كوميديا سوداء في أجواء من الواقعية الساحرة!

، بقلم مهند النابلسي

ملخص الفيلم: يصور الفيلم الذي يستغرق عرضه اكثر من ساعتين ونصف، احداث قصة شبه حقيقية تتناول قيام مجموعة مكونة من ضابط شرطة،مدعي عام وطبيب، بالاضافة لحافري قبور ورجال شرطة وشقيقين متهمين بالقتل (أحدهما معاق)، حيث تتجول ثلاث سيارات في المناطق الريفية للأناضول بحثا عن مكان دفن جثة، وتكمن المفارقة الكوميدية في عدم تذكر الجاني لمكان دفن الجثة بسبب تناوله المفرط للكحول ليلة الجريمة، كما ان هبوط الظلام وتشابه الملامح والتضاريس البصرية صعب من اكتشاف موقع الدفن.

بحث عن الذات والآخر

تكمن عبقرية هذا الفيلم الطويل اللافت، في تحول رحلتهم البوليسية هذه لرحلة اكتشاف للذات والآخر، حيث يجبرهم تجمعهم القسري والنادر طوال ليلة كاملة ونصف يوم آخر، لمناقشة مواضيع عديدة متداخلة ومتشعبة، منها كيفية تحضير اللبن، اعداد لحم الضان، مشاكل التبول والبروستاتا، شؤون العائلة وقصص الزوجات والأطفال، المغامرات النسائية،الموت والانتحار، التراتبية الوظيفية والبيروقراطية ، عناصر السلوك القويم، ما يصح وما لا يصح، ثم يناقشون باسهاب تفاصيل عملهم اليومي ! وقبيل الفجر يتوقفون في قرية مجاورة لتناول الطعام، وبعد الوجبة يتم تدريجيا اكتشاف ملابسات الجريمة ليلة وقوعها، حيث اقدم الجاني وشقيقه على قتل الضحية بعد توثيقها وهو في حالة سكر كامل، ويكشف سرا كبيرا عندما يعترف بأن ابن الضحية هو ابنه الغير شرعي، " فتش عن المرأة " يقول مفتش الشرطة معلقا!

تكمن روعة هذا الفيلم في التفاصيل التي قد تستدعي الملل في افلام كثيرة اخرى، ولكنه هنا جاءت لافتة وجذابة وحافلة بالحوارات الطبيعية والايماءآت المثيرة للاهتمام: فعندما جلبت جثة القتيل للمشرحة، طلب المحقق من زوجة الضحية التعرف على جثة القتيل، فاجابت بعد تردد غامض وكانها لا تعرفه، ثم طالب من كاتب السجلات أن يعطيها مقتنيات القتيل وملابسه، ودار قبل ذلك جدال مجازي حول تاثير عقار معين وتسببه عند أخذه بجرعات زائدة في حدوث جلطة قاتلة، حيث يبدو (وهذا هو السر الثاني الذي نكتشفه في سياق القصة) وكان زوجة المدعي العام نفسها، قد اقدمت على الانتحار بتناولها لهذا العقار، ومباشرة بعد ولادة ابنتها، وكأنه احتجاج صارخ فيما يبدو على علاقات زوجها النسائية المتعددة، ثم يعلق المدعي العام بسخرية حزينة: كم أن النساء قاسيات وينتقمن بطريقة غريبة! اما المفاجاة الثالثة في هذا السرد السينمائي الواقعي الجميل، فتكمن في اكتشاف جراح المشرحة لوجود غبار في رئة الضحية، مما يعني انه دفن حيا، ولكنه لأسباب غامضة (وربما انسانية)، وبطريقة غير متوقعة يمحي الطبيب المسؤول هذا الاكتشاف من سجلات التحقيق، ونشاهده يتابع من خلال النافذة، وبنظرات متعاطفة الأرملة المسكينة وابنها (ذي الاثنا عشر عاما ) وهما يسلكان منحنيا زراعيا باتجاه بيتهما، وحيث نلاحظ الفتى الصغير يرد بلامبالاة كرة ضالة لمجموعة تلاميذ بلعبون في مدرسة مجاورة، راكضا ببراءة للحاق بوالدته!

