قصة الموسيقى الغربية

هايدن، أبو السيمفونية الحديثة

، بقلم محمد زكريا توفيق

أحد أساطين الموسيقى الغربية في عصره، هو "فرانز جوزيف هايدن (1732-1809م). أصله من الفلاحين السلاف. ولد في مدينة "روراو" بالنمسا، في كوخ متواضع. كان والده يتعيش على صناعة عجل العربات. أمه كانت تعمل خادمة. هو أحد أفراد عائلة كثيرة الأطفال.

بالرغم من أن الكوخ كان صغيرا متواضعا، إلا أنه كان أكثر دفئا وسعادة من بيوت كثيرة أفخم وأكبر. ملئ بالبهجة والموسيقى. يجلس الأب، أيام عطلته الأسبوعية، أمام باب الكوخ، ويجمع حوله أفراد الأسرة.

لم يكن الأب على علم بالنوتة الموسيقية، لكنه كان يغني بصوت "تينور" جميل، بينما كان يعزف على آلة الهارب. الأم كانت تشترك بدورها بأغنية، ورثتها عن جدتها التي أتت إليها من أجيال سابقة. كل طفل، هو الآخر، كان يساهم بنصيب في هذا التجمع الرائع.

كان الصغير جوزيف، يقضي وقته في حك عصاية على خشبة، يقلد بهذا أستاذ المدرسة، وهو يعزف على آلة الكمان. من وقت لآخر، يأتي قريب للأسرة، كان رئيسا لجوقة موسيقية في مدينة مجاورة، لكي يشارك في الأمسيات الغنائية.

لاحظ القريب أن جوزيف، له صوت رخيم "سوبرانو"، يحافظ على الإيقاع الزمني الموسيقي بدقة شديدة. فتأكد أن الطفل، له أذن موسيقية.

الأم، كانت تعد الطفل جوزيف لكي يكون كاهنا. لذلك، لابد أن يواصل تعليمه. عندما بلغ جوزيف السادسة من عمره، أخذه قريب الأسرة، "هر فرانك"، معه إلى منزله في هامبرج، لكي يلتحق بالمدرسة هناك، ولكن لكي يدرس الموسيقى.

كان هذا هو آخر عهده بالطفولة البريئة. هنا في هامبرج، كان يحى حياة جادة. تعلم خلال سنتين أو ثلاثة، العزف على بعض الآلات الموسيقية.

"هر رويتر"، كان يبحث عن صبيان جوقة لكاثيدرائية "سانت ستيفين" في فيينا. جاء لزيارة "هر فرانك". أحضر العم، الطفل المعجزة من المطبخ، لكي يختبر الضيف صوته.

"هر رويتر"، رجل ماكر منضبط، كان منبهرا بالصبي. لكنه أخفى شعورة داخله، حتى لا يتعقد الموضوع. ثم وافق على أخذ الصبي معه إلى فيينا، وأصبح "جوزيف"، منذ ذلك الحين، أحد صبيان دوقة الكاثيدرائية.

هنا، عندما ينتهي الصبية من الغناء، كانوا يهرولون للعب في فناء الكاثيدرائية. لكن "جوزيف هايدن"، كان يتسلل بعيدا لكي يواصل التدريب على آلتي الكمان والبيانو.

في أحد الأيام، قام بالعمل والدراسة والتدريب المتواصل لمدة 16 ساعة. كان يهرول مسرعا للاستماع، عندما كان يبدأ العزف على الأورغن الضخم في الكاثيدرائية.

بعد ذلك، شعر أنه يريد أن يتعلم التأليف الموسيقى. كان يكتب بعض التآليف الموسيقية في قصاصات ورق. أطلع بعضها على "هر رويتر"، لكنه سخر منه، ولم يشجعه.

حياته في الكاثيدرائية كانت حياة قاسية. كان جائعا في أغلب الأوقات. عندما كان يُختار للغناء في الدوقة، في المناسبات الترفيهية، كانت سعادته بالغة، لأن هذا يعني وجبة شهية من الفطائر بعد البرنامج.

بعد عدة سنوات في "سانت ستيفن"، لم يعد "هر ريتر" معجبا به. في ليلة باردة ملبدة بالغيوم والعواصف، عندما كان سنه 16 سنة، حاول ترك فيينا. لكن إلى أين يذهب؟ إلى موطنه في "روروا"؟ هذا يعني أنه سوف يترك حكاية الموسيقى دي برمتها.

ظل يجول في شوارع المدينة، يفكر ماذا يفعل. في الصباح، تقابل مع رجل موسيقي فقير آخر. إليه شكى الصبي "هايدن"همه. فعرض عليه الموسيقي مشاركته مسكنه، الذي هو عبارة عن غرفة صغيرة على السطوح يعيش فيها هو وزوجته وطفلهما.

ماذا يفعل "هايدن"، بعد أن فقد وظيفته في الكاثيدرائية؟ أخذ يتجول في شوارع فيينا وهو يعزف على الكمان. وكان لا يرفض الغناء مع الجوقات، متى دعي لذلك. كان أيضا يلتحق بالفرق الموسيقية في الحدائق.

أول نقود حصل عليها من هذه الأعمال الغير منتظمة، دفعها كأجر لدروس في التأليف الموسيقي. واستطاع أيضا الحصول على بعض مؤلفات الموسيقار العظيم "باخ". بعد وقت قصير، بدأ في تآليف موسيقية خاصة به.

مرت أيام تعب وجوع ب"هايدن"، لكنه كان دائما ينظر إلى نصف الكوب المليان. بعد ذلك، قرر أن يعيش بمفرده. استأجر غرفة صغيرة بالسطوح، بها آلة هارب قديمة. في الطابق السفلي، كان يعيش الشاعر "ميتاستاسيو"، الذي بدأ يلتفت إلى "هايدن".

عن طريق الشاعر، تعرف "هايدن" على المغني الشهير "بوربورا". قرر أن يقترب منه لكي يتعلم منه فن الغناء. عرض أن يكون خادمه أو سكرتيره الخاص. يبدر باروكته، وينظف معطفه، ويلمع حذاءه، ويقضي المشاوير نيابة عنه. يعني كما نقول بالبلدي "مرمطون".

إلى أن عطف الطاغي العجوز على الموسيقي الشاب، وبدأ في تعليمه أسرار الغناء الجيد والتأليف الموسيقي، إلى الدرجة التي جعلت "هايدن" يتذكر فضله بقية حياته.

"السرينادة" (Serenade)، عمل موسيقي هائ وخفيف. كان في الأصل، أغنية للتودد للمحبوبة. صار فيما بعد مقطوعات موسيقية خفيفة تناسب العرض في الهواء الطلق وقت العصاري.

كانت "السرينادة"، هي الموضة في تلك الأيام. وكان "هايدن"، مع أصدقائه الموسيقيين، يتجولون في شوارع المدينة في المساء، يغنون ويعزفون، موسيقى "سرينادة"، من تأليف هايدن. في بعض الأوقات، كان يدعى للمشاركة بموسيقاه في الأفراح والليالي الملاح.

الأجر كان قليلا، لكنه كان يشمل وجبة محترمة على مائدة المدعويين. هذا يذكرنا بفرقة الموسيقى التي جاءت في لوحة الرسام الفلمنكي "بيتر بروجل"، بعنوان "زفاف الفلاحين". لاحظ نظرة أحد أفراد الفرقة، التي تقطع القلب، إلى الطعام.
http://www.ibiblio.org/wm/paint/auth/bruegel/wedding.jpg

العجيب أن كثيرين من العظماء والرجال، الذين لمعوا في مجالاتهم المختلفة، مروا في البداية بسنوات عجاف، مثل التي مر بها بطل قصتنا هنا، "هايدن".

مع الوقت، بدأت مؤلفات "هايدن" تنال القبول. بدأ يكون صداقات مع النبلاء. الموسيقار "جلوك"، الذي عرضنا سيرته في المقال السابق، أعجب بمجهوده في التأليف الموسيقي. أحد الأثرياء، شجعه على تأليف رباعية وترية.

الكونتيسة "فون ثن"، أعجبت ب"سوناتا" من تأليفه. فطلبت وألحت كي تكون تلميذة له. عنما رأته أول مرة بملابسه الرثة، ظنت أنه محتال. لكن عندما علمت بقصته وسمعت موسيقاه، أصبحت صديقة ومساعدة له بقية عمره.

