مناقشة كتاب تذكار للأديب نايف خوري

، بقلم آمال عواد رضوان

وسط حضورٍ من الأدباء والضيوف، تجدّدَ لقاءُ منتدى الحوار الثقافيّ بتاريخ 14-11-2013 في مركز تراث البادية عسفيا الكرمل، لينقش وشمًا على خفقةٍ من خليج ذكرياتٍ غائباتٍ عن مشهد العدالة، لتحرّك بوصلة قرانا المهجرة الغافية باتجاه "إقرث"، لتظلّ كسائر أخواتها عابقة برائحةِ الحنين الى حضن فلسطين!

"إقرث" تعبر المكان والزمان بصمودها وإبمانها، لتظلّ في مركز الفعل، ولتبقى محور كتاب "تذكار" للإعلاميّ الكاتب نايف خوري، وقد استهلّ اللقاءَ عريفُ المنتدى الأستاذ رشدي الماضي بكلمة ترحيبيّةٍ بالحضور، ومن ثمّ مداخلة د. فهد أبو خضرة، والمحامي علي رافع، ومداخلة الأستاذ فهيم أبو ركن، وووهيب نديم وهبة، ووقفة زجليّة بعنوان حكاية جدي للشاعر يوسف فخر الدين، وقراءة من "تذكار" بصوت ابنة نايف خوري، ومن ثمّ مداخلات الأصدقاء، وقد تخللت الكلمات تبريكات بمناسبة إصداراتٍ جديدة لكلّ من:

آمال عواد رضوان في كتابها الجديد- حتفي يترامى على حدود نزفي!

عبدالمجيد عامر إطميزة- في كتابه أعماق القول- قراءة تحليلية في شعر آمال عواد رضوان!
وهيب نديم وهبة- في كتابه البحر والصحراء- مسرحة القصيدة العربية- الرباعية الكاملة!
ومباركة خاصة للسيد أمين القاسم بمناسبة حصوله على جائزة أوسكار من المنظمة العالميّة للفلكلور!

اختتمَ المحتفى به نايف خوري اللقاء بكلمة شكر للحضور وللقراء والقيمين على هذه الأمسية، موضحًا الدوافع الأساسية لكتابة كتاب "تذكار"، ومن ثمّ تم التقاط الصور التذكاريّة!
جاء في كلمة رشدي الماضي: حادي عيسى إقرث- يملكُ ويمتلكُ الماضي، عبرَ العيش في منزل الذاكرة توقًا صوفيًّا زخمًا نحو تراب الوطن الصغير المجبول بعرقه، مَلكَهُ وامتلكَهُ، كي يظلّ سيّدَ المكان الذي ترك فيه روحَهُ وقلبَهُ وهُويّته، ولمّا يغادرْهُ إلّا وهو يحملُ إيمانهُ انتماءً تلاحميًّا، للجغرافيا التي تربطه فيها وجوديّةٌ انصهاريّة مُلتصِقة بالأرض. أوَليسَ لا موتَ فيها، والبقاء البقاء لها؟

بدخوله ذاكرةً إلى هيكلها، يكون قد عاد نبضًا حيًّا وحيويًّا لزيارة الماضي في بيته المسلوب، الذي لا زالت تلفّهُ حلكة غياب قسريّ، شوّهتهُ وتُشوّههُ وسائلُ إعلام هجينة، تُنتجُ في مختبرات تدجينها مصطلحاتٍ انتقائيّة، لتجعلها لغة التداول الرائجة في تعريفها لقضية مقدّسة؛ قضيّة اقتلاع الإنسان من أرضه. كيف لا وهي التي تُصرّ أن تُجذّرَ العنوان المُوحي بعبثيّة الصراع، رغم كونه صراعًا بين سلطة مُعتدِية، وضحيّة بريئةٍ كلُّ ذنبها أنّها متمسّكة بشرط عدم الاضمحلال والطمس والضياع، مُقدِّمةً لصيانة ترابها الطاهر وتجاوز مُنعطفها المأساوي.
نعم يا حاديَ عيسى إقرث أبا إلياس، ففي زمن أرادوك فيه دخولًا إلى عتمة الظلّ، تعمّدتَ التطلّعَ إلى الوراء، رافِضًا حكمة الجريان التي تريد للنهر ألّا يلتفت إلى ورائه، فجاءت ذاكرتك تذكارًا، جعلته ملجأ سعادة العودة الذي يُردّد سحرَ العودة لَعظيم، احتضنت جرحك لغة معطّرة وحزنًا متفائلًا، فتحمّلت ميزان العدل عمقًا وجوديًّا، وتفوّقًا إنسانيًّا وأخلاقيًّا، وعَلت أجراسُ الكنيسةِ في إقرث ترتلُ في زمن موت الأخلاق،

يا لسحر بيان تذكار الذي أتى يروي قصّة القضيّة، ويُترجم كلامها أبجديّة خلّاقة مُتجدّدة، بمعادلة القوّة والحقيقيّة ابنة عين شمس: بأن الأرض هي هي إقرث، وأنتم أبناؤها الذين صار غيابكم هامَةً تنحني على رخام الذاكرة، لتواصِلَ اشتعالها فوق ثراها حضورًا وحضورًا.

