فيثقلها ذلك الفكر، فتنزلق إلى المباشرة والنثرية، وينفرط فيها عقد الصورة الشعرية، ويختفي فيها الإيحاء والإيماء. ولو أن الشاعر سعى إلى تطوير المعمار الفني لقصائده بحيث يحتوي هذا البناء المعماري على التنوع والتلوين بدلاً من أن تكرار البناء المسطّح في عدد من قصائده، فيستطيع أن يلجأ إلى كل من: البناء الدائري واللولبي والمقطعي والدرامي، كأن يقسم قصيدته مثلاً إلى عدد من المقاطع بحيث يحتوي كل مقطع على فكرة أو رؤية أو صورة يتجه فيها إلى التكثيف والاختزال، والتمحور حول فكرة واحدة مرتبطة بالرؤية العامة للقصيدة؛ الأمر الذي ينعكس في المعمار الفني للقصيدة، وما تتكون منه من وسائل تعبيرية وأدوات فنية كاللغة والصور الفنية والإيقاع النغمي وغيرها.

ومن الظواهر البارزة في هذا الديوان ظاهرة التكرار بألوانها المتعددة، والتي تشكل ملمحاً بارزاً في نسيج الرؤية العامة لتجربة الشاعر، وأداة فنية شغلت مساحة واسعة على امتداد رقعة الديوان، فكانت ظاهرة أسلوبية شغف الشاعر بتوظيفها لتحقيق أغراض فكرية وتعبيرية.
ومن ألوان ذلك التكرار لدى الشاعر: “التكرار الاستهلالي"، هو تكرار كلمة أو عبارة في أول كل بيت، وهذا التكرار يكون أكثر ارتباطاً ببناء القصيدة أو الأبيات التي يرد فيها، ومن وظائفه التأكيد والتنبيه، وإثارة التوقع لدى السامع للموقف الجديد؛ لمشاركة الشاعر وإحساسه ونبضه الشعري، ويعين في إثارة التوقع لدى السامع، وهذا التوقع من شأنه أن يجعل السامع أكثر تحفزاً لسماع الشاعر والانتباه إليه” يقول في قصيدته" أحبكِ:

أحبكِ زهرا أريجك نبضي فكوني أريجي فأما الردى لا تكوني
أحبكِ طيراً يقشش عشا على صفحات جفوني
أحبكِ صفصافة أستميت على ظلها
أحبكِ ترنيمة تستبيح جنوني
أحبكِ عصفا يلج كياني
أحبكِ سيلاً يدك حصوني
أحبكِ سيلاً يدك حصوني
أحبكِ هادئة كهدوء يقيني
احبكِ مرعدة كرعود ظنوني

اتكأ الشاعر في هذا المجتزأ على تكرار كلمة“ أحبك” في بداية كل بيت، وهو لم يأت بها من فراغ؛ وإنما أتى به ليكشف عن شدة تعلقه بالحبيبة/ الوطن، وعمق حبه لها، وهذا التتابع المتسلسل لكلمة “ أحبك” يؤدي دوراً فنياً، وذلك في إثارة التوقع لدى المتلقي ، وهذا التوقع سيجعل ـ أيضاً ـ السامع أو القارئ أكثر تحفزاً، وأشد انتباهاً لما سيقوله الشاعر، وبعبارة أخرى نقول: إن الشاعر بهذا الأسلوب التكراري استطاع أن يجعل المتلقي واقعاً تحت سلطان التنبؤ والتوقع، بالإضافة إلى هذا التكرار أصبح عنصراً مركزياً في بناء النص الشعري، فالقاعدة الأولية لمثل هذا التكرار أن يكون وثيق الصلة بالمعنى العام للسياق الذي يرد فيه.
ومن التكرار الذي شكل أداة عضوية ورابطة معنوية في هندسة البناء المعماري للقصيدة القائم على البناء المقطعي، يقول:

انأ المستقيلْ
وآخرُ أغنيةٍ للرحيلْ
أنا لعنة الماء حد الإثارهْ
أنا ابن الصحارى وطيش البراري
أنا اللابكاء وأول تجربة للدموع

يعد تكرار عبارة" انأ المستقيلْ / وآخر أغنية للرحيلْ" في مطلع كل مقطع لازمة لغوية في القصيدة كلها، وقد جاء بمثابة الخيط الرفيع الذي يشد جميع تلك المقاطع بعضها إلى بعض؛ لتتجمع في الفكرة المركزية للقصيدة التي تتفرع منها كافة الأفكار الجزئية الأخرى التي تتقاطع عند تلك الفكرة المحورية، وتصبُّ فيها.

وأخيراً، لقد استطاع الشاعر محمد ديودار بفضل موهبته الفنية، وثقافته الواسعة ومقدرته اللغوية وبأسلوبه الأصيل والمتميز أن يصقل ويطور أدواته الشعرية الفنية، ويسمو بها نحو الإبداع والتجديد ليلائم مقتضيات التطور والحداثة في المسيرة الشعرية المعاصرة.

وديوان" آخر أغنية للرحيل" ما هو إلا بطاقة تعريفية لشاعر استطاع عبر متخيله الشعري أن يحول آخر أغنيات الرحيل إلى ألحان عذبة ينبعث منها الأمل والبقاء، وأن ما زعمنا أنه قراءة ليس إلا مفاتيح لقراءات أخرى.. نأمل أن تَدْرس جوانب أغفلناها.


عبد الرحيم حمدان حمدان

الدكتور عبد الرحيم: ناقد أدبي، وأكاديمي فلسطيني

من نفس المؤلف