قراءة في كتاب لذائذ جنّة عدن للكاتبة د. نوال نصر الله

، بقلم محمود سعيد

ليس كتاب طبخ عاديّ بل هو سجلّ حضارة ازدهرت وأورفت ظلّاً ساد العالم القديم، إضافة إلى أنّ الكتاب يحوي مئات الوصفات الرّائعة التي اشتهر بها مطبخنا العراقيّ العريق، وقبل تصفّح روائع هذا السّفر الهائل يتوقّف القارئ أمام ملاحظات رئيسة تفرض عليه عشرات الأسئلة التي تكشف طبيعة المؤلفة، هذه بعضها: 1- أيّ جهد متعب مضنٍ خلّاق بذلته المؤلفة لإنجاز كتاب من 574 صفحة، بحجم كبير، وبخطّ ناعم، أيّ بما يعادل ألفي صفحة من الحجم العادي. 2- أيّ ثقافة عميقة شاملة موسوعيّة تمتعت بها الكاتبة لتنجز مثل هذا العمل العظيم. 3- أيّ قدرة هائلة على تجميع صور نادرة للعراق قديمه وحديثه؟ 4- أيّ حبّ ووطنيّة تتلبس هذه الإنسانة الفريدة؟

إن هذا السّفر لا يبدو كتاب طبخ حسب، بل كتاب حضارة عريقة وتاريخ عريض وذوق حسّاس وجهد لا مثيل له، ولكي يستفيد القارئ من عرضه مبسّطاً، ارتأيت أن تجيب المؤلفة على قليل من الأسئلة مختارة، لتكون خير وسيلة لإنجاز عرض الكتاب:

س: علاقتنا بالطّبخ العباسيّ شديدة ومتينة، لكن هل تركت الحضارات العراقيّة الأخرى القديمة من سومريّة، أكديّة، بابليّة، آثوريّة الخ بصمات ورثناها على وصفات المطعم العراقيّ؟

بالتأكيد. استنادا إلى ما وجدناه في ثلاث لوحات بابليّة في اللغة المسماريّة، يعتقد أنّها كتبت في "عاصمة العالم القديم "بابل" حوالي 1700 قبل الميلاد. في هذه الوصفات القديمة بدايات تقليد طويل بدأ أنذاك وما يزال يعيش في مطابخنا ووجباتنا إلى هذا اليوم. إحدى هذه اللوحات البابليّة، تذكر 25 وصفة، ولعل وجود حساء كطبق أساس في موائد العالم كلّه تعود إلى ذلك الوقت.

في بلاد ما بين النّهرين القديمة، يطبخ الّلحم مع الخضار، ويضاف البصل، وأحيانا الثّوم، جنبا إلى جنب مع التوابل والأعشاب، حتى الآن نضيف نحن إلى الشّواء إلية الخروف butt”" "شحمه"، وكنا ومازلنا نطبخ الثّريد، وهو حساء مع كسر الخبز. ومازلنا كذلك نطبخ اللّحوم والخضروات مثلهم. ولعل العراقيّين وحدهم يطبخون هذه الوجبة ويسمونها "المرق" يوميّاً، ولعل أكثر أنواع "المرق" شهرة وأصالة مرق البامية. إنّنا نطبخ "الباجة" على نفس الطّريقة التي اشتهر بها المطبخ البابليّ، الذي وصف لنا الطّبق، حيث كانوا يعدون رأس الغنم والكوارع والأمعاء.

في إحدى الوثائق الآشوريّة القديمة هناك وصف موجز لحساء المشمش المجفّف مع الّلحم، وهو يذكرنا بمرق القيسي الّلذيذ. وأعدوا كذلك الهريسة، ووصفوا كيفيّة تحضير طبق من الطّيور المطبوخة في حشوة من رقيق العجين، ونعدّها الآن مع الدّجاج، ونطلق عليها بردة بلاو، واستعمل العراقيون القدماء العدس و الفول لتحضير الحساء، وصفوه مادّة مفيدة للرّئة، لأنهم يعتقدون مثلنا أن العدس جيد لنزلات البرد.