أخي نايف خوري؛ لضوء قضيّتكم تصلّي جوارحي. واصِلْ ولوجَكَ إلى الماضي، لتواصِلَ إعادة بناء الذاكرة الجماعيّة وصيانتها، حقائقَ تاريخيّة ترمّمُ خرابَ مشهد العدالة، حتى يعودَ معقلًا أخيرًا يُحافظ على حق العودة، ويَحولُ دون أن يُفقدها الحاضر، ويفقد بفقدانها الزمن الجميل. اِحمِلْ يا أخي في جيبك عنوان إقرث ذاكرة، قراءتُها نوعٌ من أنواع المقاومة التي تحافظ على ما تبقى من رائحة لها سُرقت في وضح النهار، كي تظلّ تقول لك: نحن ننتظر أن تسقط علينا غدًا من منطاد الذاكرة في "تذكار" أخير، قد ضمِنَ لنفسه في إقرث مقعدًا ومنزلًا.

ثم التعامل مع الزمن ثم استخدام الرواية الشفوية واخيرا اسلوب التعبير.

جاء في مداخلة د. فهد أبوخضرة- قرأت كتاب "تذكار"، ووجدت فيه المتعة والفائدة، هذا الكتاب هو نوع من سيرة ذاتية من نوع مختلف، والاختلاف في وجوه عديدة أهمُّها أربعة:
أوّلًا- التعامل مع الأحداث وبنائها: عادة في السيرة الذاتيّة، الكاتب والراوي يكون هو مركز الأحداث، يتحدّث عن نفسه، ومن هذا المحور والمركز ينتقل إلى الآخرين وإلى الأحداث العامّة. بينما في هذا الكتاب بنى الرواي كثيرًا من الأحداث حول شخصيّات أخرى، وترك نفسه حتى النهاية. والأماكن كانت شخصيّة ومُهمّة كمكانٍ وقضيّة. الآخرون بمختلف انتماءاتهم، خاصّة الذين هم على صلة به، يتحدّث عنهم بالتفصيل تمامًا كما يتحدّث الراوي عن نفسه في السيرة الذتيّة، ومن هنا، فنحن نرى أكثر من شخصيّة تحتلّ المكان الذي يحتلّهُ عادة راوي القصّة، فالشخصيّات المركزيّة متعدّدة ومختلفة، وفيها الكثير من المتعة للقارئ، لأنه يتعرّف على اتّجاهاتٍ مختلفة من هذه الأحداث، ومن هذه الشخصيات طبعًا المكان الذي احتلّ جزءًا مُهمًّا في هذه السيرة، والذي هو جزء من قضيّة، والقضيّة كبُرت مع كلّ شخصيّةٍ تقريبًا، واحتلّت مكانًا مركزيًّا، فمن هذه الناحية فإنّ السيرة نوعٌ من التوثيق، ومُهمُّ جدًّا أنّه وثّقها من زوايا مختلفة، وهذا التوثيق يجبُ أن يقومَ به الكثيرون، سواء عن طريق السِّيَر الذاتيّة، أو من خلال الكتابات عن الآخرين في تاريخ مُعيّن، أو سردٍ مُعيّن، وحتى في القصص والروايات، وهذا الأمر لم يُرسّخ في هذه البلاد، فنرجو أن تكون بداية جيّدة كهذه البدايات.

ثانيًا- من ناحية الزمن، عادةً يبدأ الكاتب من نقطة معيّنة في الماضي، ويتّجهُ باستمرارٍ إلى الحاضر، بينما هنا اتّخذ الزمن شكلًا دائريًّا، يعني يبدأ من نقطة ويصل إلى النهاية، ثمّ يعود من جديد مع شخصيّة أخرى أو مكانٍ معيّن، فيرسم دائرة زمنيّة جديدة. كثيرٌ من هذه الروايات التي تُقال عن فلان، ربّما نجد لها أصداءً في حديث عن فلان آخر، فالزمن يتكرّر ويدور، وهذه عمليّة استرجاع مُتكرّرة، ترسّخُ الأحداثَ والشخصيّاتِ التي ذُكِرَت في ذهن القارئ، فمن ناحية القراءة يجد فيها متعة، وفائدةً من ناحية التوثيق. وبرأيي أنّ الكاتب كان هدفه الفائدة أكثرَ من المتعة، لأنّ الفائدة هنا هي قضيّةُ مكانٍ وقضيّة وبلد وهُويّة، وكلّها أشياء مركزيّة أكثر من قضيّة مجرّد المتعة، كما يحدث عادة في السيرة الذاتية التي تتجهُ اتّجاهًا أدبيًّا أو روائيًّا.

