السبت ٢٣ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠١٣
بقلم غزالة الزهراء

فات الأوان

هناك في تلك الشرفة المكشوفة يحتضنه كرسي خشبي عتيق ، جريدة اليوم تستسلم استسلاما كاملا ليديه الدافئتين ، يتصفحها تباعا ، يلقي نظرة عابرة على العناوين المكتوبة بخط عريض ، ثم يعود ثانية إلى القراءة الجادة بغية استيعاب ما استجد من أخبار وأحداث على ساحة الواقع .

لم يتفطن لوجودها في الشرفة المقابلة ، بل انطلقت عيناه الرماديتان تلتهمان السطور بشراهة منقطعة النظير .
بعينين متلهفتين ترقبه عن كثب علها تحظى منه بالتفاتة طيبة تبهج روحها السقيمة ، وتنعش فؤادها الكسير ، واحسرتاه ! لا شيء ينفخ في تلافيف عالمها الراكد بصيص أمل مشع لينتشلها من بوتقة الحيرة والارتباك .

حياتها أشد جفافا تحاكي في عقمها الأرض البور ، لا زوج ، ولا فلذات كبد ينضون عن كاهلها جحيم الفراغ .
شبح الوحدة المريع يستفزها عمدا ، يستل منها راحة البال ، ويقذفها بهمجية مباغتة في حمأة القلق واللاأمان . ترسل من أعماقها المتصدعة تنهيدة مشحونة بفحيح الغبن ، وكوابيس الانتظار ، يتلألأ الدمع كالدر الخالص في مقلتيها ، ثم ينسكب على الخدين مدرارا لا يعيق سبيله عائق .

تسارع الخطاب إلى بابها ، ولكنهم يعودون أدراجهم خائبي الآمال من غير موافقة الوالد ، يصارحهم بقوله : إنها الكبرى في إخوتها ، تهتم بأمورهم ، هي من توفر لهم بساط الدفء والأمان ، وتلعب دور الأم المناضلة التي تجاهد في تنشئتهم النشأة الصحيحة ، والدتهم غيبها الثرى في رحمه بعدما تصارعت مع الداء الهالك لسنين ، لا أوافق على تزويجها لأن هذا لن يكون في صالح أولادي .
ترعرع الأولاد ، وتزوجوا ، صار لكل واحد منهم مسؤوليات عدة ، وبيت مستقل كما أنجبوا وصاروا بدورهم آباء .

أحست ربيعة إحساسا فظيعا بأنها منبوذة ومهمشة من قبل إخوتها الرجال ، أما زوجاتهم المتعنتات فحدث ولا حرج .
إخوتها لا يتهافتون إلى معرفة أحوالها ، ولا يزورونها إلا في الأعياد فقط ، وبمجرد أن يرتشفوا من يديها كؤوس الشاي المعتقة ، أو يلتهموا طعاما شهيا إلا وينتصبون من أماكنهم واقفين ، ويغادرون بمعية زوجاتهم وأولادهم مخلفين لها بصمات بارزة من فراغ مقيت .
ذات مرة أصيبت بزكام حاد أقعدها السرير لأيام ، لا اتصال ولا كلام كأنهم يعيشون في عالم آخر غير عالم الأحياء .

تسمع ربيعة نداء قويا يطفح من سنوات عمرها الضائع : ماذا دهاك يا ربيعة ؟ أتضعين أملك كله في شخص يصغرك بعدة أعوام ؟ ألم تلاحظي تلك التجاعيد المرسومة على جبهتك بوضوح ؟ ألم تلاحظي تلك الشعيرات البيضاء التي اشتعلت في رأسك من جراء تقدم السن ؟ عودي إلى رشدك يا ربيعة ، ولا تطاردي حلما بعيد المنال .


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى