حالةُ مَسْخ

من حيث كان يقف، كان المنظر المترامي أمام ناظريه يمثل امتدادا هائلا وعجيبا من الأكوام الجبلية الشاهقة التي يكتنفها الضباب الكثيف، فلا تكاد تبصرها العين إلا بطول التحديق وتدقيق النظر...هدوء غريب يُلابِسُ الطبيعة والأشياء...صمت تراجيدي ثقيل يخنق كل الأصوات التي قد توحي بالحياة، وحدها الريح ترسل هباتها المُعْوِلَة بين فينة وأخرى، فتبعث في المشهد حركة حثيثة وغامضة، ومن أديم السماء المنفتح على المقاسات الكونية التي لا يستوفيها الإدراك، تتدلى غيوم دكناء تُغامِسُ الضباب الأرضي الكثيف، فيبدو المدى صورة هلامية تتراخى فيها الحدود بين المتغايرات، وتتداخل فيها الصور وتتكاثف الرؤى، فيهيم الخاطر، وتتخالط الحالات والتحولات، وتَرِينُ على العقل حالة سقيمة من حالات الانقياد إلى منطق الأشياء، دون قدرة حقيقية على فهم جدواها الآسرة،،

يتحسس نفسه، يحاول أن يحدد في ذهنه نقطة تموقع عقلي ليدرك أين هو ومن يكون! تتدفق في رأسه أفكار مُتَخالِطَة، ورُؤى غامقة، وبقايا أحلام غير مكلتمة، يرى نهرًا سَيّالاً ومِياهًا عَكِرَة، يسمع هديرًا وأصواتًا بشرية تتعالى، تتقارب ثم تتباعد ثم يطويها الصمت ويَخْلُفُهَا الصّدى، وجوه كثيرة بملامح متشابهة، عيون وعيون، والمزيد من العيون الجاحظة، نظرات مستقصية لا تشبه كل ما في عيون الناس من نظرات ماكرة، لكن كل تلك العيون وكل تلك النظرات تنبع من نفس الحقد الجوهري الكامن في الكائنات المستوحشة؛ كائنات لا يعرفها لكنها تعرفه،،تَتَرَصَّدُه من حيث لا يعلم...تطوي المسافات لكي تتعقبه...تصطنع الحيل لكي تستجلي ما يدور في خَلَدِه،،

يرى كل هذا وهو في شبه غفوة حالمة، حالة استبصار دافق تتلبَّس وعيه، فينكشف الحجاب ويرى -في ما يراه النائم- ما كان قبل أن يتكون هذا الضباب الكثيف المتكاثف الذي يخالطه في هذه الجبال الجَهْمَةِ العالية: كيف أتيت إلى هنا؟ من هم أصحاب تلك العيون الصاعقة والنظرات المخيفة التي حَدَّقَتْ فِيَّ طويلا قبل أن يُجَلِّلَهَا العَمَى؟ من هم أصحاب تلك الأصوات التي تَعَاوَتْ بشراسة قبل أن يُخْسِئَهَا الصمتُ ويُجاوِفَهَا الصّدى؟ أين أنتَ أيها النهر السَّيَالُ الذي غمرني غَمْرَةً شَحِيحَةً ثم انْجَابَ عني، وتركني مُجَرَّدا من دِرْعِي أمام المَهَاوِلِ والدَّواهِي التي لا تُرَى؟ أين أنتِ أيتها الأحلام التي راودتني خِلْسَةً قبل حُلول الفناء الدَّاهم؟ بل أين أنتَ يا أنا؟...الكثير من الأسئلة تَيْنَعُ في ذهنه مثل الشَّوْكِ أو الصُّبَّار...يشعر بها تَنْهَشُ ما لديه من شبهِ شجاعة أو جَلَد...تَتَفَاقَمُ في تَجاوِيفِ فؤاده رَهْبَةٌ بدون اسم...تُصَاوِلُه مثلما يُصَاوِلُ الموج العَاتِي بَكارَةَ الشَّطِّ الخامِل المهجور.