ثالثًا- استخدام الرواية الشفويّة: الكاتب استغلّها بشكل جيّد، وأخذ من الآخرين ما يقولون، فيروي عن جدّه وفلان وفلان أشياء، فيها تاريخ مُعيّن لم يُسجّلْ حتى الآن، فمعظم الأشياء التي نقلها ليست موجودة، ولا تُكتبُ عادة في التاريخ، وإنّما هي نوع من الأخبار التي ينقلونها وتضيع مع الزمن، ففي هذا الكتاب سجّل الكثيرَ منها، وهي مهمّة جدًّا في كتب من هذا النوع السيرة الذاتيّة أو السيرة العامّة، أو من النوع الذي نسمّيه في الأدب العربيّ (الأخبار)، وليس تاريخا، فالمؤرّخون لا يقبلون الرواية الشفويّة، إلّا إذا اعتمدت على أصول وأسس مُعيّنة، وهي ليست موجودة في الكتاب، فهذا الكتاب ليس كتابَ تاريخ، وإنّما هو كتابٌ يَحمل التوثيق بشكل واضح، والكتب القديمة التي أوردت لنا الأخبارَ، بعضها مشهور جدًّا مثل كتاب (الأغاني)، وهو مبني بهذه الطريقة طريقة الاخبار مع الاسناد حدثني فلان عن فلان والخ وايضا نجد نوعا من الاسناد وان كان قصيرا عن شخصية معيننة ترةوي هذا الحدث او ذاك لكي تتحول هذه الرواية الشفوية الى تاريخ ولا بدّ من أن تُؤخذ من مصادر مختلفة وأن تتمّ المقارنة، وهناك جوانب مختلفة تنقل هذه الأخبار باتّجاه التاريخ، ولكن لم يكن هذا قصد المؤلف. فهو لا يكتب تاريخا، وإنّما يكتب أخبارًا وأحداثا، يمكن أن يستفيد منها التاريخ والقارئ الذي يريد أن يعرف عن المكان والقضية وما أشبه.

رابعًا: قضية أسلوب التعبير في تذكار: فهو أسلوب ليس أدبيًّا، وليس فيه ما نسمّيه بالأدب انزياحًا، بل يستخدم أسلوب التحديد، اي الكلمة بمعناها المتعارف عليه، فليس هناك مجازات أو استعارات أو كنايات، إنّما يقول ما يريد قوله بوضوح، وبجُمَلٍ مُركّبة تركيبًا عاديًّا يَفهمها الجميع بطريقة واحدة، ولا يختلف اثنان على ما يقوله هذا النوع من أسلوب التحديد. بعضُهم يُسمّونه لغة الصفر، أي اللغة التي لا تبتعدُ عن التحديد أيّة درجة، بل تلتزم بالتحديد والمعنى المتفق عليه للكلمات وللجُمل. فهل هذا هو الأسلوب المقبول؟ الأمر يتعلّق بما يريده الكاتب، فإذا كان يريد أن يعطي للقارئ المتعة أوّلًا، فهذا الأسلوب يجب أن يُغيَّر، لأنّ المتعة تنبع من المجازات والتشبيهات والكنايات وإلخ، ممّا يُسمّونه في البلاغة انزياحًا، أي ابتعاد الكلمة عن التحديد باتّجاه الإيحاء، أي أن تكون موحِيًا، فيتمتّع القارئ ويُحلّل ويفهم الجملة بحسب ثقافته المختلفة. بينما أسلوب التحديد هو مباشر يستطيع القارئ أن يفهمه بسهولة. وبحسب تقديري، أراد المؤلف أن يكون الأسلوب مفهومًا، وأن تصل الكلمات إلى كل قارئ. مع ذلك، السِّيَر المعروفة لنا معظمُها تتّجهُ اتّجاهًا أدبيًّا، ففيها مزيج من التحديد والانزياح، وجاء هذا الكتاب مختلفا اختلافا كبيرًا عن معظم السِّيَر التي أعرفها أنا على الأقلّ، والحجّة التي يقولها بعض الذين يكتبون هذا النوع من أسلوب التحديد، حتى في الكتابات الأدبيّة، وقسم مشهور جدّا، إنّنا نريد أن تصل كتاباتنا إلى الجميع وبنفس الطريقة، فبعض المغاربة استخدموا هذه الطريقة في الكتابة،
وبعضها مشهور جدّا، ولكن كلّ النقاد الذين كتبوا عن هذه الكتب قالوا، إنّ هذه الكتب ليست كتب أدبيّة، بل سمَّوْها لغة اللّاأدب، واللّاأدب هذا قادر أن يوصل قضيّة، وعندما يريد أن يوصل المتعة فهو يتجه إلى الأدب، فالأدب واللّاأدب هما قضيّتان أساسيّتان في توجّه الكاتب، فالكتاب "تذكار" أراد الكاتب نايف خوري أن يُركّز على القضيّة وأصحاب القضيّة، أكثر ممّا أراد أن يعطينا روايات مُسلّية وممتعة، وحتى عندما تحدّث عن نفسه، هو أراد أن يعطينا صورة عن فرد من الأفراد الذين لهم علاقة في هذه القضيّة، وهكذا جاءت الفائدة قبل المتعة، وجاء الأسلوب المباشر قبل الأسلوب الممتع الأدبيّ.

جاء في كلمة المحامي علي مصطفى رافع: (بتجيب لي منه تذكار.. شي ورقة وشي صورة.. عَ الورقة يكتب أشعار.. واسمه على الصّورة).. (مع محبّتي وتقديري لفيروز، وللأخويْن منصور وعاصي الرّحباني). ومن القوزح إلى إقرث والرامة والقدس وحيفا، طريق واحد سار عليه كاتبنا ليُتحفنا بتذكاره الّذي ما زال يملك عليه حواسّه كلّها، رغم مرور أكثر من ستّة عقود على تشريدٍ لم يُرَد له أن يستمرّ أكثر من أسبوع، ويذكر أنّ الكتاب من إصدار مكتبة "كل شيء" الحيفاويّة، لصاحبها صالح عبّاسيّ.

قرأت تذكار الصّديق نايف في نفس اليوم الّذي قابل فيه الشّاعر والإعلاميّ والمحاور اللّبق زاهي وهبة على شاشة "الميادين" المميّزة والمحترمة، ضيفه في "بيت القصيد" الروائيّ الجزائريّ المبدع الدكتور رشيد بوجدرة، الّذي كتب حتّى اليوم أكثر من عشرين رواية بسبب الجرح المفتوح، الذي ما زال يؤلمه حتّى اليوم، وهو يقول إنّه لا إبداع بدون ألم. الألم الّذي جعله طفلًا، وهو طفل فوق السّبعين، وما زال يعيش في الجزائر بكلّ ما فيها، وهو رجل مبادئ كما وصفته الشّاعرة الدكتورة إنعام بيّوض، وألم كاتبنا ما زال حيّـًا بسبب بُعده عن إقرث، إنّه الألم الّذي يفجّر الإبداع.

وجدت نايف خوري في كنيسة إقرث وتحت أشجارها الوارفة الظّلال، والّتي تمنح المكان نسيمًا عليلًا شافيًا مُعافيًا، إنّه ما زال هناك يلعب في حواكير القرية وفوق سناسلها وبيادرها. إقرث تسكنه وهو يسكنها رغم أنّه يعيش اليوم في حيفا، ورغم أنّه وُلد بعد التّهجير بسنتين في "الوطن" المؤقّت الّذي كان يجب أن يدوم لأسبوع أو أسبوعين على أكثر تقدير، لكن صدق من قال إنّ المؤقت هو الدائم الباقي. برع المؤلّف في تطبيق ما تعلّمه على ما تذكّره وكتبه، حيث درس موضوع المسرح في الجامعة العبريّة في القدس بين السّنوات 1971 و1975، ويقول إنّه أوّل عربيّ محليّ درس هذا الموضوع.

شملت الدراسة الكتابة والتّمثيل والإخراج المسرحيّ، إضافةً إلى الأدب المقارن والفنون التّشكيليّة والمدارس الفنيّة، وحصل نتيجة ذلك على اللّقب الجامعيّ الأوّل، وقام بتمثيل العديد من المسرحيّات إبّان الدراسة الجامعيّة وبعدها.. (انظر ص 176 في الكتاب). واستطاع إخراج "مسرحيّته" في هذا الكتاب بشكل مميّز، بحيث أتاح لأبطالها أن يظهروا على خشبة المسرح- مسرح الحياة- ليقوم كلّ منهم بدوره على أحسن وجه، ويبدأ بالظّهور حسب التّرتيب في الكتاب جدّه العتيق (ص16)، وجدّه لأمّه (ص17)، وبعدها جدّه لأبيه (ص32)، وبترتيب منطقيّ يصل إلى والده (ص48)، ووالدته (ص73)، وجدته الّتي هزمت الضّبع (ص82)، وبعدها يظهر على خشبة المسرح خاله يوسف (ص90)، ويليه أخوه جريس الّذي علمه الجملُ الأكلَ، وفتح شهيّته التي كانت مسدودة من قبل (ص102)، ويأتي دور المخرج وكاتب السّيناريو المؤلّف بنفسه، ويبدأ باسمه (ص108).