تحت تأثير بعض الأصدقاء، دعي "هايدن" عام 1759م، لكي يرأس أوركسترا الكونت "مورزين". الكونت "مورزين"، رجل بوهيمي محب للموسيقى. بقي "هايدن" مع الكونت، إلى أن اضطر الكونت، تحت ظروف مالية صعبة، إلى فض الأوركسترا.

عاد "هايدن" إلى فيينا. هنا، مر بأسوأ فترة في حياته. لقد تزوج زواجا غير سعيد. الحلاق وصانع البواريك، صديقه، كانت له ابنتان. وقع "هايدن" في غرام البنت الصغرى. لكنها لم تبادله الحب. ثم وهبت نفسها للدير. صدمة كبيرة بالطبع.

حاول الأب مواساة "هايدن"، بعرض البنت الأخرى، "ماريا أنا"، للزواج. في لحظة اندفاع ويأس، تزوج الأخت الكبرى. لمدة 40 سنة متواصلة، لم يرى فيها سعادة معها. سودت هذه الزوجة حياته، وصبغتها بالتعاسة الدائمة.

كانت تافهة، لكن في نفس الوقت مخلصة للكنيسة. كانت تلح بصفة دائمة في الطلب من زوجها، تأليف أناشيد وموسيقى قداس للكنيسة. كان يغدق عليها الأموال، لكن بسبب تفاهتها، عاشا مع بعض شبه منفصلين، مدة الزواج الطويلة هذه.

استمع الأمير "إسترهازي"، رئيس نبلاء أحد العائلات المجرية القديمة، والمحب للفنون والموسيقى، إلى أحد السيمفونيات التي أعجب بها إعجابا كبيرا. عندما علم أن "هايدن" هو المؤلف، استدعاه فورا للعمل في خدمته.

أخبره أن عليه قبل أن يأتي إلى قلعته، أن يلبس رداء جديدا، وأن يهندم باروكته ويبدرها، ويلبس ياقة بيضاء جديدة وأبازيم وزراير لامعة، ويلبس حذاء ذي كعب أحمر عال. كل ذلك، لكي يظهر بمظهر يتناسب مع جدارته الموسيقية.

وصل "هايدن" إلى قلعة "إسترهازي" عام 1761م. هناك، وجد مسرحا للعرائس ودار أوبرا. وقام الموسيقي الشاب بالتأليف الموسيقي لكلاهما.

كان "هايدن" يعامل كواحد من العائلة. كان يعطي الدروس الموسيقية لموظفي الأمير. يبعد عن كل ما هو غير لائق، بالنسبة للأكل أو الشرب أو الحديث المبتذل مع الغير.

سيمفونية رقم 31، باسم "إشارة النفير"، ل"هايدن".
http://www.youtube.com/watch?v=2cs6akfXxHE

كان هناك زي خاص لأفراد الأوركسترا الموسيقية. يلبسون الثياب البيضاء التيلية، والجوارب البيضاء والبواريك. البعض يقول أن "هايدن" كان يلبس البواريك، منذ سن 6 سنوات.

الأمير، كان يكره فيينا. نادرا ما يذهب إلى هناك. في بعض الأحيان، كان يدعوا كبار المشاهير لسماع الموسيقى في قلعته. منهم، كانت الإمبراطورة "ماري تيريزا"، أم الملكة "ماري إنطوانت"، التي أعدمت مع زوجها "لويس السادس عشر" بالمقصلة، إبان الثورة الفرنسية. وكان "هايدن" يكلف بالعناية بالحفل الموسيقي.

"ماري تيريزا"، لم تكن شخصية عادية. فقد كانت، ملكة النمسا، المجر، كرواتيا، بوهيميا، مانتوا، ميلانو، لمبارديا، جاليشيا، جنوب هولندا، وبارما. ثم أصبحت بعد الزواج، إمبراطورة رومانيا المقدسة.