س: أشرت في كتابك الجنائن المعلقة؟

حاولت في كتابي ان أصف الحضارة العراقيّة ولأن الطّبخ واجهة حضاريّة فقد تطرقت إلى قصة الحب الفريدة التي قامت من أجلها الجنائن المعلقة. وهي كما نعلم بنيت في عهد نبوخذ نصر الثّاني ( 604-562 ق م)، حيث شعرت زوجته بالحنين إلى الجبال لأنّها كانت من الشّمال، ولم يدرِ نبوخذ نصر أنّ جنائنه ستصبح واحدة من عجائب الدّنيا السّبع في العالم في العصور القديمة. ونعلم كلّنا كيف جُلبت الزّهور والأشجار والحدائق، بما في ذلك أشجار الفاكهة من أمكنة بعيدة لتزرع وتروى بطريقة شديدة البراعة، وبشبكة من أنابيب مخفيّة، كان العراق يصنعها إلى الخمسينات ويسميها "برابخ"، وحيث كان يضخ الماء فيها من نهر الفرات، بواسطة نواعير تحركها الحيونات لتصل أعلى مستوى.

س: ما هو الـ ( kispu )

الـ Kispu وجبة فريدة في بلاد ما بين النّهرين يشترك في تناولها أفراد أسرة فقدوا واحداً منهم في معركة، وموعدها في اليوم الأخير من الشّهر القمريّ، حيث يكون القمر في المحاق، ونستطيع أن نقول أنها وجبة تكريم القتلى الأعزاء باستحضار أرواحهم ليشاركوا الوليمة، وتعدّ من الكعك، الشّعير المحمص، أنواع من التّمور، الجعة المرّة، عناقيد العنب، التّين، العسل، الزّهور، النّبيذ، الماء السّاخن، الماء البارد، القشطة، الحليب. وبالرّغم من كون العراقيّين موحدين بتأثير الإسلام، إلا أنّهم ورثوا تقدير الموتى من الماضي، فأهل المتوفى يقيمون الولائم في مساء الأيّام الثّلاثة.

س: ما هي الأم السّومريّة المثاليّة؟

جاء وصف الأم السّومريّة المثاليّة، في رسالة كتبها إلى والدّته شاب ابتعد عن عائلته، وبأسلوب مؤثّر جدّا يقارن حنانها وعطفها بـ: محصول وافر من الشّعير، شجرة جميلة، شجرة فاكهة ذات نتاج وفير، قناة ريّ سخيّة، نخلة ثمينة تعطي تموراً فائقة الحلاوة .

س: ما هي قصّة الفتى السّاخط؟

حفظت لنا السّجلات البابليّة رسالة مثيرة جدّا للاهتمام، وهي من ابن تعيس يشكو بخل أبيه إلى أمّه: أبوه على عكس الآباء الآخرين، لا يرسل له ملابس جيدة. بالرّغم من وجود صوف وفير في البيت يستهلك بغزارة كما يستهلك الخبز. من هذه الرّسالة نعرف أن الخبز كثير الاستهلاك في حضارتنا القديمة.

س: ما هي السّماقيّ وهل لها علاقة بالتّاريخ؟

السّماق حساء تقليدي يطبخ غالباً في مدينة الموصل بشمال العراق حيث السّماق وفير. وتعد من لحم الضّان المطبوخ مع حساء يحتوي مسحوق الجوز مهروساً في عصير السّماق. كان الطّبق شعبياً في العصور الوسطى، وهناك أغنية موصليّ عنه: "يا سمّاق يا سمّاق. أكلة دهينة وما تنذاق". وكان شقيقاً لحساء آخر يعرف بالحريرة، وهو ما كان الخليفة هارون الرّشيد "809 م" يفضلّه، ومازال يعدّ في شمال أفريقيا من جميع أنواع البقول والّلحم والبيض، وتقديمه ضروري كوجبة رئيسة في الإفطار في رمضان.

س: ما علاقة الأغنية الشّعبيّة بالطّبخ؟ الأغاني الشّعبيّة إبداع دائم يتعايش مع أنشطة النّاس، وأشغالهم اليوميّة، ودائماً ما تتناول هذه الأغاني أوضاع المحبيّن الغراميّة وعلاقتها بإعداد الطّعام مثل هذ الأغاني:

جيت أشجر التنور
والوردة طاحـــــــــــت
هدني يا بعد الرّوح
حسّ أمّي صاحت

فقد أذهل الحب الفتاة وجعلها تفقد الوردة التي تحلي بها تسريحتها، ولم تستطع إنهاء إعداد التّنور للخبز. وربما تكون هذه الأغنية التّالية أكثر الأغاني التي تمزج الطّعام والحب:

يم العيون السّود ما جوزن أنا
خدج الكــــيمر أنا أتريك منه
من ورة التنور تناوشني الرّغيف
يا رغيف الحلوة يكفيني سنة.