نقرأ في "تذكار" وصفًا للحياة اليوميّة في إقرث، من خلال تعرّفنا على الوالدين والجدّين والجدّتين وباقي أفراد العائلة. إقرث الّتي مضت مثل غيرها من القرى الفلسطينيّه "تعلل" قبل الزّفاف بأسبوعين أو أكثر، حيث يجتمع أهل القرية حول النّار التي يوقدونها، ويلتفّون من حولها في حلقات دبكة ورقص شعبيّ، ويقدّم كلّ واحد منهم ما عنده من مواهب، ليشارك أهل الفرح الذي يتحوّل إلى فرح لكلّ أهل القرية، وليس للعروسيْن وذويهما الأقربين فحسب.
زهق والده اللحوم، فطلب يوم الصباحيّة مقلي بيض، وللآخرين أن يتناولوا ما يشاؤون. نقرأ الشّوق إلى التّراب والحجارة والأشجار، ومثل هذا كلّه إلى الكنيسة الّتي تضمّ رفاة جدّه سمعان حرفوش. تنعم القرية بكلّ ما وهبها اللّه من خيرات، إلى أن كان يوم التّهجير في شهر تشرين الأوّل سنة 1948، حيث وصلت كتيبة من جيش الاحتلال، فاستقبلهم مختار القرية بالخبز والملح، كعادة الفلسطينيّين في استقبال الضّيوف، ودعا الكتيبة كلّها لتحلّ في ضيافة الأهالي الّذين استضافوهم، وذبحوا لهم الذبائح من حيوانات وطيور. طلب الجيش من الأهالي إخلاء القرية لمدّة أسبوعين، ووعدوهم بعدها بالعودة إليها. لم يعترض الأهالي على هذه الخطوة، معتقدين أنّ قوّات الاحتلال ستفي بوعدها، وتحترم العيش والملح الذي حصل بين الأهالي ومحتليهم. لكن هيهات هيهات، فلا عهد ولا ميثاق للاحتلال الّذي لا يرعى حرمة العيش والملح، ولا يُنفذ الوعد المقطوع بالعودة.

الإعلام الصّهيوني وعلى مدى أكثر من ستّة عقود، كان يدّعي- وما زال- أنّ الفلسطينيّين تركوا بيوتهم وبلادهم بمحض رغبتهم وإرادتهم. هذا الادّعاء لا يمكن أن ينطبق على الأقلّ على أهالي إقرث، الّذين جرى تهجيرهم رسميّـًا، مع وعد بالعودة كما أسلفنا، إضافةً إلى أنّ الفلسطينيّين طُردوا من وطنهم بعد ارتكاب المجازر بحقّهم. عاش الأقارثة في الرّامة مع بعضهم، ومع جيرانهم الراميّين الّذين قدّموا لهم كلّ العون والمساعدة، وأخذوهم بالأحضان.. لم يألُ الأقارثة جهدًا في محاولة العودة إلى قريتهم، فتوجّهوا إلى أعلى مؤسّسة قضائيّة في البلاد، إلى المحكمة العليا التي أصدرت قرارًا يقضي بحق الأقارثة في العودة. وصدر قرار مماثل بالنّسبة لقريتي كفربرعم والغابسيّة، إلّا أنّ هذه القرارات لم تُنفّذ حتّى اليوم، رغم المحاولات التي لم تتوقّف لإلزام الحكومة بما ألزمتها بها المحكمة العليا. من هنا يصدق القول إنّه ليس المهم الحكم، بل تنفيذ هذا الحكم على أرض الواقع، وعدم تركه حبرًا على ورق، كما يقول مثلنا الشّعبي.

نقرأ في "تذكار" كيف صار لنايف أخ في الرّضاعة لم تلدهُ أمّه، وهو طفل من عرب السّواعد في الكمانة الواقعة جنوب غرب الرّامة. وينمو الشّاب يافعًا يتعلّم في مدرسه الرامة الثّانوية، ويكتشف موهبته أستاذه وأستاذي، معلّم اللّغة العربيّة، المرحوم الشّاعر شكيب نجيب جهشان من المغار أصلًا، والذي حبّبه كما حبّبنا قبله باللّغة العربيّة وآدابها وقواعدها وأشعارها، ولا بدّ من أن أذكر هنا ما كتبه الدّكتور شوقي حنّا قسيس في روايته التّسجيليّة كما سمّاها، "حيفا ليست قرطبة" عن معلّمه، معلّمنا شكيب جهشان على مدى أكثر من خمسين صفحة، وهي أروع ما قرأته عن شكيب جهشان معلّمنا الخالد في أذهاننا وقلوبنا، ولم يغب عن بالنا منذ أن تعرفنا عليه، وما كان لنا حظ في أن نكون من تلاميذه، في مدرسة دير الأسد الابتدائيّة أوّلًا، وبعد ذلك في المدرسة الثّانوية في الرامة.

