وان تو ثري فيفا لا لجيري

، بقلم عثمان آيت مهدي

اتفقت وزملائي على أن يكون سفرنا إلى مدينة البليدة بالحافلة، حالتنا المادية لا تسمح لنا قطع مسافة أربعمائة كيلومتر بواسطة السيارة، فحجز مقعد واحد من مدينة وهران إلى البليدة قد يكلفني حوالي ألف دينار، أما في الحافة فلا يتجاوز ستمائة دينار، لذلك اخترت الأرخص والأيسر، وهذا ما يخفف عنّي بعض أعباء السفر والإقامة، فأنا أب لطفلين، تجاوزت الثلاثين عاما، دون عمل منذ ما يقارب السنة.

رغم صعوبة الوضع تمكنت من تدبير أحوالي على سنة بقية الجزائريين، بيع وشراء، كذب ومراوغة.. الحياة صعبة ولا بدّ للإنسان أن يستغل مواهبه في الإيقاع بالسذج واصطياد الغفل. كذلك هو شعار الشباب بالجزائر "اعمل لرزقك كلّ آلة، ولا تقعدنّ بذل حالة".

حان وقت السفر، كانت الساعة السابعة مساء، لم يتأخر زملائي من الالتحاق بمحطة المسافرين. اقتنينا تذاكر السفر، وتوجهنا نحو الحافلة. كنّا جميعا ملتحفين بالأعلام الوطنية واضعين قبعات مزينة بالأخضر والأحمر والأبيض، ونرقص على إيقاع "وان تو تري فيفا لالجيري". كان مشهدا رائعا، سرّ له الحضور والمسافرون، وردّ بعضهم على حماسنا: نشالله تربحو 3 صفر، نشالله ترحو للمنديال.. وكنت أبتسم في وجوههم وأقول: نشالله، نشالله..

انطلقت الحافلة، تبادلنا بعض أطراف الحديث عن التأهل والمونديال، لم يكن لنا حديث آخر غير كرة القدم، عن أخبار اللاعبين المغتربين، هل تمّ التحاقهم بالفريق الوطني؟ هل بدأوا التدريبات تحضيرا لهذه المقابلة المصيرية؟ وأسئلة كثيرة كانت مثار تحليل الجرائد والصحف الرياضية. قلت لزميلي: فريقنا قويّ جلّهم يلعبون في أكبر الفرق الأوروبية، فلا داعي للخوف، إنهم ليسوا محليين من فرقنا الكروية الضعيفة، هؤلاء ولدوا وترعرعوا وكبروا وتدربوا في فرنسا، إنهم محترفون حقا. تأهلنا سيكون مستحقا وسنعود إلى وهران لنقيم أعراسنا الليلية.
تأخرت الحافلة قليلا عن موعد الوصول، بسبب الأمطار الكثيرة المتساقطة أثناء الطريق، برك الماء في كلّ مكان وزاوية، إضافة إلى نقص الإضاءة في الطريق ليلا، نزلنا على الخامسة صباحا واتجهنا مباشرة إلى الملعب لاقتناء تذاكر الدخول. كان البرد قارصا وشديدا، لا سيّما بعد تساقط الثلوج على مرتفعات الشريعة، لم أشعر بقساوة البرد ولا بتعب الطريق، طالما أنّ المسعى نبيل لا يضاهيه مسعى آخر، إنها مشاهدة المقابلة المؤهلة للمونديال، كلّ شيء يهون من أجل حضور هذا الموعد. ما أدهشني عند وصولي إلى الملعب الكم الهائل من الخلق الذين جاءوا من كلّ الولايات، من كلّ حدب وصوب، إنهم عشرات الألاف، بل هم مئات الألاف، كلّهم يتدافعون من أجل الفوز بالتذكرة. قال لي زميلي: يبدو أنّ هؤلاء قد قضوا ليلتهم في هذا المكان؟ ورغم ذلك، تمسكت بأمل الفوز بتذكرة، وانتظرت إلى الثامنة صباحا وقت فتح الشبابيك.

بدأ التدافع والتزاحم عند فتح الشباك الأول، وبدأت صيحات الناس تتعالى، اعتقدت أنّي في يوم الزحف، أو يوم الحشر. استغل البعض هذا الزحام ليحدثوا بلبلة وفوضى، سمعت أحدهم يصيح من وجع ضربة بالسكين الحاد، انتشر الخبر بين المتدافعين انتشار النار في الهشيم، تسلل الذعر إلى الكثير منهم، فترك البعض أماكنهم خوفا على حياتهم. البقية للأقوى، إمّا أن تموت أو تفوز بتذكرة، التفت يمنة ويسرة أبحث عن زملائي، لكن، لا أثر لوجودهم، لقد اختلط الحابل بالنابل، وما زاد الطين بلة، مطاردة الشرطة لهؤلاء وإشباعهم بالعصا، ثمّ سرعان ما تحوّل المكان إلى حرب بين الشرطة والمناصرين. ليس هناك سبيل آخر للحصول على التذكرة سوى المشاركة في هذه المقابلة خارج الملعب.

خفّت الفوضى قليلا، شعرت بألم حاد بالكتف، تبينت بعد ذلك أنّ كسرا هو مسبب الألم، رغم ذلك تجلدت ورحت أبحث عن زملائي، بعد وقت قصير التقيت بأحدهم، لم أكلمه، لقد ازداد الألم ولم أقوى على تحمله، انتابني دوار وأغمي عليّ.

استيقظت بعد منتصف النهار لأجد نفسي بالمستشفى، محاطا بزميلي، استفسرته عن الخبر، قال: إنّه كسر بالترقوة من جهة الكتف الأيمن، وجروح خفيفة بصدرك، احمد الله على سلامتك. قلت: هل تمكنت من اقتناء التذاكر؟ قال: عجبا لك! لقد فقدنا أحد زملائنا، لقد مات في المحشر قبيل وصوله إلى الشباك، يعتقد أنّه ضرب بالسكين من شخص مجهول، وآخر لم يظهر له وجود إلى الآن؟ لا أعلم إن كان من الأحياء أو الأموات؟ سنعود إلى البيت، وسنشاهد المقابلة على التلفزيون. قلت: وسأحرم من المقابلة التي انتظرتها منذ أسابيع، لن أعود إلى وهران، ولا إلى البيت، سأقتني التذكرة بأضعاف ثمنها، وسأشاهد المقابلة مباشرة من مدرجات الملعب.

أقيمت المقابلة بعد يومين من بيع التذاكر، كانت النتيجة انهزام الفريق الوطني بهدف لصفر. خرج الأنصار وهم في حالة غضب وجنون، لم يصلوا إلى الشارع الرئيسي للمدينة حتى بدأ بعضهم في كسر زجاج السيارات، ثمّ امتدت أيديهم إلى نهب المحلات التي كانت مفتوحة فاستولوا على كلّ غال وثمين. بعد أقلّ من نصف ساعة يتمّ الاشتباك مع رجال الشرطة وتبدأ مقابلة أخرى، هذه المرة، خارج الملعب، كانت نهايتها مأساة حقيقية، قتلى وجرحى وخسائر بالملايير.