سيمفونية رقم 48، بعنوان "ماري تيريزا" ل"هايدن".
http://www.youtube.com/watch?v=i0Qoym8GyXM

"هايدن"، كان سعيدا بوظيفته هذه. يستمتع بالرحلات في الجبال، للتريض والقنص وصيد السمك. يخرج مبكرا، عندما يغلف الندى فروع الأغصان، ويخفي الضباب تحت جناحه، الحيوانات البرية والطيور والأزهار.

يراقب الشمس وهي تنشر أشعتها الذهبية على الكون. فكم من هذه المناظر والأصوات الساحرة، قد تسربت إلى أعماله الموسيقية الأخيرة.

كان يعمل عدة ساعات في اليوم الواحد. ألف العديد من المؤلفات الموسيقة هنا. من بينها، بعض الأوبرات، سيمفونيات، رباعيات وترية. في شرف "فريدريك ويليام الثاني"، ملك بروسيا (ألمانيا حاليا).

هذه المؤلفات، انتشرت في باريس ولندن وفيينا. في الواقع، أصبحت شهرة "هايدن" شهرة عالمية، بسبب سيمفونياته ورباعياته الوترية. ظل "هايدن" مخلصا للأمراء الذين وظفوه لديهم، بالرغم من الإغراءات التي كانت تنهال عليه لتركهم.

بعد 30 سنة، توفى آخر الأمراء الذين يهتمون بالموسيقى، عام 1790م. سرح أفراد الأركسترا، ومعهم "هايدن"، فعاد إلى فيينا.

كان يفكر في زيارة لندن عدة مرات. وكانت تأتيه الدعوة من "سالومون"، عازف الكمان وقائد الأركسترا هناك. الآن، قام "سالومون" بتجديد الدعوة له، راجيا "هايدن" في القدوم، لكي يقيم 20 حفل موسيقي، بسعر 50 جنيه إسترليني للحفل الواحد.

السفر إلى لندن، كانت عملية شاقة في ذلك الوقت. "هايدن" كان عمره 60 سنة. لكنه لم يستطع مقاومة إغراء الأجر، فقبل العرض. مر بعاصفة شديدة أثناء السفر. وصل لندن وهو منهك القوى، لكن أدهشته المدينة بمبانيها و ضوضائها.

استقبل استقبالا حسنا هناك، من العامة والملك والملكة. أمراء "ويلز" قاموا بدعوته لزيارتهم. قابل الفلكي "ويليام هيرشل"، صاحب التليسكوب المشهور والمعروف ب"تليسكوب هيرشل".

تليسكوب "هيرشل".
http://www.youtube.com/watch?v=IVkzJlUZn5k

أيضا، ناله شرف رسمه بالفنان، "سير جاشوا رينولدز"، وهو شرف يتمناه الكثير من العظماء. جامعة إكسفورد، طلبت منه شيئا من تأليفه. بعد ذلك، منحته الجامعة أجازة الدكتوراة في الموسيقى.

قضى "هايدن" ثلاث سنوات في لندن. ألف هناك 12 سيمفونية تعرف ب "سيمفونيات سالومون". وهي من سيمفونية رقم 93، إلى سيمفونية 104 (الأخيرة).

سيمفونية رقم 94، بعنوان "المفاجأة"، ل "هايدن". قائد الأركسترا "برنشتاين".
http://www.youtube.com/watch?v=d_6mrLc_mEw

السيمفونية رقم 96، "المعجزة"، ل"هايدن".
http://www.youtube.com/watch?v=1Pikx0imWHw

السيمفونية رقم 100، "السيمفونية العسكرية" ل"هايدن".
http://www.youtube.com/watch?v=3pPDFAoj_Tw

السيمفونية رقم 101، "الساعة" ل"هايدن".
http://www.youtube.com/watch?v=LvlAc9AGiqQ

السيمفونية رقم 104، "لندن" ل"هايدن".
http://www.youtube.com/watch?v=OitPLIowJ70

كان "هايدن"، يقود الأوركسترا بنفسه على مسرح "هايماركت". كان "سالومون" سعيدا جدا بأداء "هايدن". قال له يوما: "لن تستطيع أن تؤلف أحسن من ذلك". فأجاب "هايدن": "وأنا أنوي عدم المحاولة أبدا".

ترك "هايدن" إنجلترا مكللا بالفخار والثراء. عاد لزيارتها بعد فترة، تحت إلحاح دعوات متزايدة. فاستقبل بحماس يزيد على ما استقبل به أول مرة.

