إستعراضٌ لكتاب «شعر وموسيقى»

، بقلم حاتم جوعية

مقدمة: صدرَ هذا الكتابُ " شعر وموسيقى " قبل بضع سنوات، للموسيقيَّةِ والفنانةِ المعروفةِ " وفاء يونس " من قريةِ "عرعره - المثلث "، وهي خريجة ُ معهدِ " روبين للموسيقى – حيفا " وتعملُ مُعلِّمَة ً للموسيقى في مدرسةِ " الظهيرات " - عرعره، وتديرُ معهدًا للموسيقى ولها فرقة ُ عازفين من الأطفال. ووفاءُ تعشقُ الموسيقى العربيَّة وتعملُ دائمًا على تنميةِ وتطويرالمواهب الفنيَّةِ عند الاطفال. لقد أصدرت مجلة " الموسيقى بحر عميق "، وَدوَّنت النوتة َ الموسيقية لكتاب مدرسة الظهيرات بعنوان: " الغناء الشعبي في وادي عاره"، وصدرَ لها كتاب "وَعزفت لنا الأوتار". أما كتابها هذا الذي بين أيدينا " شعر وموسيقى " فيقعُ في ( 88 صفحة) من الحجم المتوسط الكبير - من إصدار (دار الهدى للطباعة والنشر ) وكتبَ مقدمتهُ الشاعرُ الكبير الأستاذ " سميح القاسم – رئيس تحرير جريدة كل العرب، وممَّا جاءَ في مقدمتهِ:

("ولا شكَّ لدينا أنَّ عطاءَ الفنانةِ وفاء يونس يستحقُّ أكثر من كلمةِ وفاء. فهذه الإنسانة ُ العربيَّة ُ الاصيلة ُ والموهوبة ُ تشكلُ، وحدها، بشخصيَّتها وعملها، مؤَسَّسة ً ثقافيَّة ً في جزءٍ عزيز من وطننا الغالي ما زالت شجرة ُ الفنِّ لديهِ مُحتاجة ًإلى كثير ٍمن الرِّعايةِ وَمُقوِّمَات النماء والإثمار..إلخ..").

يُعتيرُ هذا الكتابُ الأوَّل نوعِهِ – في الداخل – لقيمتِهِِ الموسيقيَّةِ والوطنيَّةِ حيث يحوي مجموعة ً من القصائد الشعريَّة المُلحَّنة والمنوَّتة ( مكتوبة بالنوتةِ الموسيقيَّة) لشعراءٍ محليِّين - قامت على تلحينها وتدوينها موسيقيًّا السيِّدة " وفاء يونس" .

مدخل: إنَّ الشعرَ والموسيقى يُعتبرَان من أسمى وأرقى الضروب الفنيَّة، وكلاهما يُكملُ الآخر... بل هما عالمٌ واحدٌ فلا نستطيعُ فصلهما عن بعض، والشِّعرُ بحدِّ ذاتِهِ هو موسيقى عذبة ٌ رنانة ٌ ساحرة ٌ تأخذ ُ بالألبابِ والنفوس ِ إذا كانَ الشِّعرُ موزونا وتكتملُ فيهِ جميعُ الشُّروطِ والعناصر الفنيَّةِ، فالقارىءُ أو المستمعُ يطربُ تلقائيًّا عندما يقرؤُهُ أو يسمعهُ. والشِّعرُ يُترجَمُ ويتمحورُ ديناميكيًّا وعمليًّا أكثر ويكونُ مفعولهُ أكبرَ فيخترقُ الفكرَ وأعماقَ النفس والوجدان ويُثيرُ اللواعجَ الذاتيَّة والرّوحيَّة عندما يُلحَّنُ ويُغنَّى - سواءً: الشعر الكلاسيكي أو التفعيلة أو الشعر العامي الموزون . والشعرُ العربي جميعهُ منذ العصور الجاهليَّةِ إلى أواسط القرن الماضي (القرن العشرين) هو شعرٌ غنائيٌّ وذاتي - كما عَرَّفهُ النقادُ والمستشرقون. وحتى الشعر الحديث (الحرّ - النثري) فقسمٌ كبيرٌ منهُ يُلحَّنُ إذا ضَمَّ وَحَوَى جميعَ الشروط والعناصر الفنيَّة والإبداعيَّة من: موسيقى داخليَّة أخَّاذة " كالتقاسيم التي لا تخضعُ وَتتقيََّدُ بمقام ٍ موسيقيٍّ واحدٍ فقط "، وإذا حوَى الصُّورَ الشعريَّة َ الجميلة َ والتكثيفَ في المعاني.. إلخ . والموسيقى والغناءُ اليوم لهما دورٌ مباشرٌ وسريعٌ وفعَّالٌ أكثر بكثير من الشِّعر في الإنتشار وبأداءِ رسالةٍ ما وبإيصال ِ الكلمةِ الهادفةِ المُلتزمةِ والفكرةِ السَّاميةِ – عكس ما كانَا عليه قديمًا، حيثُ لم تكن موجودة ً آنذاك الوسائلُ الترفيهيَّة ُ الحديثة ُ والتينيلوجيا المتطوِّرة ووسائل الإعلام السريعة المتطوِّرة الراقية، مثل: الصحف والمجلات والإذاعة والتلفزيون والمحطات الفضائيََّة والأنترنيت.. إلخ . فكانَ الشاعرُ القديرُ والمبدعُ قديمًا لسانَ حال قبيلتِهِ وأمَّتِهِ دائمًا، وهو مُحاميها وسفيرها والناطق يإسمِها والذائد عن كيانِها وحياضِهَا. والشِّعرُ كانَ الوسيلة َ الأولى والناجعة َ في إيصال الهدفِ والرسالةِ على أنواعِها ... وهو أمضى من السيف في ساحةِ القتال والقولُ الفصل في كلِّ مناسبةٍ وظرفٍ - في السلم والحرب. وبالرُّغم من وجودِ الغناء والتلحين والمطربين المُميَّزين المجيدين قديمًا في شتى العصور وعند معظم الشعوب، وخاصَّة ً عند العرب قديمًا، مثل: الغريض، عزَّه الميلاء، إبن محرز، إبراهيم الموصلي وإبنه إسحق، وزرياب.. وغيرهم... حيث كان الغناءُ وعلمُ الموسيقى متطوِّرًا جدًّا عند العرب، ومَن ينسى " الفارابي " مخترع القانون و " زرياب " الذي أضافَ وترًا خامسًا لآلةِ العود وأوَّل من استعملَ ريشة ً للعزفِ من قوادم الطيور، فالشِّعرُ كانَ لهُ الدورُ الأوِّل والحاسم في كلِّ الأمور والقضايا: السياسيَّة، الحربيِّة، الإنسانيَّة، الذاتيَّة والوجدانيَّة والعاطفيَّة أكثر بكثير من الغناء. وأمَّا اليوم فبحُكم ِ التطوُّر الحضاري والرُّقيِّ التيكنيلوجي فقدَ الشعرُ كثيرًا من مكانتِهِ ولم يعُد يصلح كأدَاةٍ للتكسُّبِ والمعيشةِ، ولكنَّهُ بقي مُحافظا على قيمتِهِ المعنويَّةِ والفنيَّةِ ولم يفقدْ دورَهُ كأداةٍ للوعي والنضالِ والمقاومةِ ونشر الفكر الثوري والإنساني.. فما زالَ وسيبقى لسانَ حال الامم والشُّعوب التي تصبُو للعيش الكريم وللحريَّةِ، وهو وسيلة ٌ ثقافيَّة ٌ تربويَّة ٌ عندما يكونُ على مستوى راق ٍ وأهدافهُ إنسانيَّة مثلى. ولكن إنتشار الشعر والقصائد بين الناس اليوم وعند جميع الشُّعوب بطيىء على عكس الأغنية التي تنتشرُ كسرعةِ البرق في جميع البلدان والدول عبرَ أشرطةِ الكاسيت والتلفزيونات والإذاعات والمحطات الفضائيَّة والأنترنيت.. إلخ. فالكثيرون من الشعراءِ المبدعين اليوم اشتهروا بفضل ِ تلحين قصائدِهم وغنائها من قبل ملحنين ومطربين مميَّزين ومبدعي قديرين، وخاصَّة ً في الدول العربيَّة. وأمَّا عندنا في الداخل (داخل الخط الاخضر– عرب ال 48) فيوجدُ لدينا كمٌّ كبيرٌ من الشعراءِ المبدعين والمُمَيَّزين فنيًّا..الذين كتبوا أروعَ القصائد على إختلافِ مواضيعها: الوجدانيَّة والحماسيَّة والسياسيَّة لشعبهم الفلسطيني وكتبوا الشِّعرَ الإنساني الرَّاقي والهادف وأبدعوا أيُّما إبداع. ولكن من ناحيةٍ موضوع الموسيقى والغناء فيوجدُ عندنا فراغ ونقصٌ كبيرٌ من حيث عدد الملحِّنين والموسيقيِّين المبدعين القديرين. فمعظمُ الذين يعملون في مجال الموسيقى والتلحين غير متمكنين وغير مُبدعين ويلحِّنون دائمًا الكلمات الهابطة مستوًى التي تفتقرُ للمعنى الهادفِ وللمستوى الفنِّي الرَّاقي وللبعد الوطني والإنساني والرُّؤيا الفلسفيَّة... وتكونُ الحانهُم سخيفة ً وتافهة ً ومُستهلكة ً كالكلماتِ التي يختارونها. وحتى المطربون المحلِّيُّون والبعضُ منهم يمتلكُ صوتا جميلاً عذبًا وطبقات صوتيَّة عالية فلا توجدُ لديهم أغاني جديدة خاصَّة بهم فيغنون لغيرهم من مطربي الدول العربيَّة. وإذا ما غنوا أغنية ً جديدة ً بتلحين محلِّي فتكون دون المستوى لحنا وكلمة ً ومضمونا، ومهما كانَ صوتُ الطربين المحليِّين جميلا فلا يكفي لإعطاءِ الأغنيةِ الجديدةِ طابعًا مُميَّزًا وراقيًا إذا كانت الكلماتُ واللحنُ دون المستوى . وهذا ما نراهُ بوضوح في الكثير من المهرجاناتِ والحفلاتِ المحليََّةِ التي تقامُ، وخاصَّة ً ذات الطابَع السلطوي التي يشتركُ فيها كتابٌ وشعراءٌ بكلماتٍ مستهلكةٍ وتافهةٍ لا يوجدُ لها أيُّ هدفٍ وطعم ٍ وبألحان ٍ لملحِّنين ما زالوا رغمَ قدمهم هواة ً غير قديرين ولمغنين مبتدئين... وحتى أيضًا المطربون المحترفون الذين لا يأخذون اللحنَ المتطور والرَّاقي والكلمة َ الهادفة ليغنوها بصوتِهم الجميل، ولهذا فنرى الكثيرَ من الأغاني الجديدة لمطربينا المحلِّيِّين غير ناجحةٍ ودون المستوى (ربَّما تنجح محلِّيًّا وعلى نطاق محدود وضمن بوتقةٍ مغلقةٍ من قبل بعض الأطر والجهاتِ الثقافيَّةِ والفنيَّةِ والإعلاميَّةِ السلطويَّةِ والفئويَّةِ الصفراء التي تروِّجُ وتسوِّقُ دائما للفنَّ الهابطِ والسخيفِ والمُهَجَّن الذي لا يُؤَدِّي رسالة ً ولا يخدمُ أيَّة َ قضيَّةٍ...سواءً كانت: أنسانيَّة،إجتماعيَّة، وجدانيَّة، وطنيَّة وسياسيَّة على الصعيد المحلِّي والأممي.

