استقلال أم احتلال جديد

، بقلم رينا ميني

يعد اللبنانيون يوم 22/11/1943، تاريخاً مجيداً، يحتفلون فيه ويعيدون ذكراه سنةً بعد سنة.

فقد قيل لنا أن في هذا اليوم العظيم استحق لبنان الاستقلال بعد أعوامٍ لا حصر لها ولا عدّ من
الإحتلال المتكرر، من مختلف الأنظمة العالمية. وإذا عدنا للوراء واطّلعنا على تاريخ هذا البلد
الآسيوي الصغير الذي بالكاد نراه على خريطة العالم، لوجدنا أنّه كان كرةً تتلاعب بها الأنظمة
وتتقاذفها عبر الأجيال.

فمن حكم البيزنطيين إلى الفتح الإسلامي، ومن عهد الأمويين إلى عهد الفاطميين، ومن
العباسيين إلى الصليبيين، حقبات مختلفة من الحصار وامتصاص الممتلكات والفتك بالعباد، إلى
أن دخل لبنان في "روتينٍ" عثماني دام حوالي 600 سنة. وفجأة ومن حيث لا ندري، ظهر
"الحنان" الفرنسي الذي أخذ على عاتقه إحتضان هذا الوطن الجريح بعد أن دمرته الحرب
العالمية الأولى وسوّته أرضاً.

وإن كان هذا الإحتضان القنبلة، المغلّف بزينة إفتتاح المدارس والمطابع واكتساب لغة جديدة
وإعادة إحياء الإقتصاد الميت والسياحة المشلولة والذي قُدّم لنا على أنه هبة وكرم أخلاقٍ
يجب الا ننساه وان نقدّم الشكر لأصحابه على الدوام، فإنّه بالحقيقة أقلّ ما يمكن أن نتمتع به
في ظلّ الإنتداب والتقسيم والخراب.

ممّا لا شكّ فيه، أن هذا الإستقلال المزعوم كان نقطة تحوّل وتغيير لعادات وسياسات أصحاب
القرار، فقد بات من الواضح أنهم اكتشفوا الطريق المختصر التي توصلهم إلى أهدافهم بأقل
خسائر ممكنة، خصوصاً أن الحروف تتطلّب أمولاً طائلة لا تتوفّر في كل حين. وأيضاً، لم يخسرون
المال في سبيل كسب المصالح في حين أنهم يستطيعون ربح الإثنين معاً؟

وقبل أن ندخل في تفاصيل العهد الجديد بعد إعلان الإستقلال، لا بدّ لنا من دراسة الأحداث
التي أدّت إلى هذا "النصر المبين". وتبدأ هذه الأحداث بإعلان "الشريف حسين" قيام الدولة
العربية التي تضمّ كل الدول المحررة من العثمانيين في ظلّ معاهدة "سايكس – بيكو" التي
تقاسمت الدول العربية بين بريطانيا وفرنسا. وبما أنّ لغة لبنان هي العربية فكان من السهل
ضمّه إلى اللائحة تمهيداً لتعريبه فيما بعد. وبعد أن منّ علينا الغرب بتقرير مصيرنا فيما بيننا
ولزيادة الإطمئنان من أي عقلٍ قد يحسب الأمر حقيقة، فقد بخّوا السمّ الفتاك في الجسم
المهزول ونخروا في عظام الأعضاء الأكثر تأثراً وبدأ الصراع بين المسيحيين المطالبين لدولة
مسيحية بحماية فرنسية ومسلمين يلوحون بعلم العروبة تحت راية الأمير "فيصل" الذي أبى أن
يعترف بوجود الكيان اللبناني. وبما أن لا احد منهم كان صاحب القرار، فقد أجبرت فرنسا الحركة
الوطنية السورية على الإعتراف بلبنان مقابل الإستقلال له ولسوريا. وبكل بساطة تنازل كل
فريقٍ عن حلمه وقبل بالأمر الواقع من أجل الوهم الأكبر. وتوالت السنون بين وعودٍ ومماطلة،

إلى أن بقدرة قادر هبّت النخوة والحماسة في صدور اللبنانيين وقرروا إعلان الإستقلال من دون
إذن أحد، وقد كلّفهم هذا القرار إعتقال الرؤساء الثلاثة وبعض النواب، وقامت ثورة بشامون التي
أجفلت صدور الفرنسيين وقضّت مضاجعهم وجعلتهم يرضخون. في شهرٍ واحدٍ فقط، إنهارت
القدرة الفرنسية بعد سنين من الإنتداب، وهللنا وفرحنا وصدقنا أننا هزمنا المارد الجبّار، ولم
نفهم أنهم هم من يقررون كيف ومتى وأين.

وكان أوّل افتتاح لعهد الإستقلال، حرباً أهلية، عقبها الإحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان
ودخولهم بيروت، كتصريح واضح وجلّي بأننا لن نكون يوماً أصحاب الحق في تقرير المصير، وتهجير
الفلسطينيين إلى الداخل اللبناني، لتكون شوكةً تهتز في خاصرتنا كلمّا تجاوزنا حدودنا وتطاولنا
على أسيادنا. ومن بعدها وضع اليد السورية التي استحقت هذه المكافأة بعد أن شاركت في
الحرب ضد العراق. وعاد الإنقسام يلوح بالأفق بين مُوالٍ لهذا التواجد ومُعارض، إلى أن تفجّر
الوضع المحقون بعيد إغتيال رئيس الوزراء الأسبق " رفيق الحريري"، وأصبحت الدولة دويلات
تختلف فيما بينها على كل شيء، وتصدّر لنا المحتلون الجدد حتى بتنا لا نعرف يدٌ من تجوب
في جيوبنا، فقرار سعودي يأخذنا وأخر قطري يعيدنا، ونفوذ إيراني يبسط سلطانه، وإن كان
للمخلوقات الفضائية من وجود لوجدناها تحوم حول قطعة الجبنة لتأخذ نصيبها.

سبعون عاماً بعد الاستقلال، ونحن ننام على هدير طائرات العدو ونفيق على دوّي الإنفجارات
في كلّ بقعة من الأرض، وما زلنا نحتفل بعيد الإستقلال..