س: من المعلوم أن الشّعير والقمح اكتشفا في ما بين النّهرين، هل عندك معلومات عن طريقة إعدادهم الخبز؟

وفقا للسجلات الموروثة عن القدماء، نعرف أن النّاس آنذاك عرفوا إعداد نحو نحو 300 نوع من الخبز، الفطير والمخمر. الخبز العادي والمحسن، كلّ واحد منه يختلف عن الآخر، وفيه المتبّل، والمحلىّ، والمخلوط بالفواكه المجفّفة كالكشمش "العنب المجفف"، والحبوب المختلفة كالسّمسم والحبة السّوداء، في أشكال مختلفة كبير وصغير، طويل وقصير، رطب وجاف، أبيض وأسود، مخبوز بشكل معين وعادي؟ وكان عندهم نوع يسمى "ninda" مخلوط بالزّبدة، وشحم الألية، وزيت السّمك.

س: كيف يكون الجراد طعاما للملوك؟

يهاجم الجراد الحقول بأعداد هائلة ويقضي على كل شيء أخضر، ولذا يكون متوافراً في مواسم كثرته بأشكال هائلة، ولأنّ صيده سهل، أصبح مصدرا مريحا من الغذاء، وموضع تقدير من قبل الفقراء فضلا عن الأغنياء. وكان شيّ الجراد مألوفاً عندهم، وورثنا إعداده حين يكثر الجراد وبخاصة في البصرة وجنوب العراق.

س: هل أحبّت آلهة الجمال فينوس العراقيّة عشتار طبق الباجة؟

نعم، كان الطّبق المفضل لعشتار، كما جاء في وثائق ما بين النّهرين القديمة. ورثنا ختم اسطوانة أكاديّة يصور طبقاً من رؤوس الاغنام موضوعة على الخبز، مقدّماً على منضدة طعام الإلهة عشتار .

س: ما قصّة أوّل سندويج في التّاريخ؟

لدينا أدّلة على أن العرب كانوا أوّل من أعدّ السّندويشات وليس الإنجليز، ففي كتب الطّبخ العربيّة وصف لعدّة أنواع السّندويشات، معروفة باسم bazmaward. وتعدّ من نشر صفائح رقيقة من خبز الرّقاق، يوضع فوقه طبقات مختلفة من الّلحوم المفرومة والخضار والأعشاب، يلفّ بإحكام ثم يقصّ على قطع، وعادة ما يقدّم لفتح الشّهيّة أو كطبق جانبيّ، والرّقاق قديم في المطبخ العربي (إذ كان العرب يعدّونه في مكّة قبل الإسلام)،

س: هل صحيح أنّ العراقيّين اخترعوا الشّعريّة ؟

يبدو مثل هذا صحيحاً، ففي وصفة بابليّة، يطلب الزّبون من الطّباخ إضافة عجين qaiatu. ربما كانت هذه أولّ محاولات في صنع المعكرونة، وبشكل أكثر تحديدا، الشّعريّة الرّقيقة، على غرار ما بدأ في وقت لاحق ليطلق عليها: itriya وريشتا. وأظنّ أنّ كلمة qaiatu الأكاديّة ’qatanu’ لتصبح رقيقة، ويطلق عليها بالعربيّة خيطان، أو qitaan. في العراق اليوم لا نزال تستخدم اللفضتين.

س: هل جرى شيء ما بين العصفور وكيوبيد؟

أطباء القرون الوسطى بالإجماع يظنّون أنّ العصافير مع أجسامها السّاخنة والرّطبة يمكن أن تفعل الأعاجيب في سعار الشّهوة الجنسيّة، خصوصا بيض العصافير وأمخاخها. ولا عجب بعد ذلك حينما يخصّون العصافير، بغير وصفة، في كتب طبخ القرون الوسطى. كانوا يطهونها كالثّريد، ويشونها، ويخلّلونها، يعدّونها كالعجة، ويقلونها بالزّيت أيضاً.

س: هل استمتعت أجاثا كريستي بالطّبخ العراقيّ؟

تذكر أغاثا كريستي في كتابها: الآشوريّ المجهول والبقلاوة. أنّها زارت مكتبة الكورونت، الشّهيرة في شارع الرّشيد سنة 1955. وكانت في الخامسة والسّتين، حيث التقت باسل بيوس، ابن صاحب المكتبة، الطّالب في جامعة بغداد، وقالت له: إنّ تناول الغذاء العراقيّ لم يكن أبدا مشكلة أثناء العديد من زياراتها إلى العراق. وأنّها مولعة بوصفات الشّرق الأوسط، وأشارت إلى بعضها بالاسم، ومازحت باسل: " أنتم العراقيّين لديكم سبب للتحدّث بشكل جيّد عن الخبز العراقيّ الطّازج وعن رومانسيّة السّمك المشويّ في الهواء الطّلق masgouf الخاص بكم وأضافت بلهجة بشوشة: "أعرف كيف أمطّق فمي عندما أحتسي شايكم العراقي.
وينبغي أن يضاف هنا أن masgouf كان بالتأكيد ليست واحداً من الأطباق المفضلة لـ أجاثا كريستي. قالت لباسل بيوس "لي كل الحق بالقيام بمغامرة مرة واحدة في السّنة." يعتقد باسل بيوس أنها قالت ذلك لأن المسكوف masgouf يؤكل باليد.