ومرة أخرى،،من حيث يبدو له أنه ما زال واقفا مثلما كان قبل قليل، يرى الأشياء ضَحْلَةً لا تكاد تَبِينُ، يراها قد تَشَيَّأَتْ إلى حدود التَّشَيُّءِ القُصوى، وتَأَنْسَنَتْ إلى حدود التَّأَنْسُنِ الأَفْخَم...ثم يغفو قليلا فيراها قد أضحت هائلة فاتنة جائرةَ القُبْحِ أو فاجرةَ الجمال...يراها شعلة ضياء أو هَزِيعًا من الليل وقد استطالت ظلماته وتَعَفَّنَ سوادُه، يرى الأشياء وقد توحَّدَتْ بأضدادها، فَيسْتَجْلِي فيها المحجوبَ والمرئي، والمكشوفَ والبَدْئِي، والحقيقة والسراب،،
وفجأة يدوي صوت، يشق جدار الصمت، يبعث حالة استنفار في الوادي العميق والضباب الكثيف والغيوم والجبل، تستعيد حواسه حالةَ تَحَفُّزِهَا الأول، يصِيخُ السمع،،تهب ريح رَطِيبَة، تتدافع دَفَقَاتُهَا المُسْتَشِيطَةُ الباردة، تُلامِس جسده وتحدث فيه رعشة خفيفة، يسْتَلِذُّ هذه الحالة العُنْفُوَانِيَةَ المزيفة، يستعيدُ من خلالها ذكرى حدثٍ بائدٍ نَسِيَهُ كل الناس وظل وحده يتذكره، ويحمل وِزْرَهُ مثلما كان سيزيف يحمل صخرته الملعونة، تتدافع الريح مثل المارد من كل صَوْب، تتدفق هباتها عبر المضايق والفِجاج، تزداد قوتها بدون تبرير معقول، ترتفع وتيرة حلولها المُعْوِلِ في المشهد المُجَلَّلِ بكآبته الوجودية الجليلة، تتحول الريح فجأة إلى عاصفة، وتتحول العاصفة إلى إعصار، ومع الإعصار يجِدُ نفسه قد تحولت بأعجوبة إلى كائن أسطوري عجيب، ومن عمق الأعماق وسر الأسرار، يَتَصَادَى في المدى صوتٌ لَدُنِيٌ خَبِيء، ويخاطبه بما لا يفهم: اركب الريح واسلك بها السبل الموصلة!...اعتلي صهوة الإعصار قبل أن يعتليك الصدأ!...واجتلي سر الوجود لكي تنفَكَّ عنك لعنة الطَّلسم!...ها قد منحتُكَ سِرِّي، فاجعله سرك أينما أخذتْكَ الريح، وحيثما أناخت بك راحلة الإسفار...

لحظة من فضلكم!

لم يكن هذا غير تلخيص مشوَّهٌ لما حدث، شيء غريب شهدتُه هناك، فكان بدايةً لشيء أدهى وأغرب، أعلم أن ما قلتُه لا يستقيم له فهم في الذهن أو تصور مقبول في العقل، لكن دعكم من هذا أيها المتسائلون عن الأشياء التي لا تفهم، سأحكي لكم ما حدث كيفما اتفق، وليس عليكم أن تفهموا، لأن ما حصل يقع خارج حيز الإدراك، ولذلك فهو عَيْنُ المدرَكات بدون ادِّعاء، وهو فيصل القول في أزمنة الأقاويل المتكاثرة الشوهاء،
وها أنا أسوق إليكم مدار الحكي العجيب:
ما حدث بعد ذلك -أو ربما قبله- كان عجبًا:
رأى نفسه حدَّادًا يصهر الحديد وينفخ في الكير، ويباشر الضرب بالمطرقة على السندان، رأى نفسه يتصبب عرقا، يفور بِحَرِّ الصَّهْدِ القائظ، ينوء بمشقة الجهد المضني الذي كلفته به الريح حين خاطبته خلسة عند المعتليات الشاهقة حيث يقيم الجبل، سأل نفسه باستغراب: ما هذا الذي تصنعُ بعد أن شِخْتَ في رمشة عين وعلى غفلة من الزمان أيها الحدَّاد؟ ما الذي تبغيه من مُصاوَلَةِ النار ومباطشة الحديد بعد أن خار فيكَ العزم، وانتقصت من عمرك الليالي والأيام؟!...

أخذته غفوة ساهمة، سرقته خلسة من نفسه، تملكته رعشة ربداء، نتأت في دواخله مشاعر ملتبسة، أشاعت في المكامن حالة احتباس قاتم، تهاوى تحت وقع السؤال، تلبدت في قلبه غيوم خوف كسير، خشي أن يُطْلِعَ نفسَه على سره، خشي من جاسوسيتها الغادرة، خاف أن يتفوه بالجواب رغما عنه، فيتصادى الخبر في كل مكان ويصل إلى الحضيض أو يرقى إلى الجبل، حشر في فمه كومة من الرماد، وجَذْوَةً من صَبِيبِ الحديد المصهور، كتم صرخات الألم لكي لا تسمعها الأذان المتلصصة، وأغمض جفونه كي لا تفضحه نظراته، وناجى أَنَاهُ القابعةَ في مكنونات دواخله العميقة التي لا يطلع عليها بشر: أنا أصنع سيفًا،،أنا أهيئ قيام الأمر العظيم!،،أنا أجتلي الآتي بالضرب على الحديد، والنفخ في الكير، ومقارعة الصهد والنار!...

