فات الأوان

، بقلم غزالة الزهراء

هناك في تلك الشرفة المكشوفة يحتضنه كرسي خشبي عتيق ، جريدة اليوم تستسلم استسلاما كاملا ليديه الدافئتين ، يتصفحها تباعا ، يلقي نظرة عابرة على العناوين المكتوبة بخط عريض ، ثم يعود ثانية إلى القراءة الجادة بغية استيعاب ما استجد من أخبار وأحداث على ساحة الواقع .

لم يتفطن لوجودها في الشرفة المقابلة ، بل انطلقت عيناه الرماديتان تلتهمان السطور بشراهة منقطعة النظير .
بعينين متلهفتين ترقبه عن كثب علها تحظى منه بالتفاتة طيبة تبهج روحها السقيمة ، وتنعش فؤادها الكسير ، واحسرتاه ! لا شيء ينفخ في تلافيف عالمها الراكد بصيص أمل مشع لينتشلها من بوتقة الحيرة والارتباك .

حياتها أشد جفافا تحاكي في عقمها الأرض البور ، لا زوج ، ولا فلذات كبد ينضون عن كاهلها جحيم الفراغ .
شبح الوحدة المريع يستفزها عمدا ، يستل منها راحة البال ، ويقذفها بهمجية مباغتة في حمأة القلق واللاأمان . ترسل من أعماقها المتصدعة تنهيدة مشحونة بفحيح الغبن ، وكوابيس الانتظار ، يتلألأ الدمع كالدر الخالص في مقلتيها ، ثم ينسكب على الخدين مدرارا لا يعيق سبيله عائق .

تسارع الخطاب إلى بابها ، ولكنهم يعودون أدراجهم خائبي الآمال من غير موافقة الوالد ، يصارحهم بقوله : إنها الكبرى في إخوتها ، تهتم بأمورهم ، هي من توفر لهم بساط الدفء والأمان ، وتلعب دور الأم المناضلة التي تجاهد في تنشئتهم النشأة الصحيحة ، والدتهم غيبها الثرى في رحمه بعدما تصارعت مع الداء الهالك لسنين ، لا أوافق على تزويجها لأن هذا لن يكون في صالح أولادي .
ترعرع الأولاد ، وتزوجوا ، صار لكل واحد منهم مسؤوليات عدة ، وبيت مستقل كما أنجبوا وصاروا بدورهم آباء .

أحست ربيعة إحساسا فظيعا بأنها منبوذة ومهمشة من قبل إخوتها الرجال ، أما زوجاتهم المتعنتات فحدث ولا حرج .
إخوتها لا يتهافتون إلى معرفة أحوالها ، ولا يزورونها إلا في الأعياد فقط ، وبمجرد أن يرتشفوا من يديها كؤوس الشاي المعتقة ، أو يلتهموا طعاما شهيا إلا وينتصبون من أماكنهم واقفين ، ويغادرون بمعية زوجاتهم وأولادهم مخلفين لها بصمات بارزة من فراغ مقيت .
ذات مرة أصيبت بزكام حاد أقعدها السرير لأيام ، لا اتصال ولا كلام كأنهم يعيشون في عالم آخر غير عالم الأحياء .

تسمع ربيعة نداء قويا يطفح من سنوات عمرها الضائع : ماذا دهاك يا ربيعة ؟ أتضعين أملك كله في شخص يصغرك بعدة أعوام ؟ ألم تلاحظي تلك التجاعيد المرسومة على جبهتك بوضوح ؟ ألم تلاحظي تلك الشعيرات البيضاء التي اشتعلت في رأسك من جراء تقدم السن ؟ عودي إلى رشدك يا ربيعة ، ولا تطاردي حلما بعيد المنال .