وقائع حقيقية ونمط تشيكوف السردي

نشأ المخرج نوري بيليج سيلان في بلدة صغيرة تتشابه لحد بعيد مع البلدة التي شاهدناها في الفيلم، وخاصة فيما يتعلق بالعقلية السائدة وهموم البشر واحترام التراتبية والبيروقراطية، وقد اعترف بأنه يرتبط شخصيا مع أنماط الشخصيات التي يتحدث عنها.لقد بني الشريط على وقائع حقيقية، كما ان أحد كتاب القصة كان طبيبا حقيقيا، وبغرض الحصول على رخصة ممارسة الطب، فقد تطلب الأمر ان يقوم بالعمل لعامين متواصلين في مستشفى البلدة المحلي. أما عنوان الفيلم فهو مشتق من ملحمة الغرب الشهيرة (في ستينات القرن الماضي) للمخرج الايطالي الراحل سيرجي ليوني "حدث ذات مرة في الغرب". تم ادخال عناصر درامية نابضة بالحياة مشتقة من وحي قصص الكاتب الروسي الشهير انطوان شيكوف، وانجز التصوير خلال أحد عشر اسبوعا في مواقع مختارة حول بلدة "كيسكين "، وهي تابعة لمنطقة كينكالي في وسط الأناضول.

جائزة مهرجان كان وأربع جوائز عالمية

يحتوي الفيلم على تحدي واضح يكمن اولا في طوله الذي يتجاوز الساعتين ونصف، وفي نمط تطور الأحداث خلال الساعة والنصف الاولى من التصوير الليلي، ومن ثم بعد انبلاج الفجر لليوم التالي، وبطريقة اعتماده للزمن الواقعي- الحقيقي لمجريات الأحداث. وبالاضافة لكون الفيلم يوثق زمنيا للأحداث بشكل تصاعدي-درامي، الا أنه لا يتبع نمطا تقليديا في السرد السينمائي، حيث تحدث الأشياء برتم طبيعي، ودونما مداخلات وحذلقات سينمائية ابهارية، من هنا فانه يعتبر فيلما رياديا، وقد استحق بجدارة جائزة التحكيم الكبرى في مهرجان كان، بالاضافة لأربع جوائز عالمية اخرى (كآسيا باسيفيك ومهرجان كارلوفي) كما أنه حصل على خمسة ترشيحات دولية كأحسن فيلم وأحسن سيناريو.

لقطات لافتة

يحمل هذا الفيلم بعدا انسانيا نادرا من حيث تعاطفه مع القاتل، الذي يكاد بدوره أن يصبح عضوا في فريق البحث، كما انه كان يشعر بالندم والذنب الشديد، وقد ثبت فلسفيا أن الندم هو اسوا تجربة حياتية يمر بها الانسان، وتنضوي احداث الفيلم تحت عنوان الكوميديا السوداء، فهناك لقطات عديدة تبعث على الضحك والسخرية، ومنها اهتمام السائق (واسمه عرب) بجني الثمار البرية (كالتفاح وغيره)، والعودة بها كغنيمة من رحلة البحث هذه، حتى انه لا يكترث بوضعها مع الجثة في الصندوق الخلفي للسيارة، كذلك يتطرق للنمطية والبيروقراطية السائدة في التحقيق الجرمي ، ونرى التزاما تلقائيا طريفا مع التراتبية الوظيفية، فالكل يعرف دوره ومكانه، ولا احد يحتقن او يلوم، فعندما يكتشف ضابط الشرطة أنهم لم يجلبوا كيسا لحفظ الجثة، لا يغضب ويثور كالمتوقع في هذه الحالة، وانما يطلب منهم اللجؤ لخيار آخر عملي ، حتى الميت بدوره يبدو حضوره طاغيا بالجو المأساوي الذي أضفاه على رحلة البحث هذه، حيث يظهر "كالغائب الحاضر! "

وعندما يشكو جراح المشرحة للطبيب المسؤول من "تواضع " أدوات التشريح مقارنة مع مستشفى آخر بالمنطقة، لا يهتم هذا الأخير بهذه الثرثرة، ويطلب منه الاستمرار بعمله، حيث يباشر هذا الأخير بتشريح وتقطيع الجثة وكانه جزار ماهر يجهز خروفا بعد ذبحه ! ونرى الدم يتطاير على وجه الطبيب وملابسه، ونكاد نشعر أننا نرى المشرح وهو يجمع الأحشاء والقولون، بالرغم من كوننا لا نرى ذلك بأعيننا. يبدي الجميع تعاطفهم مع القتيل وطريقة توثيقه القاسية، وبالمقابل لا نرى الا ضابط الشرطة يصرخ مؤقتا في وجه الجاني بعصبية، كما تبدو الأحداث تنساب بشكل تلقائي، وكان ما يجمع هؤلاء الأشخاص هو الروابط الحياتية- المعيشية – اليومية، كما يهيمن شبح الموت على أجواء البلدة الصغيرة، ونرى القروي الكريم يستغل فرصة هذا التجمع النادر، لكي يطلب اقامة مشرحة عصرية وثلاجة حديثة كبيرة، لأن رائحة الأموات الخانقة (حسب تعبيره) تفوح في البلدة قبل وصول الأبناء من ديار الغربة البعيدة،لالقاء النظرة الأخيرة على جثامين الأباء والامهات التي تبقى بانتظارهم قبل الدفن، وهو يستغل بسذاجة القروي البسيط فرصة الوليمة هذه لكي يعرض جمال ابنته، ويسوقها للزواج، حيث نراها تدور عليهم بأكواب الشاي، فيما لا يتورع معظمهم عن اختلاس نظرات معبرة لوجهها الجميل!

دراما ريفية- ساذجة!

يتجلى مغزى التصوير الليلي والانتقال تدريجيا للصباح في حبكة القصة، حيث يبقى الموضوع غامضا، ومن ثم تتجلى تفاصيله تدريجيا مع انبلاج ضؤ الشمس في اليوم التالي، وهناك لقطات رائعة تتمثل في الاضاءة الليلية الآخاذة، التي استغلت فيها مصابيح السيارات وحركات الظلال وضؤ القمر! وعكس معظم الأفلام الأمريكية والاوروبية التي تعرض في مهرجان كان، فالفيلم لا يحتوي على حبكة سينمائية غامضة، ولا على مطاردات بالسيارت وعلى على قصة حب جارفة، ومشاهد جنسية صريحة او مجازية (كمعظم الافلام العربية الحديثة)، وانما هو شبه تسجيلي – واقعي لمجموعة موظفين بيروقراطيين يسعون معا بهدؤ لكشف ملابسات جريمة قتل ليست مثيرة اطلاقا، بل انها مجرد دراما ريفية لجريمة قتل عادية، ولكنها تدهشنا بطرحها الذكي الهادىء المتضمن للعديد من المعاني الانسانية السامية والمشاكل اليومية الحياتية البسيطة، أما الشخصيات الرئيسية الثلاث في الفيلم ن فقد كانت ايضا عفوية وبارعة وتكاد لا تصدق أنهم يمثلون، وهم رئيس الشرطة الحازم والعصبي يلماز أردوغان، والمحقق الساخر والمرح تينار بريسيل والذي يعتقد أنه يشبه الممئل الأمريكي الراحل كلارك جيبيل، والطبيب الشاب الحزين والوائق من نفسه محمت أزنير، وتكمن المفارقة اللافتة هنا في ان رحلة الاكتشاف هذه لم تتجاوز في واقع الأمر اكثر من سبعة وثلاثين كيلومترا، كما علق أحدهم بسخرية، فيما بدت وكأنها رحلة اسطورية لا تنتهي للطرف الآخر من العالم، كما أن المغزى العميق يتجلى في سعيهم لاكتشاف ما هو اكثر من مجرد جثة رجل ميت، وتتجلى الكوميديا في التعليقات اللاذعة التي تتناول كافة قضايا حياتهم اليومية، وفي التوقف المتتابع للقافلة حتى يتمكن المحقق من التبول!


مهند النابلسي

عضو رابطة الكتاب الأردنيين- عضو اتحاد الكتاب العرب

من نفس المؤلف