وفي ظلِّ هذا الوضع المُزري والمتراجع فنيًّا وموسيقيًّا، على الصعيدِ المحلِّي، جاءَ دورُُ المعلِّمة ُ الفنانة ُ والموسيقيَّة المتألِّقة " وفاء يونس " مديرة المعهدِ الموسيقي في قرية عرعرة – المثلث - لتسدَّ حيِّزًا وفراغًا كبيرًا على الصعيد الفنِّي فأخذت على عاتقها مشروعًا عظيمًا وهو تلحين مجموعةٍ كبيرةٍ من القصائد الوطنيَّةِ والسياسيَّةِ والإنسانيَّةِ وغيرها لخيرةِ شعرائِنا المحليِّين المبدعين، المخضرمين القدامى والشباب، والبعضُ من هؤلاء الشُّعراء عُتِّمَ عليهم من قبل ِ الإعلام السُّلطوي والأجهزة الإعلاميَّة الصفراء التي تدور في إطار السلطةِ. ولم تنتشر كتاباتُ وأشعار هؤلاء الشعراء الوطنيِّين كما يجبُ لتصلَ إلى جماهير شعبنا الفلسطيني في الداخل والخارج وللأمَّةِ العربيَّةِ لأنَّ قصائد َهؤلاء الشُّعراء صادقة ووطنيَّة ملتزمة على مستوًى عال ٍ تعكسُ همومَ وقضايا وآمالَ الشَّعب الفلسطيني والعربي قاطبة ً..وللإنسانيَّة جمعاء. وهذا الكتابُ الذي نحنُ في صددِهِ (شعر وموسيقى) هو الفريدُ والأوَّلُ من نوعهِ يصدرُ في الداخل (محليًّا) ويُعتبرُ عملاً رائدًا وإنجازًا فنيًّا ووطنيًّا قوميًّا لما يحويهِ من قصائد ملتزمة وطنيَّة صادقة بألحان رائعة مؤثرة عندما تغنَّى، فتعكسُ وتعبِّرُ عن قضايا وآمال الشَّعب الفلسطيني وتجسِّدُ طموحاته وحياته وواقعه. وكلُّ قصيدةٍ في الكتاب وضعَت بجانبها السيِّدة ُ " وفاء يونس " اللَّحنَ الخاص بها ُمنوَّتا بالنوتةِ الموسيقَّة. فأبدعت أيُّما إبداع في إبتكار وتأليفِ هذه الألحان – حيث كلّ لحن ألَّفتهُ ملائمًا ومطابقا ومتناغمًا جدًّا مع جوِّ وعالم القصيدةِ المُلحَّنةِ. فمثلا: القصيدة ُ الحماسيَّة ُ ذات الروح والنفس الحربي والعسكري وضعت لها لحنا عسكريًّا وإيقاعًا قصيرًا (مارش) يتلاءَمُ مع روح ونفس القصيدة. وأمَّا القصيدة ُ الرومانسيَّة ُ فوضعت لها لحنا رومانسيًّا عذبا دافئا ملائمًا لكلماتِ القصيدةِ وجوِّها وعالمها... إلخ . بينما نحنُ نجدُ بعضَ الملحِّنين المحلِّّيِّين يلحِّنون كلمات قصائد وأغاني لكتاب محليِّين لا يوجدُ أيُّ تناغم وتطابق فيها، بين اللَّحن وكلمات القصيدة والإيقاع، فالقصيدة ُ في وادٍ واللَّحنُ في وادٍ آخر . ففي كتاب " شعر وموسيقى " تظهرُ عبقريَّة ُ " وفاء يونس " بوضوح ٍ، ونحسُّ أنَّنا أمامَ موسيقيَّةٍ كبيرةٍ عملاقةٍ تمتلكُ طاقاتٍ فنيَّةٍ عظيمةٍ فذة، فألحانها على مستوى عال ٍ وراق ٍ جدًّا وإبداعيٍّ أصيل . وتذكِّرنا بألحان الموسيقيِّين العربِ الكبار، مثل: السنباطي وعبد الوهاب وغيرهم . والقصائد التي اختارتها للتلحين أيضًا مستواها عال ٍ جدًّا، والبعضُ من كتاب هذه القصائد لم ينلْ حظَّهُ من الشُّهرةِ والإنتشار الكافي بالرُّغم من مستواهُ الشعري العالي... وألحانُ هذهِ القصائد التي وضعتها وفاء تقعُ وتتمحورُ في عدَّةِ مقامات... ولكنها أكثرت من مقام (الراست) بصورةٍ خاصَّةٍ مقتدية ً بالمثل القائل: (وإذا طابَ ليلكم فأرْسِتُوا). والرَّاستُ مقامٌ جميلٌ جدًّا ويصلحُ ويتلاءَمُ مع معظم المواضيع ولجميع المناسباتِ والظروف وأنا أشبِّههُ ببحر " الكامل " – بحر المتنبِّي - الذي تصلحُ الكتابة ُ عليهِ في جميع المواضيع والقضايا، وهو أكثر البحور انتشارا واستعمالا. وأمَّا الشُّعراء الذين لحَّنت لهم " وفاء يونس " في هذا الكتاب فهم:

1 ) الشاعر سميح القاسم.

2 ) الشاعر المرحوم راشد حسين.

3 ) الشاعر الدكتور المرحوم جمال قعوار.

4 ) الشاعر حاتم جوعيه.

5 ) الشاعر شفيق حبيب.

6 ) الشاعر ملحم خطيب.

7) الشاعر كاضم إبراهيم.

8 ) الشاعر المرحوم أحمد طاهر يونس.

9 ) الشاعر سامح خاصكية.

10 ) الشاعر عاطف يونس.

11 ) الشاعر مصطفى الجمال.

12 ) الشاعر الدكتور عدنان بكرية.

13 ) الشاعر فاضل علي.

وأخيرا: - نهنِّىءُ الفنانة َ والموسيقيَّة َ القديرة السيِّدة " وفاء يونس " على هذا المؤلف النفيس ونشكرها لإهدائنا نسخة ً منه، ونتمنى لها العمرَ المديدَ والعطاءَ الإبداعي المتواصل في مجال الكلمةِ الهادفةِ واللحن ِ الإبداعي الملتزم، ونحنُ على انتظار إصداراتٍ جديدةٍ لها من المؤلّفاتِ الموسيقيَّة والألحان الجديدةِ المُمَيَّزة لشعرنا الفلسطيني الإبداعي الملتزم والإنساني.