س: ما حيثيّات دعوة العشاء البابليّ؟

ربما كانت أوّل دعوة مسجّلة في التّاريخ لملك في العالم، وجّهها أقوى ملك في الشّرق، لنظيره في القوّة في الغرب، حدثت 3500 سنة، وفيها دعا إنليل، امبراطور بابل الملك إخناتون (أمنحوتب الرّابع) فرعون مصر. كُتبت الدّعوة باللغة الأكاديّة، التي كانت لغة عالميّة تستخدم من قبل بلدان عديدة جاء فيها:

"انا ذاهب إلى مجلس دافئ": " تأتي بنفسك تأكل وتشرب معي. سيكون ضمن الحاضرين خمسة وعشرون امرأة وخمسة وعشرون رجلا" ويبدو أنّهم أعيان بابل، المدعون على شرف الفرعون.

س: للمتطّفلين قصص طويلة وغريبة ، لماذا وردت في كتاب الطّبخ؟

يتضمّن الأدب العربي الكثير من قصص طريفة مسليّة عنهم، يبدو أنّهم متواجدون في جميع أنحاء العالم، ويطلق عليهم بالإنجليزيّة ‘party crashers’ ووجودهم في كتاب الطّبخ ضروريّ لأنّ نشاطهم الرّئيس هو البحث عن الأماكن التي يتوقّعون فيها طعاما جيداً مجاناً.
س: ماذا عن قيلولة ما بعد الغداء.

يخصص ابن سيار آلوراق البغداديّ "في القرن العاشر" في كتابه الطّبيخ، فصلا عن فوائد النّوم بعد تناول وجبة الغداء. أوصى الأطباء العرب أخذ قيلولة بانتظام لأن هذا من شأنه أن يحسّن المزاج، ويجعل الوجه يشّع بالصّحة، وكانوا يعتقدون أنّ القيلولة مفيدة للدّماغ والقلب، والمفاصل

س: ما علاقة الأعشاب الآشوريّة بالطّب القديم والطّبخ؟

الأعشاب الآشوريّة كتاب طبيّ قديم وهو يصف في 660 لوح آشوريّ الأدوية النّباتيّة المستخدمة لعلاج الأمراض المعروفة في ذلك الوقت. من الواضح أنّه تمّ استخدام الكثير من الأعشاب والمستخلصات النّباتيّة في الطّب الحديث إلى الحدّ الذي أصبحت كلمة الأعشاب اليوم مرادفة لكلمة الأدوية. وقد تّرجمت هذه الألواح المسماريّة إلى الإنجليزيّة في عام 1924. وفي بعض هذه الوصفات تضاف الكحول والدّهون والزّيوت والعسل والشّمع و الحليب. وفي محلات البقالة في مدن العراق وسوريا ومصر والمغرب الخ ما تزال تلك الأعشاب تباع إلى يومنا هذا.

س: ما قصة الملح؟

النّصوص الاقتصاديّة، في بلاد ما بين النّهرين القديمة، كان الملح واحداً من المواد الغذائيّة الهامة.

يطلق عليه في الأكاديّة ’tabti’ يعني طيّب، أو جيد.

وكان يخزن في " أكياس" ويستخدم مع الخردل لتطيب نكهة الأطباق، ووسيلة للحفاظ على الأطعمة.

وفي كتاب عثر عليه في الألفيّة الأولى قبل الميلاد: "وضعت الّلحم الذي أُرسل إليك، في الملح". وهي عادة كانت موجودة في الموصل إلى قبل خمسين سنة، حيث يلجأ النّاس إليها خوفاً من قدوم سنوات الجدب الكثيرة لأن المزارعين في الموصل يعتمدون على الأمطار. ونادراً ما تمطر السّماء كلّ سنة. وفي العربيّة يستعمل الفعل ملُح أي جمُل، بمعنى: أصبح جميلاً، أو حسناً، وللملح نفس حروف مصدر جمل. فمصدر ملُح هو ملحاً وملاحة.: فيقولون مُلحت الفتاة، أي أصبحت جميلة، ومليح أي جميل. وملُح الطّعام أي أصبح مالحاً أو جيداً.