كان لا بدّ من العمل، فجرّب نايف الكثير من "الكارات"، لم تدر عليه حتّى القليل من "البارات". صار لزامًا عليه أن يتابع تعليمه الجامعيّ، واختار المسرح الذي كتب له وعمل فيه ممثّلًا وأيضًا ناقدًا، وله باع طويل في هذا المجال. إلّا أنّ الصّوت الجميل والأداء الصّحيح ومعرفة اللّغة العربيّة أوصلته إلى دار الإذاعة في القدس، حيث سكن في عقبة الشّيخ ريحان، وهناك تعرف على كثير من المبدعين، كلّ في مجال عمله وتخصّصه، تعرّف على لاعب الكراتيه المقدسيّ حسن الحلوانيّ، وعلى المطرب مصطفى الكرد، والكاتب سهيل أبو نوّارة، والمذيع يوسف اسماعيل الّذي يأخذ بيده ويعلّمه أصول المهنة فاستحقّ شكره على ذلك. والاحتلال مستمرّ، وبعد النّكبة في سنة 1948 حصلت النّكسة في سنة 1967، وهي استمرار للنّكبة الأولى الّتي حلّت بالشّعب الفلسطينيّ، واحتلّت الدّولة العبريّة ما تبقى من فلسطين وسيناء وهضبة الجولان السّوريّة. وانتدبته الإذاعة إلى العريش، لينقل وقائع انسحاب قوات الاحتلال من سيناء وإعادتها إلى السّيادة المصريّة المنقوصة حسب رأي الكثيرين. على أيّ حال، فإنّ الحدث جدير بالتّسجيل، حتّى لو عادت سيناء منقوصة السّيادة كما هو واقع الحال، ووصف عمليّة التّسليم والتّسلم.

ويصف المذيع نايف خوري بلهفة شديدة وحرارة عالية ما رأته عيناه وسمعته أذناه في ذلك المشهد المهيب، بعد أن رأى علم مصر يرفرف عاليًا في سماء العريش، وكان ذلك بعد حرب رمضان أو 6 تشرين أوّل سنة 1973. وبعد الوصف الانفعاليّ الصّادق اتّصل به المدير المسؤول في الإذاعة ليسأله، إن كان يتحدّث من "صوت إسرائيل" أو من "صوت العرب من القاهرة"، فضحك وأجابه هذا ما حصل، وهو يتحدّث بصدق عمّا كان يشعر به في تلك الدقائق التّاريخيّة. ومنذئذٍ لم يبعثه لتغطية أي انسحاب آخر، ويعلّق نايف على هذه الحادثة، بقوله: "صحيح أنّ الدّم لا يمكن أن يتحوّل إلى ماء". وبعد العدوان والاجتياح الإسرائيليّ لجنوب لبنان، قام بزيارةٍ إلى بعض مخيّمات اللاجئين، للاطلاع على أحوالهم وإطلاع مستمعيه عليها، وحصل على تسجيلات نادرة تشرح أوضاع الفلسطينيّين في مخيم "عين الحلوة" القريب من مدينة صيدا (عاصمة الجنوب اللّبنانيّ)؛ ويمكن قراءَة ذلك في صفحة 162 من الكتاب.

وأخيرًا.. لم أتعرّض للكتاب ولم أهدف إلى ذلك، بل إن ما قصدته فقط كتابة ارتسامات سريعة بعد قراءَة الكتاب، الّذي يأخذ القارئ إلى أماكن وإلى أشخاص، كان لها تأثير في حياة المؤلّف، وما زالت تلازمه ولا تفارقه حتّى اليوم. وينهي الكتاب بفصل "شخصيّ" من صفحة 192 وما بعدها، يتحدّث في هذا كيف تعرّف على زوجته الّتي استولدها بناته الثّلاث: نجوى ومنى وحنان، وابنه إلياس، ولم ينسَ أن يذكر الأحفاد. وصدق من علّق على الكتاب قائلًا: إنّه لم يولد في إقرث، لكنّه بعد الانتهاء من القراءة، أحسّ وكأنّه وُلد هناك وعاش طفولته وردها من شبابه. أشدّ على يديك يا أبا إلياس، فقد كتبت - وبأسلوب جديد وخاصّ بك - سيرة حياة، ليست حياتك أنت فحسب، بل حياة قرية إقرث وأهاليها الّذين ما زالوا يتمسّكون بحقّ العودة إليها. وقد استطعت من خلال القصص والحكايا والصّور الّتي رسمتها، والشّخصيّات الّتي قامت بأدوارها على خشبة مسرح إقرث، ومسرح الحياة و"النهفات" المرويّة في الكتاب، أن توثّق لفترة هامّة ومصيريّة وحيويّة في تاريخ شعبنا الفلسطينيّ في هذه البلاد، وبنيت مدماكًا في عمارة أصلها ثابت وراسخ في تاريخ هذا الوطن، الّذي سيبقى فينا ونبقى فيه أحياء وبعد الحياة وإلى دهر الدّاهرين.