عند عودته النهائية لوطنه، دعي إلى "روروا" لكي يشاهد التمثال الذي نصب تكريما له. توقف قليلا أمام الكوخ الذي ولد فيه. ركع على الأرض، ثم قام بتقبيل عتبة الدار، التي كان يجلس عليها والده، وحوله أمه وباقي اخوته وهو طفل.

عندما كانت البلاد على وشك الحرب مع فرنسا، ألف "هايدن" ترنيمة "حفظ الله الإمبراطور فرانسيس الأول"، الذي تحولت إلى النشيد الوطني للنمسا.

رباعية وترية، الإمبراطور، ل"هايدن". رقة وعذوبة متناهية، أكثر من رائعة.
http://www.youtube.com/watch?v=HQpZLjMjFck

عاش سنواته الأخيرة بهدوء، في منزل صغير ب"فوربورج – جومبيندورف". هنا، قام بتأليف عملين من أعظم أعماله. "الخلق"، و"الفصول".

عندما كان في لندن، سمع عن العمل الموسيقي الجبار "المسيح" ل"هاندل" وحجم الكورس الضخم الذي يؤديه. لذلك، قرر أن يقوم هو الآخر بتأليف أوبرا دينية (أوراتوريو).

في عام 1795م، قضى "هايدن" ثلاث سنوات في تأليف أوبرا "الخلق". قال بعد ذلك، لم أشعر في حياتي بالورع، إلا أثاء كتابتها. كنت أسجد لله كل يوم، لكي يساعدني على اتمامها.

المقدمة الموسيقية ل"الخلق" ل"هايدن".
http://www.youtube.com/watch?v=8omYmytYvlo

"الخلق" كاملة، مع ترجمة بالإنجليزية، ل"هايدن".
http://www.youtube.com/watch?v=AarLk4jNMYk

عمل موسيقي رائع ملئ بالجمال. سرعان ما وجد طريقه إلى كل أنحاء أوروبا. تحفة بكل المقاييس. يبدأ العمل بداية غريبة بأصوات باردة تعبر عن الفوضى التي كان عليها الكون قبل الخلق.

يتبعها صوت الطبيعة الجبار، يتدفق بغضب. ثم يأتي خلق النور. هنا هارموني ساحرة. ثم آلاف الشعلات المضيئة، تضيئ ظلام الكهف، بينما تمجد السماء الرب في علاه.

ثم تأتي الموسيقى لكي تصف ما خلقه الرب في باقي الأيام. نسمع الطيور تغني. التنين يعتلي الأمواج فوق سطح البحر. الأسود تزأر. الحشرات تحوم.

بعد ذلك، يأتـي آدم وحواء، لكي يعبدا خالقهما. في النهاية، تأتي أغنية لكي تمجد الرب، وتشكره لعمله السامي المجيد، وقدرته على اتمام ملحمة الخلق.

"هايدن" كان يبلغ السبعين، عندما أقدم على تأليف عمله الآخر، "الفصول". أخذ شعر "طومسون"، وبني عليه عمله الأوبرالي. استخدم العديد من الآلات الموسيقية بطريقة ساحرة. مليئة بالبهجة التي يحبها "هايدن".

بها أغاني الريف والحصاد والأفراح والولائم، مع غناء الطير وخرير المياة وعطر الزهور وظلال الأشجار. عندما كان يتلقى التهاني بمناسبة اتمامه "الفصول"، كان يقول: "هذه ليست "الخلق". هناك، الملائكة تغني. هنا مجرد أغاني ريفية.

"الفصول" كاملة ل"هايدن".
http://www.youtube.com/watch?v=Kj_bOJrXE0E

كان "هايدن" مؤلفا عظيما للرباعيات الوترية. كان يفهم جيدا، دور كل آلة، والتوازن بينها لعمل التأثير اللازم، الذي يبغيه كل مؤلف موسيقي. كما أنه أعطى العمل السيمفوني بعدا جديدا.