من حيث لم يحتسب، سمع جلبة تقشعر لها الأبدان، رأى أشباحا متوشحة بالسواد الفاحم، وتلامحت لعينيه المفغورة من الدهشة التي لا تقاوم، وجوه عابسة تعتريها خشونة بدون نظير، ويَسْتَعِرُ في عيونها وَقْدُ النار ولَفْحُ الجحيم!...
وضعوا القيود في يديه، والأصفاد في قدميه، اقتادوه في مسارب ضيقة، أدخلوه إلى عوالمِهم التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر ببال بشر، متاهة من الأنفاق الحلزونية، رائحة نتانة خانقة، لطخات دماء متيبسة على الجدران، جماجم موتى موضوعة على رؤوس الرماح، بقايا جثث متفسخة تتدلى كالجِيَفِ من السلاسل المعلقة في السقف الوَطِيء، صرخات وحشية، وصدى أنين قادم من تجاويفَ مجهولة!...
عالم مخيف!...مرعب!...غامض!...مجهول!...وغريب!...
صرخ بأعلى ما يطيقه صوته المكتوم: يكفيني منك أيها الكابوس!...أريد أن أحيا،،أريد أن أصحو،،أريد أن أفيق...
لكنه سمع صوتا ساخرا يلقي في روعه أَنْ لا مَنْجَى ولا مَفَرّ!...
صوت آخر يدوي كالهدير: هذه صحوتك الكبرى...هذه هي الإفاقة بعد النوم!...هذا هو الوعي بعد الغفلة...وهذه هي اليقظة بعد الغفوة...
وسمع المزيد من الأصوات وهي تخاطبه بِتَشَفٍّ وشماتة: ألم تعلم أن النظام قد عطَّل صنع السيوف، وحرَّم حرفة الحدادة منذ ألف عام؟...أهلا بك في عالم إعادة التربية والتأهيل!...ستخرج من هنا – إن خرجت- مثل اليعسوب الذي لا يكتمل نضجه إلا بعدد ما يكابده من انسلاخات أليمة...

حاول أن يصرخ أو يتكلم، لكنهم تغامزوا عليه وكمَّمُوا فمه، أعملوا فيه الخيط والإبرة بعد أن حشروا فيه أوراق ووثائق المعاهدات الدولية التي وقعوها بالأقلام الذهبية أمام الكاميرات، قبل أن يحولوها بعد ذلك إلى ورق مستراح، ويضعوها في المراحيض لكي يكتمل بها استنجاؤهم الذي لا تجوز به الصلاة، وحين تأكدوا أنه لا يستطيع النطق أو الكلام، تقافزوا من الفرحة، رقصوا رقصة هستيرية، صوتوا وزمروا وطبلوا، ولَعْلَعَتِ السعادة الوحشية في أغوار عيونهم، وانهالوا عليه بالضرب، ثم المزيد من الضرب ثم المزيد ثم المزيد...
شعر برماحهم تخترق جسده من كل صوب، أحس بسيوفهم تقتطع منه الأطراف، وتحول جسده إلى ركام قميء من الأشلاء الممزقة الشوهاء...
لم يبق منه شيء!...
عيناه اللتان كانتا عينيه قبل أن ينزعوهما منه، رأت ما لا يُرَى، وأبصرت هَوْلَ البشاعة الكبرى:
دماء في كل مكان...أشلاء مبعثرة...قطع لحم نازفة...وابتسامات وضيئة وسعيدة على شفاه الكائنات التي فقأت العيون، وبقرت البطن، وجزَّت الأطراف والأوصال!...

جمعوا الأشلاء وشَفَطُوا الدَّم...وضعوا كلَّ ذلك في قِفَافٍ من القشِّ الأخضر...حملوها إلى المكان الذي لا يُرى!...أغلقوا خلفهم الأبواب الحديدية السبعة!...غابوا خلفها سبع سنين عَدَدا...وحين أعادوا فتحَها في يومِ عِيدِهِمُ المعلوم، رأى أغرب مشهدٍ أطلعته عليه الأيام:
رأى نفسه كائنًا مُلَقَّمًا وقد صار من جديدٍ حَدَّادا!...رأى أطرافه مُجَمَّعَةً بخيوطٍ غليظةٍ وفَسَائِلَ من الكَتَّانِ الأحمر...ورأى الدم النازف من مَسَامِّ الجراح الغائرة؛ رآه قَانِيًا وطَرِيًا يُنَسْنِسُ مثل زَخَّاتِ المطر في صبيحةٍ خريفية...ورأى في يده مطرقةً، وعن يمينه السندان، وفي يساره الكِير...وفوق السِّنْدَانِ نَصْل السَّيف المكسور...وأحس بحرارة النار تملأ كل المدى الضيق والمفتوح...وشيئا فشيئا، وعلى إيقاع ضربات المطرقة وهي تُغازِلُ السندان، رأى ما لا يُرى، وتَهَجَّى فيه خِلْسَةً أبجدية ما حصل: رأى العرق المتصبب من جبينه وهو يتحول إلى نبع للظمأى والشاربين والمسافرين بالأسحار نحو قمة الجبل...حَاصَر نَجْوَاه هذه المرة، وكَتَمَ الأمر عن نفسه كي لا تفضحه مرة أخرى...وتابع الطَّرْقَ على السِّنْدَانِ بقبضته المُلَقَّمَةِ التي كانت قد تحولتْ خِلْسَةً إلى مطرقة نازفة ونَصْلِ سيفٍ مَبْتور!...