وجاء في كلمة وهيب وهبة

كتاب "تذكار" هو تداعيات تفتح باب الجرح على مآسينا، تلك هي تذكاراتنا التي عتقت في خزائن فكرنا وخيالنا، ولكن هنا يتجلى التذكار في بهاء صفاء الإنسانيّة المطلقة، إنسانيّة تشمل صيرورة وكينونة الحياة في النهج الذي يرتقي "أن يكون التذكار شبه سيرة حياتيّة"، تقدّم بساطة الحياة التي عاشها الأجداد والأهل، والمعاملة في الرقة والألفة والمحبّة، وعنفوان ما حدث من تهجير وغربة عن "قرية إقرث". في اعتقادي أنّ الأسلوب الشفاف الرقيق المنمّق في سكب العبارة، جعل من الكتاب "كتاب العائلة" بكاملها، حيث يمكن أن يتمتع في القراءة والاستفادة الطالب في المرحلة الابتدائيّة، كما يتمتع القارئ المتمكّن بفصول الكتاب، حتى الكهل يستخلص تاريخ تلك الفترة ويعود إلى مرابع الصبا.

ونقطة أخيرة: هنالك إسقاط رائع ما بين الماضي والحاضر على واقعنا، كما قلتُ بإنسانيّة وانسجام تامّ مع كلّ أقطاب المجتمع . أتمنى لصديقي نايف المزيد من الإبداع واختراق الماضي.

وجاء في كلمة فهيم أبو ركن:

تذكار لوحة تصوّر حقبة من تاريخنا، هو كتاب جميل رفيع المستوى على جميع الأصعدة؛ الإخراج الفني جميل، لوحة الغلاف رائعة للفنان كميل ضو، وهي مستوحاة من شعر الشاعر رشدي الماضي، الطباعة أنيقة مريحة، وهذه فرصة لنحيّي الناشر السيد صالح عباسي الذي يهتم بإعطاء الكتاب احترامه، كما أنّ الإهداء مُعبّر جميل ومؤثر. نأتي لمضمون الكتاب الذي يُقرأ من عنوانه، ويشرح ذلك المؤلف بقوله ص 7: "لا شك أنّ الأحداث التي ترد في قصص الكتاب، يمكن أن تعكس واقعًا غير سهل، وحياة مليئة بالصعاب والمحاولات لإيجاد السبيل الملائم في هذه الحياة، ولمعايشة الواقع والعمل على تحسينه، وأخصّ هنا العمل الذي قمت به لأجل قضية إقرث".

الكتاب قُسّم إلى فصول بدأها بفصل أسماه "جدّي العتيق"، ثم فصل "جدّي لأمّي"، وهذا يدلّ على ارتباط الكاتب بهذه الشخصيّة التي أحببناها من والوصف والأحداث المذكورة، كما أحبّها المؤلف. بعد ذلك نصل إلى فصل "جدّي لأبي"، ثم فصل بعنوان "أبي"، ومباشرة ينتقل الكاتب إلى فصل عن "إقرث"، قبل الفصول التي يتناول فيها باقي أفراد العائلة، وهذا يدلّ على أهمّيّة القضيّة بالنسبة للكاتب، واهتمامه بإبراز جوانبها المختلفة. أمّا الفصول عن باقي أفراد العائلة فتأتي تباعًا، وبعدها يتفرّغ للأنا ويبدأ بفصل الإسم، وهو نصّ شائق فيه من العادات القديمة والمعتقدات الشيء المؤثر، وباختصار يقص لنا المؤلف قصة إطلاق اسم نايف عليه، كباقي فصول الكتاب بصورة شائقة، فيها السلاسة والبساطة والحبكة الجميلة، وفيها من التوثيق التراثيّ الاجتماعيّ ما يثير الإعجاب بصدقه ومصداقيته، بمُرّه وحلوه.

في هذا الكتاب نعيش الذكريات مع المؤلف، ونرافق الأحداث بشوق وحتى بشغف، ويتعرّف بعضنا أو شبابنا على ظواهر لا يعرفونها، بل سمعوا عنها وحتى بعضها لم يسمعوا عنه، فلا أتصوّر أنّ شابًّا اليوم يعرف كيف كنا ندرس على ضو القنديل، أو أن صبيّة اليوم تعاني من البق في زوايا بيتها، والضبع اليوم مثلا أسطورة للتسلية، بينما كان واقعا مخيفا في تلك الأيام. إذا؛ نحن أمام ذكريات وشهادات توثق حقبة زمنية في واقع عاشه أجدادنا، وصوّره المؤلف بدقة وأسلوب شائق مُعبّر، موردا حقائق ووثائق تاريخية هامة. فمثلا نعرف أن القبر الوحيد الموجود في كنيسة إقرث هو للكاهن سمعان حرفوش جدّ المؤلف. ومثلا يعرفنا الكاتب أنه في سنوات الخمسين وما قبلها، كان أهل العريس يقيمون الأفراح لمدّة أربعين يومًا وأربعين ليلة، عدا عن التحضيرات التي كانت تقوم بها النسوة من بيت العريس والعروس بأعمال الخياطة والحياكة والتطريز، هذه الأعمال التي لا يعرف عنها الجيل الجديد إلا القليل القليل.(ص54). كما أنه يُعرّفنا على مسيرة حياته ومشواره في خدمة الكنيسة، وحياته في المسرح منذ أيّام الدراسة في المدرسة، ونحن نعرف تألقه في الإذاعة كصحفي ومُقدّم برامج لامع، ثمّ نصل مع الكاتب إلى حياته الأسريّة، ونتعرّف على أفراد أسرته بمتعة، فكأنّنا نعيش معه لحظة بلحظة، ويومًا بيوم، وحدثا يليه حدث.