جعل السيمفونية من أربعة أجزاء: الحركة الأولى، "أليجرو"، حركة سريعة تمثل البهجة. الحركة الثانية، "لارجو، أو أداجيو، أو أندانتي"، وهي حركة أبطأ وأكثر رشاقة. الحركة الثالثة، موسيقى راقصة. الحركة الرابعة، مثل الحركة الأولى، سريعة تمثل النهاية السعيدة.

كتب "هايدن"، 104 سيمفونية، وحوالي 100 رباعية وترية. سيمفونية "المفاجأة"، فاجأت الجميع بشئ جديد في الموسيقى. سيمفونية "المعجزة"، سميت كذلك، لأنها أثناء عزفها أول مرة، سقطت نجفة كبيرة من السقف، ولم يصب أحد بسوء. هناك من يقول بأن الحادث وقع فعلا، لكن أثناء السمفونية رقم 102.

يسمى "هايدن" أبو السيمفونية الحديثة. وأستاذ موسيقى الحجرة. يقال أنه قبل أن يجلس لكي يؤلف، كان يهندم باروكته ويبدرها، ويلبس أفخر الثياب كأنه ذاهب إلى حفل.

كان يستخدم أحسن الورق للكتابة. الملك "فريدريك ويليام الثاني" أرسل له خاتما من الماس. كان لا يفارق اصبعه. إذا نسي لبسه لأي سبب، لا يستطيع أن يأتي بأي فكرة جديدة بدونه.

كان أسمر البشرة، طويل الأنف، بارز الوجنتين. كان محبا لحياة المنزل، يتعجب لماذا تحبه الأطفال. له أصدقاء كثيرين، منهم "مسز بيلينجتون" بصوتها الساحر، التي رسمها "سير جوشوا رينولز"، وهي تصنت إلى أصوات الملائكة.

عندما نظر "هايدن" إلى اللوحة، قال معقبا، أن الرسام أخطأ. كان المفروض أن يجعل الملائكة تصنت لصوت "مسز بيلينجتون".

كانت علاقته بالطفل "موزارت" رقيقة للغاية. وكان "موزارت" يسميه، "بابا هايدن". وهو اللقب الذي عرف به "هايدن" فيما بعد. عندما دعي "هايدن" إلى إنجلترا، كان "موزارت" على فراش المرض، ولم يتحمل أن يرى "هايدن" وهو يفارقه.

قال له: "أنت رجل عجوز، كيف تخرج إلى العالم الواسع، وأنت تتقن لغات قليلة؟" فأجاب "هايدن" مازحا: "لغتي يفهما العالم كله". قضيا بعض الوقت مع بعض.

عندما افترقا، وضع "موزارت" ذراعه حول رقبة "هايدن" قائلا: "هذا وداع أخير بيننا، فلن نلتقي ثانية أبدا". بينما كان "هايدن" لايزال في لندن، سمع بموت صديقه الشاب "موزارت". حزن "هايدن" لموت "موزارت" حزنا بالغا.

كان "بيتهوفن"، في يوم من الأيام، أحد تلاميذ "هايدن". لكن لم يكونا على وفاق.

مع تقدم "هايدن" في العمر، أخذ انتاجه يقل يوما عن يوم. عندما وهنت صحته، ندر خروجه من بيته. في عام 1808م، ظهر لآخر مرة أمام الجمهور. عندما قاد الأوركسترا لكي يعزف "الخلق"، في حفل، أقيم خصيصا لتكريمه.

حمل الموسيقار العظيم على كرسي متحرك إلى المسرح. قابله الجمهور بالتصفيق الحاد والهتاف، بينما كانت تحييه آلات النفخ والطبول. بالرغم من أن الجو كان باردا في تلك الليلة، إلا أن النساء كن يلقين بمعاطفهن عليه.

في 28 مايو عام 1809م، حمله الخدم إلى آلة البيانو. عزف ترنيمة "حفظ الله الإمبراطور". ثم رجا الخدم أن يضعوه على السرير. توفى بعد يومين أو ثلاثة في هدوء وسلام.

أبو السيمفونية الحديثة، "بابا هايدن". قرب الموسيقى الكلاسيكية إلى قلوب الناس. موسيقاه، تمتاز بالعذوبة والميلودي والبساطة المتناهية.

ولقصة الموسيقى الغربية بقية، فإلى اللقاء إن شاء الله.