مأساة الشتات من فلسطين إلى سوريا سمر حجازي

يرتبط مصطلح الشتات ارتباطاً وثيقاً بالمأساة الفلسطينية، حتى إن المتتبع للقضية الفلسطينية لا يستقيم معه فك هذا الرباط. والشتات في أبسط تعريفاته هو توزيع الفلسطينيين على بلدان عدة، عربية ودولية بعد تهجيرهم القسري من وطنهم الأم فلسطين. ومن المفارقات العجيبة أن إحدى الدول التي كانت مستقبلة لهذا الشتات ولهذا الفلسطيني المهجّر باتت اليوم مصدّرة له، إذ أصبح شعبها عرضة للمصير ذاته بعد أن اندلعت فيه حرب طاحنة بسبب تداعيات الربيع العربي، الذي اندلعت شرارته في تونس لتعم بعد ذلك بعض الأقطار العربية، وأعني هنا سوريا تحديداً التي يعاني شعبها الأمرّين مما يمارس عليها من عدوان وصراعات مسلحة لم تبق لا على الأخضر ولا على اليابس. وفي نهاية المطاف يجد السوري نفسه يعاني معاناة الفلسطيني فيما يتعلق بمأساة الشتات.ولإظهار أوجه الشبه بين التجربتين؛ أرى من المهم تأطير كل منهما تاريخياً في سبيل الوقوف على ما يجمعهما وما يفرقهما بخصوص مأساة الشتات.أخذت القضية الفلسطينية تتشكل خلال الانتداب البريطاني الذي ساهم مساهمة مباشرة في تسليم فلسطين لليهود حين أصدرت بريطانيا على لسان وزير خارجيتها اليهودي بلفور وعده المشؤوم، معلنة بذلك التزامها تجاه المنظمة الصهيونية العالمية بإقامة وطن لليهود على أراضي فلسطين، وقد بدأت الأوساط الصهيونية جادة ومجدة بانتظار الفرصة السانحة التي أتيحت في أواخر الأربعينيات، فبدأت في الاستيلاء على القرى والبلدات والمدن الفلسطينية التي وصلت ذروتها فيما عُرف بنكبة 1948 التي فقد فيها الفلسطينيون وطنهم بشكل رسمي، ووجد الشعب الفلسطيني نفسه أمام حملة تهجير داخلي وخارجي. فهناك من اضطر للنزوح الداخلي، وقد كانت عائلتي ضحية لذلك إذ نزحت من مجدل عسقلان إلى مدينة اللد، فيما أُرغمت عائلات أخرى على ترك الوطن والنزوح إلى الدول المجاورة، فكانت سوريا ولبنان والأردن من أهم الدول المُستقبلة للمهجرين الفلسطينيين، معدّة لهم مخيمات تأويهم. وقد كانت تلك المخيمات شاهدة على الكثير من المآسي التي سطرها التاريخ بدماء الشعب الفلسطيني، كما حدث في أيلول الأسود في الأردن، وفي صبرا وشتيلا في لبنان.ولقد تعملقت مأساة الشتات الفلسطيني عقب حرب 1967 التي استولت من خلالها الدولة الصهيونية على المزيد من الأراضي العربية، بما فيها الأراضي الفلسطينية، فيكرّر التاريخ نفسه لتظهر موجة أخرى من النزوح.واليوم، وبعد مرور أكثر من ستة وخمسين عاماً على تلك الأحداث، يعود إلينا طيفها ليتجسد شيئاً فشيئاً في سوريا وإن اختلفت الأهداف. فسوريا كما هو معلوم دخلت ضمن تداعيات الربيع العربي، حين أظهرت معارضة قوية لحكم الأسد، لكن النظام السوري أمسك بيد من حديد بسلطته وشرع في عملية قمع ممنهجة أدت إلى نزوح الكثير من أفراد الشعب السوري إلى البلدان المجاورة. وقد كانت تركيا أولى المستقبلين لهذه الأفواج من النازحين، لأسباب سياسية وجغرافية، فقد كانت السلطات التركية مساندة لمطالب الثوار، إضافة إلى أن المناطق الثائرة كانت قريبة من تركيا مما سهل عملية النزوح إليها.ومع تصاعد حدّة الصراع وتدخل أطراف دولية، وارتفاع حدة استعمال السلاح، بدأت موجات أخرى من الهجرة والنزوح فكانت الوجهة إلى الأردن ولبنان تحديداً ليلقى السوري المصير ذاته الذي لقيه الفلسطيني قبل خمس وستين عاماً من شتات ونزوح وظروف معيشية كارثية.ومن الجدير ذكره أن سكان المخيمات الفلسطينية في سوريا عانوا من مأساة مزدوجة إذ تكرر نزوحهم ولجؤوهم إلى بلدان أخرى لحماية أنفسهم وأبنائهم.وإن كان الفلسطيني هُجّر وطُرد من بلده على يد عصابات صهيونية قامت بالتخطيط طويلاً من أجل الاستيلاء على فلسطين لتقيم دولة يهودية على أرضها؛ فمن تكون تلك العصابات التي تقاتل في سوريا؟ وأيّ مخطّط تنفّذ في ظل تخاذل عربي ودولي ليس غريباً عنّا نحن الفلسطينيين..!