باختصار، هذا الكتاب هو بمثابة مجموعة من الذكريات الهامّة التي تترابط معًا، لتكون قطع بازل نجمعها، فنجد أنفسنا أمام لوحة فريدة، تصوّر فترة هامة في حياة مجتمعنا وشعبنا، وهي بمثابة مرجع يستقي منه الطلاب، لمعرفة عادات وتقاليد كانت سائدة في مجتمعاتنا في تلك الفترة. أحيّيك أستاذ نايف خوري على هذا العمل الرائع، وأنصح أن يكون هذا الكتاب في كلّ مكتبة وفي كلّ بيت، ففيه الفائدة للصغير والكبير، بكلّ نصوصه التي صاغها المؤلف بمداد إحساسه، ونقشها على الورق بعميق فكره ونفيس ذكرياته، فأبدع عملا أدبيًّا مميّزا يستحق كل التقدير والاحترام.

جاء في كلمة المحتفى به نايف خوري:

نحن نعرف أنّ السير الذاتية يكتبها الزعماء والقادة والرؤساء، فإمّا أن يكتبوها بأنفسهم، أو أن يستكتبوا غيرهم لسيرة حياتهم. وأنا لم أحاول تقليد هؤلاء العظماء، ولا محاكاة القادة والزعماء، بل قدّمت سيرة ذاتيّة في كتاب "تذكار" الذي يختلف عن السير الذاتية العادية، فلا هو سيرة كما نعهدها، ولا هو قصّة أو قصص قصيرة كما نعرفها، لأنّي حاولت من خلاله أن أقدّم سيرة ذاتية لبلدة هي إقرث، ولأهلها وعائلاتها، وأفرادها، وكلّ قرية أخرى مشابهة لها، وهي قرى كثيرة جدًّا في بلادنا الفلسطينية. ومن يقرأ "تذكار" يجد نفسه مُطلّعًا على هذه البلدة وأحوالها وطبيعة أهلها، وميولهم، ومعيشتهم، وأعمالهم، ومعتقداتهم، وطرائفهم، وباختصار حياتهم كلها بجوانبها المتعددة والمختلفة. ولا داعي أن يعيش القارئ في إقرث لكي يشعر بذلك، بل سيشعر وكأنه يعيش فيها حتى لو كان بعيدًا عنها جغرافيًّا.

كتبت ذلك بشكل سرد دائريّ، حيث ذهبت بعيدًا إلى مائتي عام إلى الوراء في تاريخ إقرث، وتحدّثت عن جدّ جدّي الذي هو الخوري سمعان حرفوش، ومنه أتيت إلى أولاده وأحفاده الذين هم أجدادي. ثم انتقلت إلى أبي وأمي وأخوتي ونشاطاتي الخاصة وحتى زوجتي وأولادي. فوجدت نفسي أسرد سيرة ذاتية لكل فرد منهم، أو بعضا من سيرتهم الذاتية، على شكل قصص وطرائف وحوادث تآلفت معا وشكلت منظرا عاما لبلدة كاملة، وأصبحت نموذجا لكل البلاد الأخرى. ورأيت أني أقف في محور هذه القصص من منظور عام متميز، وانطلقت من العام إلى الخاص والشخصي. وكل القصص التي أوردتها ليست بالضرورة لأصحابها الحقيقيين، بل نسبت الأحداث والطرائف لشخصياتي القريبة لأني أشعر أن كل الأهالي، من أقارب وغيرهم من الذين يشبهونهم هم أقاربي، جدي وجدتي، أبي وأمي. وصفت فيهم البراءة والطيبة والعفوية والارتجال وحسن المعشر، والمساعدة في مواجهة الصعاب، والتكاتف معا في جني الغلال ورعاية الماشية وحرص الجار على جاره، ورفع التكليف والرسميات بينهم. وكنت صادقا مع الذين رووا لي قصصهم وحياتهم، ووفيا لأمانة الرواية، ولذا حرصت على السرد المباشر، الصريح، وغير المتجمل. وهكذا جاءت لغته بعيدة عن المحسنات اللفظية واللغوية وحتى الأدبية، لأنه أقرب ما يكون إلى الرواية الشعبية.

وعندما أتحدث عن العودة إلى إقرث، أذكر دوري في النضال من أجل العودة إلى إقرث، وها نحن نعود اليوم إلى كنيسة إقرث، ونعيش في أرضها وندفن موتانا في مقبرتها، وهذه تعتبر عودة جزئية، ونحن نصبو إلى العودة التامة.


آمال عواد رضوان

شاعرة فلسطينية

من نفس المؤلف